إدارة الموقع

لله ضر المواطن من “الإضارة”

عمار يزلي
  • 524
  • 1
لله ضر المواطن من “الإضارة”
ح.م

من أصعب الأمور التي يعْظُمُ على التغيّر نفسه تغييرها، السلوك والممارسات الثقافية الذهنية تلك التي تجذّرت في النفوس وأمعنت في سلوك درب الإرث الموروث أو الطبائع السلوكية والأمزجة الذاتية ومقاومة كل تجديد وجديد، ما لا يستجيب لمطلب قديم جديد: العادة التي تقاوم أحيانا حتى العبادة.

الإدارة، أو ما نسميه عندنا أحيانا بالنظام البيروقراطي، وهو نعتٌ إيجابي يراد به السلبية، فالبيروقراطية، نظامٌ قائم على عقلانية التسيير المكتبي بطريقة دقيقة وفعالة، فيما هو العكس عندنا، عندما ننعت ثقل العمل الإداري والتراتبية الصاعدة والنازلة والملتوية وتغليب الذاتية على الموضوعية وخضوع الموظف لـ”الشخصنة” وللميول الفردية في العمل والتنظيم والتسيير، فهذا ما لا يتفق مع البيروقراطية كنظام تسييري جاء ليُضفي العقلانية والشفافية والسرعة في الإنجاز وفي التسيير وإبعاد العامل الذاتي وتغليب الموضوعي على المهنة، وفي نهاية المطاف خدمة المواطن.

الموقف الذي أبداه وزير العدل من قسنطينة إزاء رفض بعض الإداريين والمسيِّرين الإداريين تطبيق تعليمة الوزير الأول بشأن استبعاد وثيقتي الجنسية والسوابق العدلية من الملفات الإدارية، ينمُّ على أن الإدارة أو بعض من الإداريين وليس الكل، لا يزال يصر على القديم ورفض كل جديد ولو أتى من أعلى القمة الهرمية. ماذا يفيد هذا السلوك؟ وكيف يمكن فهمه؟ الوزير إياه حمل الأمر تحميلا سياسيا، وهو أمرٌ نتفهمه جميعا، كون أن عرقلة تطبيق القوانين والقرارات والمراسيم، رئاسية كانت أم تنفيذية، من شأنه أن يعيق العمل الحكومي ويعرقل تسييره، وهذا يعتبر مقاومة ومعارضة سياسية مقصودة، حتى ولو لم يكن الغرض منها المعارضة السياسية دائما، فالمسألة غالبا ما تكون بدون خلفيات سياسية، بل أساسها يكون ثقافيا فكريا ذهنيا وسلوكيا.

لقد ورثنا نظاما إداريا عن طريق فرنسا الاستعمارية التي غرست في إدارتنا وأسلوب تسييرنا الانقسام ما بين “كوليج أول” و”كوليج ثاني”، دولة بشعبين ونظامين: أقلية نخبوية كولونيالية ساحقة ماحقة، تعتقد أنَّها متفوِّقة على الكل وتتعامل مع الأغلبية المسحوقة من باب الغلبة والاستعباد  العرقي الأنديجيني، حتى أن تدريس التعامل الإداري مع الأهالي، كان يراد له أن يكون الجزائري خادما والإداري سيدا.. وهو العكس المطلوب في دولة المواطنة، إذ يعتبر الكلّ في ميزان واحد، ويكون الموظف في العمل، خادما للمواطن. هذا الإرث الثقافي الفكري الذهني، لم يكن من السَّهل تركه ولو أن النظام السياسي قد تغيّر، كون الجهاز الإداري بقي بنفس العقلية تقريبا لسنوات بعد الاستقلال، ولا يزال إلى اليوم في بعض جيوبه يسير ويسيّر بعقلية “أنا موظفٌ سيد” والمواطن “جزائري من الدرجة الثانية” وبعقلية “الشك اليقيني” في أنَّ هذا المواطن إنما يطلب هذه الوثيقة لغرض ما.. وكأنه وصيٌّ على نيات الناس. الموظف يشكّ في المواطن ويتعامل معه على أنه “متهم حتى يثبت براءته”، فيتعامل معه عبر بروتوكول مملّ وثقيل وأحيانا خشن وعنيف. هذه في حالات كثيرة، لكن البعض الآخر يتعامل مع القرارات الفوقية بعقلية أنها “لم تأتِني من المسؤول المباشر” وينتظر أوامر شفهية منه، وأحيانا لا يثق ولا يصدِّق ولا يتعامل مع الكتابي. وهنا تدخل العقلية الشفهية في التسيير، لأن سلطتها على البعض أقوى من الكتابي: مكالمة هاتفية عليا، قد تلغي قانونا بأكمله، وهذا ما لاحظناه في ملفَّات الفساد.

نحن إذن أمام مشكلةٍ ذهنية ثقافية، عليها أن تتغير بكل الأشكال الردعية والثقافية والتربوية والتحسيسية من طرف الجميع وعلى رأسها الجهاز الإداري في وزارة الداخلية أساسا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • محمد

    في آخر المقال كتبت"مكالمة هاتفية عليا، قد تلغي قانونا بأكمله"هنا بيت القصيد إذن ضرر دولتنا لا يكمن في الإدارة التي تربت منذ عقود على الالتزام بالأوامر الهاتفية الفوقية.هؤلاء الأمراء ما هم سوى السياسيين خاصة إذا كانوا من الجهلة والمستبدين المفسدين؟الإدارة في أصلها طائعة منفذة لكن حين يغيب المراقب في جميع المستويات ويكثر الطغاة كيف تريد للإداري أن تخضع لما تسنه النصوص حين تغيب العدالة عن حماية المواطن تلقائيا؟قيل يوما أن متعاونا شيوعيا رأى غياب الدولة عن تسيير شؤونها فحكم أنه في الجزائر آمن بالله الذي يتكفل وحده بأمور مجتمع لا يشتغل وحكومة لا تحارب الجهل مكتفية بصرف جزء من رصيد محروقات طبيعية.