-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا تخلَّف العرب وتقدَّم غيرُهم؟!

خير الدين هني
  • 1955
  • 8
لماذا تخلَّف العرب وتقدَّم غيرُهم؟!

ليس غرضي أن أطرح مشكلة تخلف العرب اليوم، من الوجهة التي  نظر بها أمير البيان (شكيب أرسلان)، حينما كتب عن الموضوع ذاته في مؤلفه الشهير (لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟)، لأن مشكلات ذلك العهد كانت تخضع لتعقيدات سياسية وثقافية استعمارية، مختلفة إلى حد كبير عن مشكلات عصرنا اليوم، إذ كان العالم الإسلامي يرزح تحت عبودية الاستعمار وقهره، فسلبه روحه التحررية وحجر عليه حريته وحركته ونشاطه وفاعليته، فلما أحس بالقهر والذل والحرمان وتبلّدِ فكره وجمودِ قريحته، اصطبغ بالصبغة الدينية التي كانت ممزوجة بالخرافة والأساطير التي لبّسها المسلمون بحقائق الدين الصحيحة.

وكانت هذه الصبغة هي الغالبة على التفكير الجمعي للمسلمين، لكون المسلمين كانوا محتفظين بخيط رفيع من الإشعاع الديني، الذي مزجوه بعاداتهم وتقاليدهم وموروثاتهم الاجتماعية، وهي الموروثات التي غذتها بعض المرويات الخاطئة، التي كدستها عوامل التخلف والانحطاط في المخيال الفردي والجمعي للأمة، فحسبوها موروثاتٍ من الدين وهي ليست منه في شيء.

والمرحوم أرسلان حين شخّص مشكلات العالم الإسلامي، من غير أن يفرد العرب بخاصة، فذلك لأن الأمة بكل أعراقها، كانت  سواء في الجهل والتخلف والانحطاط والنكوص، ولذلك شخّص أوضاعهم مجتمعة، لاشتراكهم في علّة واحدة.

وقد اجتهد في حصر مشكلاتهم ورتبها في عناصر، هي: “الجهل والعلم الناقص، وفساد الأخلاق، والجبن والهلع، واليأس والقنوط، ونسيان المسلمين ماضيهم المجيد، وشبهات الجبناء والجهلاء، وضياع الإسلام بين الجامدين والجاحدين”. وعوامل السقوط التي أحصاها المرحوم، هي ذاتها التي مازالت تشكل أزمة المفهومية في أخلاق السياسة العربية الحالية، من غير عامة المسلمين المنتشرين في أصقاع الأرض، إذ إن الكثير من دول العالم الإسلامي تخلصت من أزماتها السياسية أو كادت، وهي الأزمات التي عمّقتها الأنظمة الرجعية، التي نصبتها على شعوبها القوى الأجنبية المعادية لمشاريع الأمة، وشمولية أقليات الأغارشيا المتغلبة، وهي أيضا صنائع للقوى الخارجية، التي تعمل على تدمير مشاريع الأمة التنموية والنهضوية.

تحررت دول العالم الإسلامي من الأفكار السياسية المميتة للضمير الإنساني، واستبدلتها برحب واسع من الحرية في التفكير والممارسة السياسية، والاستقلال المؤسساتي، والشفافية في التسيير واحترام الحريات في الاختيار، والتداول على الحكم، مما جعلها تسجل وبثبات نوعية في التحديث السياسي والعمراني والصناعات المدنية والدفاعية، بأحسن مما كانت عليه في عهد المرحوم أرسلان، كإندونيسيا وماليزيا وتركيا وباكستان وإيران وغيرها، ممن دخلت في حقول التحديث السياسي، إلا عالمنا العربي الذي مازال الجمود والركود يميّزان حياته ونشاطه وحركته وفاعليته، وتحول إلى عالم محنّط  بالأفكار الراكدة، والممارسات السياسية المتكلّسة، كما كان في عهد المرحوم أرسلان، بل زاد عليه بتوقف أي حركة معتبرة للتنمية الشاملة، وكذا استشراء الفساد المالي والأخلاقي في المؤسسات والحياة العامة، وهو الفساد الذي لم يعرف درجة شيوعه تاريخُ الأمة بطوله وعرضه، ونتج عن ذلك أن توقفت عليه حركة الزمن، دون غيره من العوالم الأخرى، فلم يعرف عالمنا بوادر الحركة والتغيير والتحديث السياسي المأمول.

على نحو ما عرفته الأمم الأخرى، إذ إن التحديث السياسي هو أصل كل إصلاح ونهوض وتنمية ورفاه، وتغيير وبناء وازدهار، وبسبب هذا الركود الذي كرّسته الأزماتُ السياسية المتعاقبة، اشتعلت نار الحروب البينية التي أتت على كل إشعاع نابض بالحياة، ومزقت نسيج العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، فانشطرت مجتمعاتُهم إلى شيّع وطوائف متعادية، وزادوا عليها بإحياء العادات الجاهلية، من مظاهر الأعياد والاحتفالات والرسوم والطقوس، وأخذوا يبحثون في الكليشيهات القديمة عن شخصياتٍ وثنية  نسيها التاريخ أو كاد، ليتخذوا منها رموزا قومية وحضارية لخدمة مشاريع معينة.

بعد أن جعلوا العلاقات الروحية التي حكمت وحدة الأمة دهورا طويلة، بإرثها وموروثها وعقائدها الصحيحة، جعلوها محل شك وريبة وشبهة، لأن هذه الروح اتخذها الإحيائيون شعارا في مشاريعهم السياسية والاجتماعية والثقافية، فانجذب إلى سحرها الكثيرُ ممن يؤمنون بها، والتفّ حولهم المؤمنون بهذه المشاريع، مما جعل الوراثيين ومن اتفق مع مشاريعهم السياسية من الأغارشية، يناهضون  كل قيمة سامية لها مضمونٌ أخلاقي مثالي، لأنها مضامين يشعّ منها نفح من بقايا الفضيلة، التي لا تتساوق مع النظريات السياسية، المسوِّغة للموروث السياسي الذي يرومونه.

والحياة السياسية المتأزِّمة، وما يصاحبها من بقاءٍ وفناء، لِما بقي من خيرات الأمة بالفساد والعطالة في كل شيء، خدمة للغرائز المتوهِّجة في النفوس، هو الضامنُ للبقاء والديمومة المكرِّسة لواقع الحال المتوخى في المقاصد، ولكي تتسرمد هذه الأزمة وتضمن البقاء، كان لابدّ من الاستعانة بالقوى المعادية، التي تبغض الأوطان والشعوب والموروثات القومية والروحية للأمة، كيما يستعين بعضهم ببعض على تهديم أي بناء نفسي أو شعوري وعاطفي أو قيمي، مازال ينبض بشيء من الحياة، وبقي فيه قبسٌ من الإشعاع الروحي، أو التطلع العلمي والمعرفي والتقني والحضاري، لأن قتل هذا النبض في نفس الإنسان العربي، هو ما يميت فيه يقظة الضمير التي تحيي فيه روح الطموح والتطلّع والتوثّب نحو الأفق المشعّ، بأنوار الحرية والانعتاق والحركة والنشاط والفاعلية.

لما سُلبت إرادةُ العربيِّ وحرِّيتُه، بقي يعاني من الركود وعدم القدرة على إثبات ذاته، في التحصيل العلمي والتقني والتحكم فيهما، وإنتاج السلع والبضائع والصنائع والخدمات، لتلبية احتياجاته الضرورية، وأصبح يستورد كل شيء، من الإبرة إلى الطائرة والقمر الصناعي لمراقبة أجوائه، وفشل في إنتاج سلاحه وغذائه ودوائه، وزاد عليها باستيراد الأفكار والنظريات والقوانين واللغات والتقنيات…

قتل الضمير العربي من طريق التخطيط المحكم، هو ما يجعله إنسانا كسولا، ميالا إلى اللهو والعبث والخمول والبلادة، منزوع الإرادة، مسلوب العقيدة والعزيمة والتصميم، بليد الفكر، خامل الفؤاد، عديم الإحساس بالمسئولية والفاعلية، فاقد الشعور بالانتماء والصيرورة (بالصاد) التاريخية. (التحولات).

وليس أفضل من شتات الكيان الدخيل، ومن يقف وراءه من القوى المعادية لتحقيق هذه الغاية، كي يستعين بعضهم ببعض بالكيد والدسيسة على أوطانهم وشعوبهم وجيرانهم، بالقواعد العسكرية والأعمال التجسسية والاستخباراتية لإذلال أمتهم وأوطانهم، والاستقواء على أقوامهم وجيرانهم وبني ملتهم، ممن مازال فيهم بقية من روح الثورة ونفح الرجولة والبطولة، وحب الارتقاء والانتماء والتميّز. وقد ظاهر النفعيون الكسبيون العدو الغاشم كيما يضمن لهم بقاءهم على عروشهم، مقابل مصادرة قراراتهم السيادية والأخلاقية والاقتصادية والتربوية والثقافية والروحية.

مسلم الأمس كان محنّطا (في عهد أرسلان)، بأساطير الخرافة والدروشة التي غذاها ورسّخها في عقولهم، عواملُ الجهل والتخلف والجمود والركود، فشكّوا في عقولهم وقرائحهم ومواهبهم، فانصرفوا إلى ما أنتجه الأقدمون من علوم لغوية وشرعية، دون اهتمام بالعلوم العقلية والتطبيقية التي تُعدُّ جوهر كل نهوض وتقدُّم وازدهار، لذلك تبلّدت عقولهم وتجمّدت قرائحهم، فانكبّ نخبتهم المتعلمة وهي قليلة، على حفظ المتون والحواشي والتعليقات والمنظومات الشعرية ذات الأثر اللغوي والأصولي، وعلّقوا فشلهم الذريع على المكتوب والقضاء والقدر، فجعلهم ذلك الإيمانُ المغلوط للمقاصد القرآنية، مستسلمين لهواجسهم وعواطفهم وضعفهم وهوانهم على الأمم، وخالفوا سنن التغيير التي  قضتها المشيئة العليا ضمن حركة الحياة “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم (الرعد:11)، أي الأخذ بالأسباب.

ومسلم اليوم أخذ يتأثر بالصيرورة (التحولات) التاريخية وحركة التغيير، وجعل يشق خط سيره نحو التحرر من الإرث القديم، الذي حكمت به الأنظمة العائلية والأغا شية، وطوّر نظمه السياسية والاقتصادية وتحكّم في أسرار التقنية، كتركيا وإندونيسيا وماليزيا وإيران وباكستان… وأصبح له موقعٌ متميز في المجموعة الدولية، رغم التضييق عليه من القوى الخارجية المعادية لنهوض الأمة، وتحكّم إلى حد بعيد في شق الذرة وتطويع الصناعة العسكرية الدفاعية والمدنية الممعيرة بمؤشرات الجودة والإتقان، ولذلك يمكن إخراجُه من الدائرة التي وضعه فيها المرحوم أرسلان، وبقي المسلمُ العربي وحده مضيّقا عليه داخليا وخارجيا، من القوى المعادية لنهضته وتطوُّره.

ولما سُلبت إرادته وحريته، بقي يعاني من الركود وعدم القدرة على إثبات ذاته، في التحصيل العلمي والتقني والتحكم فيهما، وإنتاج السلع والبضائع والصنائع والخدمات، لتلبية احتياجاته الضرورية، وأصبح يستورد كل شيء، من الإبرة إلى الطائرة والقمر الصناعي لمراقبة أجوائه، وفشل في إنتاج سلاحه وغذائه ودوائه، وزاد عليها باستيراد الأفكار والنظريات والقوانين واللغات والتقنيات، وأصبحت مدنه وقراه وبنياته التحتية مشوهة بنسيج من الهياكل والبنايات والمنشآت المغشوشة بالتزوير في الرقابة  وسوء الإنجاز وعدم الاكتمال، مع انتشار القذارة بالمكبات والنفايات، والأتربة والأوحال وشرائط النيلون، وبكل مستقبَح مستقذَر، في الوقت الذي أخذ العالم كله يشق طريقه، نحو تحقيق النجاعة في التحديث الساسي والاقتصادي والعمراني والاجتماعي، والشعوب كلها خرجت من شرنقة الأفكار البالية، التي كانت تغذّيها الخرافة، والدعاية الكاذبة للسياسات الخاطئة، والفلسفات الطوباوية للإيديولوجيات والقوميات المغالِطة، واستفاد من التجارب الناجعة للشعوب الحيوية الناهضة، وألزم نفسه بوجوب السيطرة على العلوم والمعرفة والتقنية، والتحكم في تقنياتها، فارتقى واستعلى، في حين مازال الإنسان العربي، يتجرَّع آلامه وحده، ويبكي حظه البائس الذي أوصله إلى هذا الهوان والبوار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • ببساطة

    لأنهم رفضوا كتب الله التي أمرهم بالإيمان بها في القرآن الكريم،فنقص إيمانهم ،فرفع الله عنهم البركة وسلط عليهم حكامهم وجعل أعدائهم يتربصون بهم،فارجعوا إلى الله يا بشر بدون عقول وكفوا عن إجرامكم في حق الله بالقول أن كتبه محرفة،فلو أبطلتم إجرامكم هذا أقسم بالله العلي العظيم أن بركات الله ستغمركم و ستتطورون مثل الشعوب الأخرى وأحسن!!!

  • tala ouchiba

    تخلفنا لاننا دائما نمجد الحاكم حتى ولو كان سيقودنا الى الهاوية مثال على ذلك المرحوم بوتفليقة ام يقولوا انه مجاهد كبير بينما الذين عايشون يقولون العكس وانه لم يطلق رصاصة ابدا.

  • عمر

    قانون الفيزياء : اختلاف السرعة و التسارع و طبيعة الحركة فهي دورانية للأول و مستقيمة للثاني

  • amremmu

    حين نزرع الريح لا يجب أن نستغرب كون الحصاد عاصفة .

  • حقيقة مرة

    العقل هو مصدر كل الخير وكل الشر .. شغله البعض فيما ينفع : الجد والعمل والمعرفة .... = تقدم ورقي وتطور وشغله البعض الآخر في : الكسل والخرفات والتعصب .... = التخلف والكوارث والنكبات

  • من هناك

    حين تهاجر المعرفة والحكمة العقول لصالح الخرافات والخزعلات ... فلا تقدم ولا هم يحزنون

  • لزهر

    تَجمع الصين معظم قُمامات العالم من بقايا أسلاك كهربائية و نحاس و بلاستيك و تبعث لنا بها كارتون لتجعل لها مدافن نقوم نحن بتسديدها بالعملة الصعبة يا عاجباً.

  • Imazighen

    لماذا تخلَّف العرب وتقدَّم غيرُهم؟!...الحرية يا صاحبي...