-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا وكيف نحتفي بميلاد الحبيب؟

سلطان بركاني
  • 1007
  • 0
لماذا وكيف نحتفي بميلاد الحبيب؟

هي ساعات ونكون بإذن الله مع الذّكرى الغالية، الذكرى السادسة والتسعين بعد الأربعمائة والألف (1496) لميلاد حبيبنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم.. هي ليست عيدا، وإحياؤها ليس سنّة، إنّما هي ذكرى تخفق لها القلوب وتهفو الأرواح، وتتحرّك فيها الألسن بحمد الله وشكره على ميلاد النبيّ الحبيب وبعثته، ويراجع فيها المسلمون حالهم وواقعهم مع حقوق الحبيب المصطفى الذي أخرج الله به العباد من الظلمات إلى النور وانتشلهم من الضّلال إلى الهدى.

يوم ميلاد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم يوم مبارك، وكيف لا يكون كذلك وقد ازدانت فيه الدّنيا، بل وأضاء الكون بالميلاد المنتظر، يقول الشاعر أحمد شوقي رحمه الله:

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ * وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ * لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي * وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا * بِالتُرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ.

كيف لا يكون يوم الميلاد يوما مباركا مشهودا وقد وطّد الله قبل 50 يوما من حلوله بإهلاك أبرهة الحبشيّ وجنوده الذين راموا هدم الكعبة المشرّفة، فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول؟ وكيف لا يكون يوم ميلاد النبيّ يوما مباركا، وقد كان -عليه الصّلاة والسّلام- يصومه، وعندما سئل عن ذلك قال: “فيه وُلدتُ، وفيه أُنزِلَ عليَّ” (رواه مسلم)؟

كيف لا يكون يوم ميلاد الحبيب مباركا مشهودا، وقد ظهر فيه نجم أحمد في السماء؛ فقد روى ابن إسحاق عن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال: “والله، إني لغلام يفعةٌ (شابّ لم يبلغ)، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كلَّ ما سمعت، إذ سمعت يهوديًّا يصرخ بأعلى صوته على أطمةً (حصن) بيثرب: يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما لك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي وُلِدَ به” (رواه البيهقي)، وروى أبو نعيم عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل، قال لي حَبْرٌ من أحبار الشام: “قد خرج في بلدك نبي، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه” (حسن).

كيف لا يكون يوم ميلاد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يوما مباركا يفرح فيه المؤمنون، وقد ناح فيه إبليس وقال: “يا ويلتاه”، ففي تفسير بقي بن مخلد، “أنّ إبليس رنَّ أربع رنّات: رَنَّةٌ حين لُعِنَ، ورَنَّةٌ حين أُهْبِطَ، ورَنَّةٌ حين وُلِدَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورَنَّةٌ حين نَزَلَت فاتحة الكتاب”.

ميلاد النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- فضل من الله ورحمة على البشرية، والمولى سبحانه وتعالى يقول: ((قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون)) (يونس: 58).. الفرح بميلاد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، يرجى لمن وجده أن يؤجر على ذلك بإذن الله، ويرجى عظيم الأجر كذلك لمن أظهر الفرح بما أحلّ الله؛ بشكر الله وحمده على نعمة ميلاد وبعثة الحبيب عليه الصّلاة والسّلام، بسماع الدّروس والمحاضرات التي تتحدّث عن سيرته وترغّب في سنّته، بالمشاركة في المسابقات النّافعة والهادفة التي تنظّم بهذه المناسبة، وهكذا، فهذا الإمام ابن تيمية -رحمه الله- رغم ميله إلى القول ببدعية الاحتفال بمولد النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- إلاّ أنّه قعّد قاعدة مهمّة في التعامل مع أحوال النّاس والنّظر إلى واقعهم، فقال: “فتعظيم المولد واتخاذه موسما، قد يفعله بعض النّاس، ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما قدمته لك أنّه قد يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدّد”، ويقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله: “يختلف الفقهاء في هذه الحفلات المولدية وهل هي مشروعة أو غير مشروعة، ويطيلون الكلام في ذلك بما حاصله الفراغ والتلهي وقطع الوقت بما لا طائل فيه، والحق الذي تخطّاه الفريقان أنها ذكرى للغافلين وإنما لم يفعلها السلف الصالح لأنهم كانوا متذكرين بقوة دينهم وطبيعة قربهم، وعمارة أوقاتهم بالصالحات. أما في هذه الأزمنة المتأخرة التي رانت فيها الغفلة على القلوب، واستولت عليها القسوة من طول الأمد واحتاج فيها المسلمون إلى المنبّهات، فمن الحكمة والسداد أن يرجع المسلمون إلى تاريخهم يستنيرون عبره، وإلى نبيّهم يدرسون سيره، وإلى قرآنهم يستجلون حقائقه، وإن من خير المنبّهات مولد محمد لو فهمناه بتلك المعاني الجليلة” (آثار الإمام: محمد البشير الإبراهيمي: ج4، ص142).

يشرع لنا أن نفرح في ليلة المولد وفي يومه، ونظهر الفرح بما شرع الله من الوسائل، بعيدا عمّا ابتدعته الطرقية في هذه المناسبة من زردات وطبول، وبعيدا عن ثقافة المفرقعات التي تهدر فيها الأموال كلّ عام وتنجم عن استعمالها أضرار بالأنفس والأبدان.. يشرع لنا أن نحتفي بميلاد حبيبنا بعيدا عن هذا وذاك، ولكن ينبغي أن نعلم أنّ حقّ الحبيب علينا لا يتوقّف عند تذكّره ليلة واحدة في العام، ونسيان سيرته وسنّته سائر العام.. ليس يليق أبدا أن نحتفي ليلة المولد بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ثمّ نحتفي في باقي ليالي وأيام العام بنجوم الأفلام والمسلسلات والرياضة.. ليس يليق أن نمنح حبيبنا وقدوتنا وشفيعنا ليلة في العام، ويكون همّنا الأوحد في باقي أيام وليالي العام هو الدنيا وحدها.. كلّنا أيها المؤمنون ندعو الله أن يحشرنا يوم القيامة في زمرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونقول: “اللهمّ احشرنا في زمرته”، لكن ينبغي أن نعلم أنّنا حتّى نكون في زمرته يوم القيامة، ينبغي أن نكون في زمرته في هذه الدّنيا، وأن نقتفي أثره ونلزم غرزه ونعتزّ بسيرته وسنّته، فليس ينفعنا أن نحتفل بميلاده، ثمّ نقتفي أثر الغرب في أخلاقنا وعاداتنا وهمومنا وفي مظاهرنا وملابسنا، وتكون الموضة أهمّ عندنا من السنّة، ويكون سؤال: “ماذا يقول النّاس عنّا” أهمّ عندنا من سؤال: “بأيّ وجوه سنقابل النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يوم القيامة ونحن الذين فرّطنا في رسالته وزهدنا في سنّته؟”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!