لماذا يركز الرئيس تبّون على عام 2027؟
يتكرر “عام 2027 ” في العديد من خطابات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، باعتباره محطة مفصلية في تنفيذ البرنامج الاقتصادي للدولة، إذ يُنظر إليه بوصفه موعدًا لبدء جني ثمار المشاريع الاستراتيجية التي أُطلقت خلال السنوات الماضية، والانتقال من مرحلة التخطيط إلى طور الإنتاج وتحقيق العائد الاقتصادي.
وفي هذا الصدد، يؤكد أستاذ العلوم الاقتصادية بـ”جامعة الجزائر 3″، الهواري تيغرسي، أن عام 2027 لا يمثل مجرد تاريخ زمني، بل يشكل نقطة فاصلة بين مرحلة الاستثمار المكثف في البنى التحتية والمشاريع الكبرى، ومرحلة تحويل تلك الاستثمارات إلى ثروة وطنية، ومناصب شغل، وإيرادات مستدامة، مشيرًا إلى أن الدولة باتت تركز على دخول المشاريع المنجزة أو التي شارفت على الإنجاز حيز الإنتاج الفعلي أكثر من إطلاق مشاريع جديدة.
ويرى تيغرسي في تصريح لـ”الشروق” أن نجاح هذه المرحلة لا يرتبط بإنجاز المشاريع فحسب، وإنما بقدرة الدولة على إدارتها بكفاءة وتحويلها إلى محركات حقيقية للنمو الاقتصادي، معتبرًا أن عام 2027 سيكون اختبارًا لمدى فعالية السياسات الاقتصادية في تحقيق النتائج المنتظرة.
وأوضح المحلل الاقتصادي أن الجزائر أنفقت خلال السنوات الأخيرة عشرات المليارات من الدولارات على مشاريع استراتيجية في قطاعات المناجم والطاقة والسكك الحديدية والموانئ والصناعة والزراعة وتحلية مياه البحر والرقمنة، بهدف إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على عائدات المحروقات، وليس لإنشاء بنى تحتية دون مردود اقتصادي.
وأشار المتحدث إلى أن عام 2027 سيكون بمثابة سنة لقياس الأداء الاقتصادي الفعلي، من خلال تقييم مساهمة هذه المشاريع في الناتج الداخلي الخام، وعدد مناصب العمل الدائمة التي توفرها، ومدى مساهمتها في خفض فاتورة الاستيراد، وزيادة الصادرات خارج قطاع المحروقات، وتعزيز إيرادات الخزينة العمومية.
وأكد أن نجاح أي مشروع لا يُقاس بحجمه أو تكلفة إنجازه، وإنما بمردوده الاقتصادي، موضحًا أن الموانئ لا تحقق قيمتها إلا بزيادة حركة التجارة، وخطوط السكك الحديدية لا تؤدي دورها إلا إذا خفضت تكاليف النقل وعززت تنافسية المنتج الوطني، فيما لا يعد المركب الصناعي ناجحًا إذا ظل يعتمد على الدعم دون تحقيق أرباح أو التوجه نحو الأسواق الخارجية.
وأضاف أن عام 2027 قد يشهد إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للجزائر، خاصة مع دخول مشاريع غار جبيلات، والفوسفات، والزنك والرصاص، والهيدروجين، والصناعات التحويلية، والاستثمارات الزراعية مرحلة الإنتاج الكامل، وهو ما قد يفتح المجال أمام توسيع قاعدة الثروة الوطنية، وتنويع مصادر الدخل، وتقليص التبعية للنفط والغاز.
وفي المقابل، شدد تيغرسي على أن تحقيق هذا السيناريو يبقى مرتبطًا بتحسين الحوكمة الاقتصادية، محذرًا من أن ضعف التسيير، والبيروقراطية، وتأخر اتخاذ القرارات، وضعف التنسيق بين القطاعات، وعدم مواكبة المنظومتين البنكية والجمركية والقطاع اللوجستي، قد يحد من قدرة هذه المشاريع على تحقيق أهدافها الاقتصادية.
ولفت إلى أن التحدي الحقيقي لن يتمثل في تدشين المشاريع، بل في تشغيلها بأعلى مستويات الكفاءة، داعيًا إلى الانتقال من ثقافة الإنجاز الإداري إلى منطق النتائج، حيث تصبح مؤشرات الربحية والإنتاجية والتنافسية والأثر الاقتصادي المعايير الأساسية لتقييم أداء المؤسسات العمومية.
كما اعتبر أن عام 2027 سيختبر قدرة الجزائر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، موضحًا أن الإنتاج وحده لا يكفي، بل ينبغي أن تدعمه منظومة تصدير فعالة، وموانئ عصرية، وشبكات نقل سريعة، وتمويل مرن، واتفاقيات تجارية مستثمرة بفعالية، إلى جانب دبلوماسية اقتصادية قادرة على فتح أسواق جديدة أمام المنتجات الجزائرية.
وأشار أيضًا إلى أن البيئة الاقتصادية الدولية ستظل عاملًا مؤثرًا في نجاح هذه الرؤية، في ظل التقلبات الجيوسياسية، وتذبذب أسعار الطاقة، والضرائب البيئية الأوروبية، واحتدام المنافسة العالمية، ما يفرض، بحسب رأيه، تبني سياسات اقتصادية أكثر مرونة واعتماد الابتكار كأحد محركات النمو.
واختتم تيغرسي تحليله بالتأكيد على أن عام 2027 لا يمثل نهاية البرنامج الاقتصادي، بل بداية مرحلة جديدة، مبينًا أن نجاح الجزائر في تحويل الاستثمارات إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والصادرات إلى نمو اقتصادي مستدام، سيجعل من هذا الموعد نقطة تحول في مسار الاقتصاد الوطني. أما إذا ظلت المشاريع تعمل بأقل من طاقتها أو اصطدمت بعوائق التسيير والبيروقراطية، فقد يتحول عام الحصاد المنتظر إلى محطة لمراجعة الأداء وإعادة تقييم النتائج.
وأكد أن الرهان الحقيقي لا يكمن في بلوغ عام 2027 بحد ذاته، وإنما في الوصول إليه باقتصاد قادر على خلق الثروة خارج قطاع المحروقات، ومؤسسات تُقاس نتائجها بالأثر الاقتصادي الذي تحققه، وإدارة تعتمد على الكفاءة والنتائج بما ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين ويعزز متانة الاقتصاد الوطني.
وفي السياق ذاته، اعتبر الخبير الطاقوي، أحمد طرطار، أن الرهان على 2027 “كبير جدًا”، لكونها تمثل، بحسبه، سنة الانطلاقة الفعلية للإقلاع الاقتصادي الذي تراهن عليه السلطات، مع بدء دخول عدد من المشاريع المهيكلة مرحلة الإنتاج وتحقيق القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وأوضح طرطار لـ”الشروق” أن من أبرز هذه المشاريع مشروع منجم بلاد الحدبة، الذي يرتقب أن يدخل مرحلة الإنتاج الفعلي خلال عام 2027، على أن يتم توجيه إنتاجه نحو ميناء عنابة للتصدير، بالتوازي مع إطلاق منشأة إنتاج الأسمدة بوادي الكبريت بولاية سوق أهراس، معتبرًا أن المشروع المدمج سيشكل مصدرًا مهمًا للإيرادات ابتداءً من سنة تشغيله.
وأضاف أن مشروع غارا جبيلات بدوره سيدخل مرحلة أكثر تقدمًا، مع توقع تدفق خام الحديد المعالج انطلاقًا من منطقة بشار نحو مصنع توسيالي بوهران، مع آفاق لتوسيع التموين نحو مركب الحجار بعنابة ومصنع الحديد والصلب بجيجل، وهو ما اعتبره أحد أهم المشاريع القادرة على دعم الإقلاع الاقتصادي وتعزيز العائدات.
وأشار الخبير الطاقوي إلى أن سنة 2027 تمثل أيضًا موعدًا مهمًا في مسار تطوير الهيدروجين الأخضر، في ظل توجه الجزائر نحو تجسيد مشاريعها في هذا المجال بعد التفاهمات الأولية الخاصة بمشروع الممر الجنوبي الذي يربط الجزائر بكل من ألمانيا والنمسا وإيطاليا، إضافة إلى اهتمام إسبانيا ودول أوروبية أخرى بالحصول على هذا المورد الطاقوي، معتبرًا أن هذا المشروع يفتح آفاقًا واعدة لتنويع الصادرات وتعزيز مكانة الجزائر في سوق الطاقة النظيفة.
ولفت المحلل إلى أن البيئة الاقتصادية الدولية ستظل عاملًا مؤثرًا في نجاح هذه الرهانات، في ظل التقلبات الجيوسياسية، وتذبذب أسعار الطاقة، والضرائب البيئية الأوروبية، واشتداد المنافسة العالمية، وهو ما يستدعي تعزيز المرونة والابتكار في السياسات الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، اعتبر الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة أن عام 2027 سيكون محطة فاصلة لتقييم حصيلة المشاريع التنموية التي أطلقتها الدولة في مختلف القطاعات، ولا سيما الاقتصادية والفلاحية، بالنظر إلى دخول عدد من المشاريع الاستراتيجية مرحلة الإنتاج، بما يسمح بقياس أثرها الفعلي على النمو الاقتصادي والمنتوج الداخلي الخام.
وأوضح بوخالفة أن من أبرز هذه المشاريع منجم غارا جبيلات، الذي يرتقب أن ينطلق في الإنتاج الفعلي خلال عام 2027، إلى جانب المشروع المدمج للفوسفات بتبسة، والذي من شأنه رفع إنتاج الجزائر من الفوسفات من نحو 2.5 مليون طن إلى 10 ملايين طن سنويًا، بما يؤهلها لاحتلال مراتب متقدمة عالميًا في هذا المجال.
وأشار إلى أن الرهان لا يقتصر على قطاع المناجم، بل يشمل أيضًا البرامج الفلاحية الاستراتيجية الرامية إلى تحقيق الأمن الغذائي، موضحًا أن الجزائر حققت الاكتفاء الذاتي في القمح الصلب، وتقترب من بلوغه في الشعير، مع مواصلة الجهود لتحقيقه في القمح اللين والذرة، إلى جانب التوسع في زراعة النباتات الزيتية، وعلى رأسها السلجم الزيتي ودوار الشمس، وإنجاز وحدات صناعية لتحويل وسحق البذور الزيتية، بما يقلص فاتورة الاستيراد ويعزز الإنتاج الوطني.
وأضاف أن مشاريع البنية التحتية، خاصة شبكات السكك الحديدية التي تربط مناطق الإنتاج بالموانئ، وفي مقدمتها خط غارا جبيلات، وخط تبسة–سوق أهراس–عنابة، إلى جانب ميناء تصدير الفوسفات بعنابة، ستشكل رافدًا مهمًا لدعم النشاط الاقتصادي ورفع مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج الداخلي الخام.
ويرى بوخالفة أن المؤشرات الحالية، في ظل تقدم المشاريع المهيكلة وتوسع الشراكات مع عدد من الدول الأوروبية، خاصة في مجالات الطاقة والصناعة، تجعل الأهداف الاقتصادية التي رسمتها السلطات أكثر واقعية، مؤكدًا أن الجزائر تمتلك من المقومات الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لتحقيق قفزة تنموية خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن الجزائر تزخر بإمكانات كبيرة في الزراعة بفضل توفر الأراضي الخصبة والموارد المائية وأشعة الشمس، وهي العناصر التي وصفها بالركائز الأساسية لأي نهضة فلاحية، معتبرًا أن استغلال هذه المؤهلات بكفاءة يمكن أن يحول البلاد إلى قطب إقليمي في الإنتاج الزراعي، على غرار كبريات المناطق الفلاحية في العالم.
كما أشار إلى أن الآفاق الواعدة لا تقتصر على الزراعة، بل تشمل أيضًا تطوير إنتاج الهيدروجين الأخضر في إطار الشراكات القائمة مع ألمانيا وعدد من الدول الأوروبية، بما يعزز مكانة الجزائر كمورد مستقبلي للطاقة النظيفة نحو أوروبا، فضلاً عن الإمكانات التي توفرها الثروات المعدنية، وعلى رأسها المعادن النادرة، التي يمكن استغلالها في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، مثل البطاريات والرقائق الإلكترونية وصناعة الهواتف.
وأشار بوخالفة إلى أن الأهداف الاقتصادية التي طرحتها السلطات، وفي مقدمتها بلوغ ناتج داخلي خام في حدود 400 مليار دولار، أصبحت أكثر واقعية في ضوء تقدم المشاريع المهيكلة التي يرتقب دخولها مرحلة الإنتاج ابتداءً من عام 2027، وتوسع الشراكات الاقتصادية مع عدد من الدول الأوروبية، خاصة في مجالات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
وأوضح أن الجزائر تمتلك مقومات كبيرة لتحقيق هذه الأهداف، بالنظر إلى وفرة الموارد الطبيعية والإمكانات الفلاحية والمعدنية، إلى جانب المشاريع الصناعية الجديدة، بما فيها صناعة السيارات ومكوناتها، وتطوير سلاسل الإنتاج المحلية.
وأضاف أن تحقيق ناتج داخلي خام بقيمة 400 مليار دولار لم يعد هدفًا بعيد المنال، إذا ما تم استغلال المشاريع المنجمية والفلاحية والصناعية بكفاءة، وتعزيز منظومة النقل واللوجستيك، وتوسيع الصادرات خارج قطاع المحروقات، خاصة في مجالات الفوسفات والحديد والمنتجات الزراعية والطاقة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر.
وأكد أن سنة 2027 ستكون محطة حاسمة لتقييم مدى قدرة الاقتصاد الوطني على ترجمة هذه المشاريع إلى قيمة مضافة وثروة مستدامة، بما يعزز مكانة الجزائر إقليميًا ودوليًا ويدعم انتقالها نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية.
وخلص بوخالفة إلى أن نجاح الجزائر في استغلال هذه الموارد والمشاريع بكفاءة سيعزز مكانتها الاقتصادية إقليميًا ودوليًا، ويجعل من عام 2027 بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها البلاد من الاستثمار في الإمكانات إلى تحقيق الثروة والقيمة المضافة والتنمية المستدامة.
ويجمع الخبراء الثلاثة على أن عام 2027 لن يكون مجرد محطة زمنية في مسار البرنامج الاقتصادي، بل نقطة تحول حاسمة لقياس مدى نجاح الجزائر في الانتقال من مرحلة الاستثمار في المشاريع الكبرى إلى مرحلة الإنتاج وتحقيق القيمة المضافة.
ويرون أن دخول المشاريع المنجمية والصناعية والفلاحية حيز الاستغلال، مدعومًا بتطوير البنية التحتية وشبكات النقل وتعزيز الشراكات الاقتصادية، من شأنه أن يوسع قاعدة الإنتاج الوطني، ويرفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج الداخلي الخام، ويعزز الصادرات خارج المحروقات. غير أنهم يؤكدون في المقابل أن تحقيق هذه الرهانات يبقى مرتبطًا بحسن التسيير، وتحسين الحوكمة، ومواصلة الإصلاحات، بما يضمن تحويل الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها الجزائر إلى نمو اقتصادي مستدام يرسخ مكانتها إقليميًا ودوليًا.