-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لهذا انحرفت بوصلتنا؟

سلطان بركاني
  • 800
  • 0
لهذا انحرفت بوصلتنا؟

لعلّ من أكثر الأحوال التي يؤسف لها في هذا الزّمان، أنّ الأمم قد تداعت على الأمّة المسلمة في الواقع كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، في الوقت الذي عكف فيه كثير من المسلمين في المواقع يتناقرون تناقر الديكة، في مسائل فقهية جزئية، وحتى من يخوضون في القضايا الكلية المهمّة، يثقلونها بعقول مبتوتة الصلة بالقرآن والواقع، لا تهتدي بنور الكتاب الهادي ولا تزن الأمور بميزان حصيف يدرك الأوجب قبل الواجب والأهمّ قبل المهمّ، ويميّز الصديق من العدوّ، ويعرف كيف يرتب الأعداء حسب درجة عداوتهم.

الأمّة تواجه فتنا كقطع الليل المظلم، لا يهتدي فيها إلى الحقّ إلا من استهدى بالقرآن وتشبث بحقائقه الكبرى، واستخلص الدروس والعبر من أحداث التاريخ الفاصلة، وتشبّث بغرز العلماء الربانيين ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّه))؛ فمن كان هذا مشربه تبيّن له -بإذن الله- الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في واقع ادلهمّ سواده واشتبكت فيه الحبال، وركن فيه أكثر المسلمين إلى الدّنيا واطمأنّوا بها، ورضخ كثير من حكام المسلمين لليهود والنصارى، بل وأصبح بعض المسلمين يتعاونون مع أعدائهم ضدّ إخوانهم، ناكثين عن آيات القرآن المحكمة الواضحة التي نزلت في شأن من يتعاون مع اليهود والنّصارى ضدّ المسلمين، مثل قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)).

مصيبة عظيمة أن يصبح التعاون مع الأعداء موقفا يُختلف في حكمه، وتصبح الخيانة وجهة نظر تحترم، والأعظم من هذا وذاك أن يوجد بين من ينتسبون إلى العلم والدّعوة من يبرّر الخيانة ويسمّيها بغير اسمها، ويزعم أنّ المسلمين يحقّ لهم أن يستعينوا باليهود والنّصارى على أهل البدع من المسلمين إذا خافوا أن تقوى شوكة أهل البدع! مع أنّ نصوص القرآن تحذّر أشدّ التّحذير من هذا المسلك: يقول الله -تعالى-: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ))، ويقول -سبحانه-: ((لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير)).

كيف لمسلم أن يقف مع الكفّار وهو يقرأ ويسمع قول الله -تعالى-: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ))، وقوله سبحانه: ((هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور))؟ كيف يجوز وكيف يسوغ لمسلم أن يقف مع اليهوديّ الصهيونيّ المحتلّ المحارب لله ولرسوله ولدينه، أو مع النصرانيّ الصليبيّ المبغض لدين الله المستهزئ برسول الله، ضدّ مسلم وقع في بدعة صغيرة أو كبيرة؟

إنّه مهما بلغت عداوة المسلم الذي وقع في البدعة لمن يخالفه من المسلمين، فإنّها لن تكون أبدا كعداوة اليهوديّ.. أما قرأ هؤلاء الذين يريدون أن يبدّلوا دين الله قوله -تعالى-: ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون))؟ أما قرأ هؤلاء الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حينما سئل عن رجل يفضّل اليهود والنصارى على الرافضة؟ فأجاب: “كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو خير من كل من كفر به؛ وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم؛ فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام. والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول -صلى الله عليه وسلم- لا مخالف له لم يكن كافرا به. ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم” (مجموع الفتاوى: 35/ 2021)؟ أما قرؤوا قوله -رحمه الله- وهو يؤكّد أنّ أهل السنّة حقا لا يعينون الكفّار على المسلمين مهما كان انحراف المسلمين، قال -رحمه الله-: “ألا ترى أن أهل السنة وإن كانوا يقولون في الخوارج والروافض وغيرهما من أهل البدع ما يقولون، لكن لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر وأهله على ظهور بدعة دون ذلك” (منهاج السنة: 6/ 375)؟

المسلمون من واجبهم أن يتناهوا عن المنكر، وإن شذّت طائفة منهم عن الحقّ أو بغت على المسلمين، فمن واجب بقية الأمّة أن تقف لها بالمرصاد، حتّى تفيء إلى أمر الله ودينه.. لكنّ هذه الطّائفة الضالّة الباغية لا يستعان عليها بكافر لا يرقب في المسلمين جميعا إلا ولا ذمّة، وإن حصل وتعرّضت للعدوان من قبل كافر محارب لله ولدينه، فإنّ واجب الأمّة أن تردّ العدوان عن الطّائفة المسلمة الباغية، ثمّ تأخذ بيدها لتأطرها على الحقّ أطرا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!