-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ليالٍ تستحقّ أن نُتعب فيها أنفسنا

سلطان بركاني
  • 414
  • 0
ليالٍ تستحقّ أن نُتعب فيها أنفسنا

كثير من الصّائمين، مع قرب رحيل رمضان، يشعرون بأنّ توبتهم لم تكن كما ينبغي، وأنّهم غير راضين عمّا قدّموا من أعمال.. صيامهم مخرّق، تخلّلته كثير من النّقائص.. لم يجدوا له خشوعا ولا لذّة.. لم يتمّوا التراويح في كثير من الليالي، ولم يجدوا فيها الخشوع ولا الطمأنينة، وحالهم مع القرآن لم تتحسّن كثيرا.. يشعرون بأنّ الأوان قد فات والفرصة قد ضاعت، ولم يبق عليهم إلا أن يستسلموا للنّفس ويتركوا التراويح والقرآن.

هذا الذي يشعر به كثير من الصّائمين، شعور خاطئ خادع؛ فعند الله لا وجودَ لوقتٍ متأخرٍ للتوبة والإصلاح والتّدارك.. الأبواب تظلّ مفتّحة ما دام في العمر بقية، والفرص تظلّ مبذولة متاحة، وفي وسع العبد أن يستدرك ويعوّض -بعون الله- ما فات، ويبدأ من جديد وكلّه عزم وأمل في أن يوفّق ويعان ويثبّت.. فرص رمضان لا تنقضي إلى آخر ساعة من ساعاته.. ولأنّ رمضان فرصة غالية، والله لطيف بعباده، فقد أتاح لعباده أن يستدركوا في العشر الأواخر من رمضان ما فاتهم في العشرين الأولى.

ليالي العشر بدأت يوم الخميس الماضي عند أذان المغرب، وكانت فرصة أعظم بها من فرصة في ليلة الجمعة التي اتفقت مع أولى ليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان.. ولعلّ كثيرا من عباد الله المسلمين الذين تحرّوا ليلة أمس الأولى وأيقظوا قلوبهم وأرواحهم وأوثقوا نفوسهم وأهواءهم، فقاموا وتهجدوا وألحوا في الدعاء.. لعلّ كثيرا من هؤلاء قد قيل لهم: لهم: “قد أوتيتم سؤلكم”، وقضى الله بعتق رقابهم من النّار، وكتابة أسمائهم في ديوان الأبرار، وقضى بأن تجاب دعواتهم وتلبّى رغباتهم وتحقّق أمنياتهم.. كم من مذنب محيت ذنوبه باستغفاره ليلة الجمعة الماضية، وكم من مريض قضى الله بشفائه، وكم من صاحب قلب قاس ستزاح عنه القسوة، وكم من قليل ذات يد أمر الله بفتح بركاته عليه.

كانت ليلة مشهودة وفرصة لا تشترى بأموال الدّنيا، لكنّها تقتنص بركعات ودعوات واستغفار وتوبة ودمعات.. ربّما ضيّع كثير منّا هذه الفرصة.. ولله الحمد فهي الفرصة الأولى في العشر الأواخر وليست الأخيرة.. لا تزال هناك فرص أخرى أغلى من كلّ كنوز الدّنيا وأموالها.. لا تزال في العشر الأواخر أيام وليال، ساعاتها كلّها غالية وفرصها عظيمة، بعضها أعظم وأغلى من بعض.

الفرصة التي فاتت بعضنا ليلة أمس الأولى، ليلة الجمعة، ستتكرّر بإذن الله يوم الجمعة القادم.. يوم الجمعة القادم لن تكون ليلته وترية، لكنّها من ليالي العشر الأواخر، ويومه فيه ساعة مشهودة يُجاب فيها الدّعاء.. وبين يومنا هذا وآخر يوم من رمضان ليال كلّها ليال عظيمة هي ليالي العشر الأواخر من رمضان، وما أدراك ما ليالي العشر الأواخر؛ أفضل ليالي العام على الإطلاق.. تاج رمضان وغُرّته وزبدته. بل هي أفضل عشرٍ في العام كلّه، بل إنّ لياليها هي أفضل ليالي الدّنيا. وساعاتها هي أغلى وأنفع السّاعات.

كان حبيبنا وأسوتنا المصطفى -عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام- يعرف لهذه الليالي قدرها، فيجتهد فيها اجتهادا عظيما حتّى لكأنّه لا يعيش في دنيا النّاس، لكأنّه يجعل نفسه وقفا لله وعلى طاعة الله.

قالت أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله (متفق عليه)، وقالت -رضي الله عنها-: “كان رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره” (مسلم)، وقالت: “كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمّر وشدّ المئزر” (أحمد).

أراد صلوات ربّي وسلامه عليه أن يعلّم أمّته أنّ ليالي العشر الأواخر من رمضان فرصة قد لا تتكرّر، لذلك ينبغي للعبد المؤمن أن يجتهد فيها اجتهاد مودّع، لكأنّه سيلقى الله في آخر ساعة من آخر ليلة.. لم يكن -عليه السّلام- يكتفي بالقيام وحده، بل كان يوقظ أهله ويحضّهم على القيام والاستغفار في تلك السّاعات المشهودة.. عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “كان رسول اللّه -صلّى الله عليه وسلّم- يوقظ أهله في العشر الأواخر من شهر رمضان، وكلَّ صغير وكبير يطِيق الصّلاة” (الطبراني في الأوسط).. كان يريد لأهله أن يتعرّضوا لنفحات العشر الأواخر ونسماتها، ليتلقّوا الرّحمات التي تنزل فيها.. ووالله لو كنّا ندرك قدر ما ينزل من خير ورحمة وفضل وقدر ما يقدّر من أرزاق ويعطى من حاجات، ما قضى الواحد منّا ساعة من ساعات هذه الليالي في المقهى أو أمام شاشة التلفاز أو الهاتف، ولما أضاع ساعة منها في مجالس اللغو والغيبة.. ولو كنّا نتعامل مع العشر الأواخر من رمضان كما يتعامل التجار مع هذا الشّهر لأفلحنا وربحنا.

العشر الأواخر هي أسنح وأهيأ فرصة ليفكّ المؤمن رقبته من النّار وينال صكا بالنجاة من النّار، وأعظم فرصة يستعين فيها العبد المؤمن بالله الواحد الأحد على نفسه وشيطانه وهواه.. وأعظم فرصة ليحقّق المؤمن دعواته وينال مطالبه وأمنياته.. ليال تهبّ فيها نفحات الرّحمة والغفران، وتوزّع فيها أوسمة الرّضوان والعتق من النّيران. ليال يكون فيها العبد المؤمن أقرب ما يكون إلى رضوان ربّه.

هي ليال عظيمة تستحقّ أن نتعب فيها قليلا مع أنفسنا.. تستحقّ أن نُتعب فيها أنفسنا قليلا لعلّها ترتاح من نصب وتعب هذه الدنيا بنظرة نحظى بها من مولانا الرحمن الرحيم.. ينظر سبحانه إلى أحدنا وهو قائم بين يديه في ليلة من ليالي العشر أو يراه وهو رافع يديه يدعو ويبكي أو يطّلع عليه وهو يتلو كلامه خاشعا خاضعا، فيُشهد ملائكته أنّه أحلّ على عبده رضوانه وكتب له السّعادة في الدّنيا والآخرة وقضى بأن يجيب دعواته ويقضي حاجاته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!