إدارة الموقع

ليست هناك ديمقراطية واحدة!

ليست هناك ديمقراطية واحدة!
ح.م

قراءة مؤشرات الديمقراطية في العالم انطلاقا من البَيانات التي تُقدمها كبرى الهيئات المتخصصة مثل v-dem.net تبين البساطة التي نتناول بها المفهوم في بلادنا وأحيانا الاستعمال المفرط له إن لم نقل الشعبوي وغير المدروس.

يتكلم الكثير من السياسيين عن السعي لإنجاز الديمقراطية وكأنها غاية محددة المعالم يمكن الوصول إليها بذات الطريقة في أي بلد من البلدان، أو أنها أسلوب للممارسة السياسية يُعطي ذات النتائج في أي بلد يسعى إلى اعتماده، في الوقت الذي تُبرِز الأبحاث المتصلة بهذا النمط من الحكم أنه ما فتئ يتحول باستمرار حتى كاد كل بلد ينفرد بأسلوبه، وأصبح لزاما علينا أن نُميِّز على الأقل بين أنواع من الديمقراطية من المنظور الغربي وتلك المطروحة من المنظور الشرقي.

يُصنِّف الغربيون اليوم أنظمة الحكم إلى 04 أنواع: الديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية الانتخابية، والأوتوقراطية الانتخابية، والأوتوقراطية المغلقة أو التامة (التسلطية) Autocracy. أما المنظور الشرقي وبخاصة الصيني فإنه لا يرى الديمقراطية إلا في نطاق الشيوعية الحضارية، وروسيا لا تراها إلا ضمن النظرية السياسية الرابعة (الاسكندر دوغين)، وتركيا تطرحها ضمن مفهوم الديمقراطية الحضارية (أردوغان)، وإيران ضمن مفهوم الجمهورية الإسلامية…

وكما يلاحظ فإن جميع أشكال الأنظمة السياسية الشرقية من منظور مراكز البحث الغربية هي إما أنظمة تسلطية أو في أحسن الأحوال هي أنظمة تسلطية انتخابية وفي أنموذج إيران هي حكم لاهوتي (تيوقراطية) Theocracy. بما يعني أن هناك منظورا في العالم لا يرى إلا الديمقراطية الليبرالية كشكل تام ينبغي الوصول إليه. أما دون ذلك فينبغي أن يبقى باب الاجتهاد فيه مغلقا.

وهذا ما ينبغي التنبيه له في بلداننا، حيث أن اتباع هذه المنهجية في البحث عن أفضل نظام سياسي، إنما تسعى لجرنا بالضرورة نحو الديمقراطية الليبرالية، وستبقى بلادنا في منظورها دكتاتورية إذا ما أرادت تكييف حتى الديمقراطية الليبرالية مع واقعها.

ولذلك نجد أن الغربيين سرعان ما يعيدون تصنيف أي بلد يسعى لتكييف نظامه السياسي مع حقائقه الموضوعية أنه انحرف عن الديمقراطية وتَحوَّل إلى الدكتاتورية. وهكذا كان الأمر بالنسبة للمجر والبرازيل وبولندا وكوريا الجنوبية بعد 2014، والأمر ذاته بالنسبة لنيكاراغوا وصربيا وأوكرانيا وزامبيا التي تحولت في نظرهم أيضا بعد ما سلكت طريقة الديمقراطية الانتخابية في بداية الألفية إلى أنظمة تسلطية انتخابية. وتُقدَّم تركيا من وجهة النظر هذه باستمرار كمثال عن النظام الذي تحول من نظام ديمقراطي انتخابي يتجه نحو الديمقراطية الليبرالية إلى نظام تسلطي انتخابي، وأحيانا يوصف بالدكتاتورية فقط،لأنه عمل على ربط نظامه السياسي بغير القيم الغربية. وذات الأمر بالنسبة للنظام السياسي الإيراني الذي رغم التعددية الحزبية والانتخابية التي يعرفها، إلا أنه مازال يُصنَّف ضمن الأنظمة التسلطية إن لم يوصف بالتيوقراطي أحيانا..

وعليه فإنه من واجبنا اليوم أن لا ننساق خلف عبارة النظام الديمقراطي العامة قبل ضبط مصطلحها بما يتناسب وحقائق مجتمعنا الموضوعية وقيمنا الوطنية. الديمقراطية ليست واحدة في العالم، ومضامينها أيضا ليست واحدة، وليس مفروضا علينا أن نقيس نوعية نظام الحكم الذي نختاره انطلاقا من القيم التي تعطينا إياها مؤشرات المدرسة الغربية… كما أنه ليس مفروضا علينا أن نعتبر الديمقراطية الليبرالية هي غاية البناء السياسي الذي نتطلع إليه… العالم يتبدل اليوم وكلٌ يبحث عن أن يكون كما يريد لا كما يُفرض عليه…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • benchikh

    مقالة مهمة يا استاذ سليم, فعلا اي شيء ياتي من خارج الحدود تتم دراسته وغربلته بعناية وهذه مهمة الطبقة المثقفة التي ترى ما لا يرى الاخرون, على سبيل المثال الاشتراكية الفرنسية وصفت بانها طوباوية(غير حقيقية) بالنسبة للاخرين اما فرنسا اخذت منها ما تراه يساعد الطبقة الكادحة(العمال) فقط .وليس كحكم الاعدام لدينا لاغربلة ولاهم يحزنون وهذا بسبب ابطال مفعول Intelligentsia والخوف منهم لان السلطة المحدودة تخاف على مقاعدها الغير شرعية .