-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ليس من العقل بناء القصور على الجسور

سلطان بركاني
  • 1058
  • 0
ليس من العقل بناء القصور على الجسور

حلّ رمضان وتتابعت أيامه وتوالت لياليه، وها نحن نودّع أسبوعه الأوّل ونستقبل الأسبوع الثاني، فعجبا لأيامه الغالية كيف تنفلت كأنّما هي حبّات عقد انقطع خيطه، وهي بذلك تقرع قلوبنا بأنّ ضيفنا العزيز الغالي هو فعلا كما قال عنه مولانا سبحانه “أياما معدودات”.. أيام معدودات تنسحب من بين أيدينا سريعا، لتذكّرنا بأنّ أعمارنا أقصر ممّا نظنّ ونؤمّل، وأنّ هذه الحياة الدّنيا لا تستحقّ أن نركن إليها ونرضى بها ونعلّق بها آمالا طويلة وأماني كثيرة، فهي ظلّ زائل ومتاع فانٍ، عمرها قصير وشأنها حقير.

 يقول العابد الزّاهد يحيى بن معاذ (ت: 258هـ): “الدنيا قنطرة الآخرة، فاعبروها ولا تعمروها، ليس من العقل بناء القصور على الجسور”، ويقول أحد الصّالحين: “كيف يركن إلى الدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وعمره يقوده إلى أجله وحياته تقوده إلى موته؟” وما أحسن قول القائل:

الدنيا ظل زائل * من ركن إليها جاهل

يهواها القلب ولكن * يحذرها المرء العاقل

الموت سيأتي يوما * وتراه بدارك نازل

يسلبك بنيك وأهلك * لن تجد لموتك حائل

ألهتك الدنيا دهرا * فأتاك الأمر العاجل

لم تعمل يوما خيرا * فكنت بشغل شاغل

للمال محب جدا * تجنيه بكل الوسائل

لا تعطي منه شيئا * إن جاءك يوما سائل

فاقصد من فورك حالا * ربا للتوبة قابل

عجل بالتوبة هيا * بادر دوما بنوافل!

رمضان يعود كلّ عام ليذكرنا بأنّ أعمارنا مهما طالت فإنّها قصيرة، تتعاقب سنواتها وتمضي سريعا، تماما كما يعود رمضان كلّ عام وتمضي أيامه ويرحل سريعا.. العمر الذي يقضيه الواحد منّا فوق هذه الأرض أيام معدودات مقارنة بالوقت الذي يقضيه تحت التراب، وهذا بدوره لا يساوي شيئا أمام الخلود في الجنّة أو النّار.. يقول مولانا سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾.. حبيبنا المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم- الذي كان أعرف عباد الله بحقيقة هذه الدنيا، كان يقول: “مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا” (الترمذي)، صاحبه أبو الدرداء -رضي الله عنه- صعد يوما درج مسجد دمشق فقال: “يا أهل دمشق! ألا تسمعون من أخ لكم ناصح، إنّ من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً ويبنون شديداً ويأملون بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً وبنيانهم قبوراً وأملهم غروراً”، وكان يقول: “ثلاث أضحكتني حتى أبكتني، طالب دنيا والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أرْضى ربه أم أسخطه، وغافل ليس بمغفول عنه”.

رمضان يذكّرنا بحقيقة الحياة الدّنيا، ليس لنعتزلها ونعتكف في بيوتنا ومصلياتنا ونترك نصيبنا منها، إنّما لنعيشها بما أحلّ الله ونستغني بالحلال عن الحرام، ونجعلها في أيدينا ولا نسمح لها بالتسلّل إلى قلوبنا، ولا نعطيها من الهمّ والاهتمام والسّعي أكثر ممّا تستحقّ، ولا نتعادى ونتقاطع ونتدابر ونتقاتل لأجلها.. إنّنا نجوع في أيام رمضان لنتذكّر أنّ النقص في هذه الحياة الدّنيا لا يقرّب أجلا، وأنّ العبد يمكن أن يرتقي إلى مصاف الملائكة ويجد السّكينة والرّاحة متى كبح جماح نفسه عن اللّهث خلف شهوات بطنه وفرجه، وترفّع عن خوض المعارك لأجل بطنه وشهوته. رزقه ورزق أبنائه مقسوم ومضمون بسعي متوسّط لا يلهي عن الدّار الآخرة، فليس يليق به أبدا أن يوقد نيران العداوات ويعلن النّفير لأجل “خبزة الأبناء” فضلا عن يصل به الأمر إلى حدّ الانتحار أو إحراق نفسه لأجل سكن أو أرض أو راتب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!