-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ليلة الخضوع والانكسار والتذلّل والاستغفار

سلطان بركاني
  • 334
  • 0
ليلة الخضوع والانكسار والتذلّل والاستغفار

“ليلة القدر”: اسم ليس ككلّ الأسماء، لا يهتمّ كثير من المسلمين بمعناه، لكنّه يفعل في قلوبهم وأرواحهم فعله؛ ما أن يسمع المسلم بليلة القدر حتّى يتذكّر ضعفه وقلّة حيلته، ويتذكّر في مقابله كرم المولى سبحانه وجوده.. يتذكّر حاجاته وأمنياته، نقائصه وعيوبه.. يتذكّر أحبابه الذين غُيّبوا تحت الثّرى.. يتذكّر الجنّة والفردوس الأعلى، وحوض النبيّ المصطفى.. يتذكّر تلهّف قلبه لصلاح ونجاح أبنائه.. يتذكّر نفسه التي أعيته بغفلتها وركونها إلى هواها.. يتذكّر الديون التي أثقلت ظهره، وضيقَ رزقه، وقلّة حيلته.. يتذكّر معاناة إخوانه المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها.

ما أن يسمع العبد المؤمن ذكر “ليلة القدر” في عشر رمضان الأخيرة حتّى يخفق قلبه بذكر ربٍّ رحيم عليم واسع المغفرة والجود يقول: ((ادعوني أستجب لكم))، ويقول: “من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له”، ويتذكّرَ أمنيته في بداية جديدة وحياة جديدة، يكون الهمّ الأكبر فيها همّ رضوان الله -جلّ وعلا- والفوز بعفوه وسكنى دار كرامته والنّظر إلى وجهه وقرب خليله المصطفى عليه الصّلاة والسّلام في الجنّة.

حاجات وأمنيات كثيرة يحملها كلّ واحد منّا في قلبه، يتمنّى أن تقرّ عينه ببلوغها في الدّنيا والآخرة، لكن لعلّ كثيرا منّا ينتظرون أن يُفتح لهم في ليلة القدر بابٌ في السّماء أو يروا نورا ساطعا تشرئبّ إليه أعناقهم أو يعاينوا آية تأخذ بقلوبهم وتحرّك ألسنتهم ليطلبوا حاجاتهم ويبثّوا أمنياتهم! وهذا اعتقاد خاطئ، لأنّ عطايا هذه اللّيلة لا تمنح بمعجزة تُعايَن، إنّما بقلب يخفق ويخشع ويلين، وروح تهفو وتسمو وتحنّ، وصدر ينشرح، وإحساس يجده العبد في داخله يَشعر معه بالحاجة إلى الوقوف بين يدي مولاه وإطالة السّجود وإسبال الدّموع وإظهار التذلّل والخضوع، حتّى أنّ خفقات القلب ودموع العين ربّما تغلب حركة اللّسان.. كلّما تذكّر العبد تقصيره في حقّ مولاه وتذكّر ضعفه وعجزه وقلّة حيلته ازداد بكاؤه، حتّى يأذن مولاه بإطلاق لسانه، فتمرّ حاجاته وأمنياته ونقائصه وعيوبه على خاطره تباعا ليبثّها بين يدي مولاه وهو يشعر أنّ دعواته تخترق الحجب وتصعّد إلى السّماء. يقول بعض الصّالحين: “إنّي لأعرف من يستجيب الله دعائي: إذا شرح صدري لدعائه”.

فأعظم وأرجى باب يُفتح للعبد في ليلة القدر ليس بابا يراه بعينه في السّماء إنّما هو باب يفتح في قلبه؛ باب للذلّ والخضوع والافتقار والمسكنة.. لذلك، احرص أخي المؤمن على أن تفتح هذا الباب في قلبك وأنت تتحرّى ليلة القدر، أظهر الذلّة والمسكنة والانكسار والنّدم، وتضعّف إلى الله واحتقر نفسك أمامه إلى أقصى حدّ تستطيعه، وكن على يقين بأنّ رحمة الله أقرب إلى العبد الذّليل وإلى القلب الكسير منها إلى غيره.. يقول أحد العارفين: “طرقت الأبواب على الله كي أدخل فوجدت عليها كظيظًا (زحاما)، إلا باب الذل، وجدت عليه قلة من الناس فدخلته، فوجدته أقرب الأبواب إلى الله”، ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالا ولا مقاما ولا سببا يتعلّق به ولا وسيلة منه يمنّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصّرف والإفلاس المحض، دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه -عز وجل- وكمال فاقته وفقره إليه، وأنّ في كلّ ذرّة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنّه إن تخلّى عنه طرفة عين هلك، وخسر خسارة لا تجبر، إلاّ أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته، ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى”.

أخي الموفّق، ربّما لا يتسنّى لك الوصول إلى حال الذلّ والافتقار التي ينطق فيها القلب قبل اللّسان، بين لحظة وأخرى، لذلك فأنت بحاجة لأن تهيّئ قلبك ونفسك وروحك في ساعات ليلة القدر القليلة، في هذه السّاعات التي تمضي سريعا لكأنّما هي لحظات معدودات؛ صلّ واجتهد في الخشوع، وأوثق قلبك حتّى لا يفرّ منك، ولا تستعجل في صلاتك، وفي سجودك أسبل دمعاتك وابدأ بالشّكوى إلى الله من قسوة وشرود قلبك وضعف نفسك، واعترف له بعظيم جرمك وتقصيرك وتفريطك في جنبه، أقرّ له بذنوبك وأخطائك وغدراتك وفجراتك، واعترف له بأنّك وإن كنت تعصيه فإنّك تحبّه وتحبّ طاعته وتكره معصيته. اعترف له بأنّك ضعيف أمام نفسك الأمّارة بالسّوء وأنّك ترجو عونه وتأييده.. انثر حاجاتك وأمنياتك وبثّ أشجانك وأحزانك وآهاتك.. اشكُ إليه معاناتك في إصلاح نفسك وإصلاح زوجتك وأبنائك واسأله العون.. اشكُ إليه ذهاب البركة من عمرك ووقتك ومالك.. اسأله التّوفيق والسّداد.. اسأله أن يعفو عنك ويعتق رقبتك من النّار.. اسأله قلبا خاشعا وعينا دامعة ورزقا واسعا مباركا.. اسأله شفاء أسقامك وذهاب همومك وأحزانك.. اسأله الثّبات على طاعته.. اسأله المغفرة والرّحمة لوالديك والصّلاح والنّجاح لأبنائك.. ادعُ لنفسك ووالديك وزوجتك وأبنائك وأحبابك وادعُ لإخوانك المسلمين، ولا تنس أن تسأله بجوامع الدّعاء، بمثل هذه الكلمات التي كان الحبيب -عليه الصّلاة والصّلاة- يردّدها كثيرا: “يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث. أصلح لي شأني كلّه ولا تكِلني إلى نفسي طرفة عين”…

إن شعرت أنّك أحطت بحاجاتك وأتممت دعواتك، فاجلس وانشر مصحفك واتلُ كلام ربّك تلاوة متأنية حزينة خاشعة.. لا يهمّ كم صفحة تقرأ، المهمّ أن تقرأ بقلبك قبل عينيك، وتستحضر أنّ الله يخاطبك في تلك السّاعة المباركة بتلك الكلمات، وأنّ تلك الكلمات التي تقرؤها هي الدّواء الشّافي والبلسم الكافي، دواء قلبك وروحك ونفسك، واختم ليلتك بالاستغفار وأنت تستحضر أنّ أوّل ما مدح به الله عباده المتّقين كثرةُ استغفارهم بالأسحار: ((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون))، ولا تنس قوله سبحانه وتعالى: ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا))، وقول حبيبك المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: “من لَزِم الاستغفار، جعل اللهُ له من كلّ ضيقٍ مخرجًا، ومن كلّ همّ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب”.

أخيرا، لا تنس أخي الحبيب أنّك بعد موتك ربّما تتمنّى وأنت في قبرك لو تعود إلى الدّنيا لتعيش ولو دقيقة واحدة تخرّ فيها ساجدا لله تسأله عفوه ومغفرته وجنّته بلسانك ودموع عينيك ودماء قلبك، فها هي ذي ليلة القدر تمنحك بفضل الله ليس دقيقة واحدة، إنّما ثمانِ ساعات كاملة تعدل في فضلها 83 سنة! أي أنّها ثمانُ ساعات تعدل 720 ألف ساعة في الفضل، فما أثمنها وأعظمها من فرصة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!