-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ليل الاستعمار الحالك.. نار ودمار وملايين الشهداء

محمد لحسن زغيدي
  • 191
  • 0
ليل الاستعمار الحالك.. نار ودمار وملايين الشهداء

الذاكرة هي المرجعية الأساسية للفرد والأمة، تختزن مسارها التاريخي، وتراثها الحضاري، وتعبر عن أناها، وذاتيتها التاريخية، وهي كذلك لما تحمله من دلالات التذكير، والدفع نحو التفكير. ومن ثمة نقول إن الذاكرة هي: الوجود، والقيم، والمسار، والتراث، الذين يحتويهم التاريخ تدوينا، وتعريفا، وثقافة، فيعمل على صقل الفرد وتوجيهه وتنشئته النشأة النافعة للأمة والوطن، بتعليمه حقيقة وجوده، ورسالته في الحياة، بما تقتضيه من حقوق وواجبات.

ويتفق الباحثون على أن الإنسان كائن تاريخي، لأنه إنما يعمل في الزمان، ولا تاريخ إلا بالزمان، ومن هنا ارتبطت كل نظرية في التاريخ بنظرية في الزمن، والإنسان هو الوحيد بين الكائنات الحية الذي يعني الزمن ولهذا فهو الوحيد ذو التاريخ. ومع تطور البحث، أصبح مقابل “الزمن الفردي” للتاريخ التقليدي “الزمن الجغرافي” و”الزمن الاجتماعي” للتاريخ. وهو بذلك يكون المرآة العاكسة لمسار الانسان، المتجه إلى الأمام، فتنعكس له الرؤية الخفية، من أجل ضمان الاستقامة، وتجنب المهالك، وأخذ الطريق السالك.

أما عن أهمية التاريخ في تصحيح الحاضر والأخذ بالنافع فيه، والاقتداء بمآثره، فيقول ابن خلدون: “المؤرخون لذلك العهد كانوا يضعون تواريخهم (قصد العهود السابقة) لأهل الدول، وأبناؤها متشوقون على سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا على منوالهم حتى في استطاعة الرجل من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لأبناء صنائعهم وذويهم “.

وفي ما يخص المؤرخ أو الباحث في علم التاريخ ومدونه، والمهمة التي يجب أن يضطلع بها فيرى أن: “ذكر الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصار فهو أُسٌّ للمؤرخ، تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبين به أخباره، فقد كان الناس يفردونه بالتأليف، كما فعله المسعودي في كتابه (مروج الذهب)، شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده غربا وشرقا، وذكر نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول وفرق شعوب العرب والعجم، فصار إماما للمؤرخين يرجعون إليه، وأصلا يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه” ثم من بعده البكري في المسالك والممالك “.

وتتفق التعاريف الدينية والعلمية من مختلف المدارس للتاريخ ومفهومه، فإنه علم يعكس الماضي للحاضر، كما أنه هو النافذة التي من خلالها نرى الأسلاف وحياتهم، من عمران وعادات وحكم وسياسات لنأخذ منها العبرة والدرس المناوب. كذلك يشكل الخيط الواصل والرابط بين الأجيال فيما بعضها والشعوب في علاقاتها مع بعضها، فهو بذلك منار للفرد يوضح الطريق للسالك، ومستشار للحاكم والمال.

ولذلك رأى العلماء أن التاريخ لا يختلف في كونه علم من العلوم الأخرى في ما يقدم من فوائد جمة للإنسان في كل مظاهر حياته وضمان مستقبله، إذا أحسنت كيفية استغلاله، وفي هذا يرى “جوزيف هورس”: “أن من حق التاريخ أن يأخذ مكانه في مجموعة المعارف البشرية، ويجب أن يرتفع إلى تقديره كعلم، لأنه معادل في القيمة العلوم الأخرى، وإن إختلف عنها في الشكل، فكان يجب أن يكون علما أو لا يكون، لأنه لم يكن صحيح المعرفة ما هي الحال في المعرفة العلمية”. والمقصود هنا الدقة العلمية التي تقدمها العلوم الأخرى الدقيقة وغيرها لأن الحقيقة التاريخية تبقى نسبية حسب روايتها ومعايشتها وراويها.

فمادام التاريخ كذلك، مما يقدمه من جلائل الإنارة الفكرية والمجتمع، وللدول في برامجها بناء الإنسان وتنشئته إنسانيا ووطنيا، يتبين الدرس المفيد الذي نستقيه منه ونستفيد من دلالاته ومعانيه، وفي هذا يقول “هورس”: “أفضل خدمة يمكن انتظارها اليوم، من درس التاريخ، هو دون شك أن نتعلم منه تحسين معرفتنا الإنسان، ونأخذ عنه طريقة تتيح لنا أن نواجه ببصيرة نافذة كل واحد من أشباهنا، فنتعرف أحواله ودخائله التي تفرد بها عبر مروره بالأوضاع البشرية الأساسية والدائمة، التي هي لكل زمان ولكل بلاد، وبعد ذلك نقوم بالممايزة بين المبادئ والتقاليد المختزنة، التي تحيلها علينا التنشئة إرثا للتدارس والتفاوض، فنكون على أساسه، مواطن جيل كذا وبلاد كذا.

تلك الأهمية في إعداد الجيل هي التي تجعل التاريخ المدرسة التي لا يمكن تجاوزا أو التغافل عنها، لما لها من دور أساسي في تكوين الإنسان المراد للهدف المنشود، ونظرا لذلك تكمن أهمية المؤرخ ومعلم التاريخ ومكانته الاجتماعية في ما يسعى لربط البناء الإنساني والترابط عبر الأجيال.

وفي هذا يقول الشيخ الورتيلاني: “إن مرتبة العلماء تزيد وتنقص بقدر معرفتهم للتاريخ، لأنه علم يزيد الإنسان في الفضائل ويبعد عنه القبائح، إنه علم تعلو بهمة الانسان، لأنه يدفع إلى المعالي من الأمور “. وهو ما يؤكده الدكتور أبو القاسم سعد الله في قوله: “إن الإحساس بالتاريخ فطرة يفطر عليها الله الشعوب والأفراد “.

إن الشعور بالانتماء والإحساس بالترابط مع الماضي، يجعل الذاكرة متيقظة باستمرار لدى الفرد، ويبعث فيه الإحساس بالمسؤولية تجاه ذاته وغيره من بني جنسه، خاصة إذا كان هذا الفرد صاحب حق ومعتدى عليه فتواصله مع الماضي هو الضامن لحماية واستمرار وجوده كشخصية مميزة، ذات أنا وتقاليد.

وفي هذا يرى الأستاذ عزيز العظمة: “أن التواصل مع الماضي أمر إيجابي حسن، يجنب الأمة الذوبان في غازيها ويحميها من الاستباحة التي يروعها أعداء هذه الأمة ويحصنها بأقوى ما فيها “. فالإحساس التاريخي لازم الفرد الجزائري في مواجهة الاحتلال الذي سعى منذ البداية إلى تجسيد نظرية التحويل والتمكين بإحلال الدخيل مكان الأصيل، ليتمكن من النجاح في إنشاء المستوطن البديل، بكل المواصفات الدخيلة، الثقافية والدينية والقانونية المزعومة بما سمي بالجزائر الفرنسية التي دام العمل لأجلها عبر سيرة دموية وإبادية دامت (90 سنة من 1830 إلى 1920) شهدت مقاومات متعددة شملت كل جهات الجزائر. ليبرهن الجزائري عن رفضه القاطع لهذا الواقع، مما استوجب أربعة أجيال متتالية لمقاومة مسلحة، فالذاكرة المقاومتية هي التي كانت تدفع الجزائري إلى تحمل المسؤولية التي ورثها عن سابقيه، والتصدي لكل أشكال المحو والقهر والإفشال، لكن التجديد الموروث هو الذي جعله يتصدى للوعيد وهو ما جعله يصل إلى النوعية في تجيل تاريخ فريد.

لقد تبنى جيل الحركة الوطنية، الذي ظهر مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين، نموذجا جديدا من المقاومة، وهو بناء الفرد والاعتماد عليه للوصول به إلى تحقق الهدف، وهو التحرير الوطني الشامل، وتخليص البلاد من الاحتلال. وذلك عبر توعية وتنشئته النشأة التي تؤهله إلى تلك المسؤولية وتجسيدها بنجاح، فقام بإنشاء الأحزاب والجمعيات، من أجل صنع رابط وطني فكري ثوري تحرري، يجمع كل الجزائريين على كلمة سواء، شعارها الوحدة والتوحيد من أجل هدف واحد تحت راية.

فكانت المدرسة المعتمد عليها في هذه المهمة الهادفة الصعبة، هي الذاكرة من خلال ما ذخرته من كنوز البطولات والأمجاد التي اتسم بها الجزائري عبر تاريخه الطويل ومقاومته في مختلف العصور لاسيما في القرون الأخيرة التي شيد فيها دولته الوطنية بحدودها الحالية مع مطلع القرن الـ 16 الميلادي التي صنع بها مجدا وقوة في حوض البحر المتوسط، وأصبحت مهابة الجانب في النصر والعون تطب دول العالم القوية ودها وتعقد المعاهدات والصفقات معها في كل المجالات وتتبادل معها السفارات والتمثيليات. وكان لحكامها المكانة والهيبة والسمعة. وقد زادها على ذلك الموقع الجيو استراتيجي الذي منحتها الطبيعة ثم توالت التشكيلات الوطنية بالبرامج التكوينية لإعداد الجيل بمادة فكرية نابعة من الذاكرة الوطنية وتسليحه بالحس التاريخي الدافع إلى تحمل المسؤولية، فكان العلم الوطني، الذي يحمل تاريخا مقاوما في شكل وألوانه، ويوحد الناشئة على رمزيته ودلالاته في سنة 1934 ثم جاء حزب الشعب الجزائري سنة 1937 ليواصل مسار النجم ورسالته، ثم جاءت حركة أحباب البيان والحرية في 1944 لتحمل راية الوحدة والدعوة للحرية، وجاءت بعدها مرحلة التحضير والعمل مع حركة الانتصار للحريات الديمقراطية سنة 1947 لتلد منها المنظمة السرية العسكري، الأم الشرعية لتفجير الثورة التحريرية.

لقد كانت تلك الحركات منابر للتذكير ومجالس للتفكير في إعداد إرساء وتكوين جيل تقرير المصير، فأنت تذكره بتاريخ الأسلاف في مدارسها ومجالسها وصحافتها وبياناتها وتجمعاتها واجتماعاتها وندواتها، لأنها تدرك أن التاريخ وما يحمله من مبادئ ومفاهيم عقائدية دينية أو تراثية وطنية هو المحصن والضامن لحماية الخصوصية والذاتية من كل محاولات المسخ والذوبان في الآخر.

وإذا استقرأنا الذاكرة الوطنية، للهد القريب أي فترة الاحتلال الفرنسي، الذي دامت 132 سنة من الظلام والظلم والظلامية، والمرتكزة على العنصرية الإبادية، والنظرية العرقية البداية، التي لا تريد لغيرها أن يتقاسم معها الطبيعة في مائها وهوائها، ومهما نذكر ونعدد الجرائم، والمظالم، التي شهدتها الجزائر أرضا وشعبا، وهوية ومعتقدا ولغة وثقافة، ومجتمعا واقتصادا، ما كفيناه ذكرا ولا عدا وحصرا، ما أكثر الأسماء والأحداث التي تقدح ذاكرة المؤرخ، وتشحذها وتصقلها ولا تتركها تصدأ أبداء.

ولذلك، فإن الذاكرة الجزائرية تحمل لهذه الفترة المظلمة، صفحات منوعة، فيها الجرائم، والمقاومة والبطولات، والرواد في الفكر الوطني والعمل الثوري التحرري، فهي بذلك سجل تحمله الذاكرة ويتناوله فكرا وعملا واقتداء أبناء هذا الوطن جيلا عن آخر، برا ووفاء واعتزازا وإكبارا..

وهنا نذكر محطات ومعالم للتدبير والتفكير وحتى لا يكون للنسيان في الذاكرة الجزائرية مكان:

فإن من الجرائم الإبادية نذكر:

– مجزرة قبيلة العوفية، في 06 أفريل 1832 على دي روفيقو.

– محرقة قبيلة بني صبيح ببوقادير سنة 1844 على يد الجنرال كافينياك.

– محرقة الظهرة قبيلة أولاد رباح بغار لفراشيح في 09 جوان 1844، على يد العقيد بيلييه.

– معركة الزعاطشة في 1849.

– معركة إشريضن، في 1857، أحرقت مداشر أهل القبائل على يد راندون.

– مجازر 8 ماي 1945، حكومة الجنرال دي غول.

– مجازر 20 أوت 1955، جاك سوستيل.

-خطا شال وموريس: الإبادة متواصلة.

– التفجيرات النووية: الإبادة متواصلة.

وكل هذا يشهد له مرتكبوه من القادة الفرنسيين أنفسهم، حيث فاقت جرائمهم 10 ملايين شهيد.

وقابل ذلك بطولات سجلها التاريخ في مقاومات على مر “90 سنة” من العمل العسكري: نذكر من بينها:

–       مقاومة الأمير عبد القادر.

–       مقاومة الحاج أحمد باي.

–       مقاومة أولاد سيدي الشيخ.

–       مقاومة الشيخ المقراني والحداد.

–       مقاومة الشيخ بوزيان.

–       مقاومة الشيخ بوبغلة.

–       مقاومة لالة فاطمة نسومر.

–       مقاومة الأوراس.

–       مقاومة الشريف محمد بن عبد الله.

–       مقاومة الشيخ بوعمامة.

–       مقاومة الشيخ المهدي باجودة.

–       مقاومة الشيخ آموده.

–       مقاومة الشيخ آخ بكدة.

إن العناية بالذاكرة جعلتها تكون عنصرا محوريا في أدبيات الثورة ضمن مواثيقها، كما بيناه أعلاه في بيان أول نوفمبر وميثاق الصومام. وبعد استرجاع السيادة الوطنية، أعطت الدولة الجزائرية المستقلة أهمية كبيرة للذاكرة من خلال العناية بها وصيانتها وحمايتها من الضياع والحفاظ على رموزها: من خلال التنصيص عليها في دساتير الجمهورية ومواثيقها وإقامة الهيئات الخاصة بها أمنا ودراسة وتعريفا. لكونها مصدر عز وافتخار وإعجاب لكل الأحرار في العالم، كما جعلــــت من الجزائر مدرسة عالمية في استلهام الدروس الوطنية التحررية، وهو ما أقره قادة تحرريون اعترف لهم العالم بجليل الصنائع في النضال العسكري والسياسي، مثل: الجنرال جياب قائد معركة ديان بيان فو في ماي 1954 الذي قال في زيارته للجزائر بالمتحف الوطني للمجاهد سنة 1985: “تأثرنا بثورة الأوراس بالجزائر فانتصرنا على الإمبريالية الأمريكية “. والزعيم السياسي نيلسون منديلا قال عنها: “الثورة الجزائرية صنعت مني رجلا “. هذه الذاكرة التي حررت أبناءها ورفعت بهم إلى قمم المجد، وجعلت من عملهم وانتصاراتهم ذاكرة لغيرهم وللأجيال اللاحق، وأنموذجا عالميا إنسانيا في كيفية صناعة النصر والتحرير الكامل والشامل.”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!