-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا لو عرف مارتن لوثر كينغ حقيقة الإسلام؟

محمد بوالروايح
  • 1142
  • 0
ماذا لو عرف مارتن لوثر كينغ حقيقة الإسلام؟

دخلتُ بيت مارتن لوثر كينغ جونيور في صائفة 2007 عند زيارتي لأطلنطا بولاية جورجيا فوجدته أشبه بغرفة عمليات حيث تنتشر الخزائن والمكاتب سفلا وعلوا وتزينه الجداريات التي تحمل كثيرا من الإيحاءات، التي تعبِّر عن نفسية ساكنه الذي ناضل من أجل حرية الإنسان وليس فقط من أجل حرية السود. ويبدو من الخزانة العتيقة التي لمحتها في ركن من أركان البيت أن مارتن لوثر كينغ جونيور كان متشبِّعا بالقيم الإنسانية التي قرأها في الكتاب المقدس والتي تجعل الناس سواسية بالفطرة بغضِّ النظر عن لون البشرة.

قلتُ في نفسي وأنا أطالع حياة الثائر مارتن لوثر كينغ جونيور ليس بينه وبين بلال بن رباح إلا مسافة عقيدة التوحيد التي استقرت في نفس بلال الحبشي فاحتمل في سبيلها رمضاء مكة حيث كان جلادوه يلهبون جسده بالسياط ولكنه ظل صابرا محتسبا لأن ما يأمله عند الله خير مما يؤلمه. إن مسافة التوحيد بين اثنين ليست مسافة هيّنة، فهي تفرّق بين من يناضل نصرة للدين ومن يناضل نصرة للإنسان، وقد كان مارتن لوثر كينغ جونيور من هذا الصنف الأخير لأنه لم يجد للدين غير تلك الصورة المتناقضة التي دأب عليها في الكتاب المقدس الذي تؤكد نصوصُه على مبدأ المساواة بين البشر ويحرص كهنتُه على تكريس تمييز فظيع بين الطبقات حتى داخل المجتمع المعمداني الذي كان ينتمي إليه مارتن لوثر كينغ جونيور.

لا أعلم الغيب ولكنني أحسّ من قراءتي لسيرة مارتن لوثر كينغ جونيور بأنه لو عرف حقيقة الإسلام في تكريس المساواة بين البشر وفي حفظ الكرامة الإنسانية لما تردّد في اعتناق الإسلام الذي يجد فيه كل ما يناضل من أجله، فالإسلام -في نظرته إلى الناس من الزاوية الإنسانية التي توحّدهم جميعا– ينبذ معاملة الناس على أساس العرق أو الجنس والحديث الجامع في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم  في خطبة الوداع: “..ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى”. لو أدرك مارتن لوثر كينغ جونيور أبعاد هذا الحديث النبوي لأقبل على الإسلام ولكنه أصرّ على وجهته فلكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها.

علّق أحد الأصدقاء قبل أيام قائلا: “ماذا عن مالكوم إكس، لماذا ليس مشهورا بشكل كبير؟ هل لأنه مسلم؟”. إن هذا الكلام يردده كثيرٌ من المسلمين وكلهم يكررون الخطأ نفسه، فنحن حينما نكتب عن مارتن لوثر كينغ جونيور أو عن مالكوم إكس فإننا نكتب عن نضالهما السياسي والاجتماعي وليس عن مسلكهما الديني؛ فشهرة مارتن لوثر كينغ جونيور ليس لكونه مسيحيا محافظا أو إصلاحيا وإنما لكونه قد سلك مسلكا نضاليا فيه كثير من التحدي، وعدم شهرة مالكوم إكس ليس لكونه مسلما بل لكونه –حسب رأي بعض المؤرخين- لم يرتق في العمل النضالي إلى المستوى الذي بلغه مارتن لوثر كينغ جونيور، أقول هذا رغم اقتناعي من خلال ما قرأته عن حياة مالكوم إكس بأن شهرة هذا الأخير قد ضاهت أو فاقت شهرة مارتن لوثر كينغ جونيور.

رجعتُ إلى أقوال مارتن لوثر كينغ جونيور التي لخَّص فيها نضاله ضد التمييز العنصري وضد استبداد الرجل الأبيض فوجدت أنه ليس بين الرجل والإسلام إلا شعرة معاوية، صحيح أن في الكتاب المقدس الذي يؤمن به مارتن لوثر كينغ جونيور كثيرا من الوصايا التي تحتفي بالمساواة بين البشر، ولكنها مساواة ليس لها أثرٌ في الواقع، فالتاريخ الأسود للكنيسة والفصول المؤلمة للحروب الصليبية تؤكد كلها بما لا يدع مجالا للشك بأن ما ألحّت عليه النصوص الكتابية قد داس عليه اللصوص ومصَّاصو الدماء الذين كانوا يوشِّحون رؤوسهم بشارة الصليب ويقرأون تطويبات إنجيل متى ولكنهم يفعلون نقيضها تماما. إن أقوال مارتن لوثر كينغ جونيور لا نجد لها تقاربا إلا مع القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام.

كتبت منظمة العفو الدولية في احتفائها بذكرى ميلاد مارتن لوثر كينغ جونيور على صفحتها الرسمية: “.. اليوم سوف نكرم ذكرى ميلاد مارتن لوثر كينغ، الناشط الأمريكي في مجال الحقوق المدنية، وأحد أبطال المقاومة السلمية، ها هنا نتذكر بعضا من كلماته الخالدة”. من كلمات مارتن لوثر كينغ جونيور التي احتفت بها منظمة العفو الدولية ما قاله عن العدالة: “حان الوقت لكي نجعل العدالة حقيقة لجميع الناس”. أعتقد أن التعبير بالحق هنا أبلغ من التعبير بالحقيقة وهو ما يقتضيه السياق، ولكن لا تهمنا هذه الناحية الشكلية بقدر ما تهمنا القضية الجوهرية التي تحدث عنها مارتن لوثر كينغ جونيور وجعلها الغاية التي يتطلع إليها في نضاله السلمي ضد العنصرية والعرقية، فالعدل أساس المُلك وهو في الإسلام الغاية التي خُلق من أجلها الإنسان وقامت عليها السموات والأرض وصلح عليها أمر الدنيا والآخرة، وما كان لمارتن لوثر كينغ -في اعتقادي- المتعطش للعدالة بين جميع الناس أن يجد في النصوص المقدسة والوضعية على سواء عن العدالة أفضل مما جاء به الإسلام الذي نقرأ  في كتابه الكريم: “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”، ونقرأ أيضا: “ولا يجرمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا اعدِلوا هو أقربُ للتقوى”.

ومن كلمات مارتن لوثر كينغ جونيور ما قاله عن النضال السلمي: “على الرغم من الانتصارات المؤقتة التي تتحقق بالعنف، إلا أنه لا يجلب سلاما أبدا”. كأني بمارتن لوثر كينغ جونيور هنا يحاكي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه”. لقد نهى الإسلام عن العنف ودعا إلى التعايش السلمي بين الإنسان وأخيه الإنسان، فحرَّم الاعتداء على الآخرين وعلى أموالهم وأملاكهم ولم يقرِّر القتال إلا في حالة الإكراه دفاعا عن عقيدة مضطهَدة أو حق مهضوم أو كرامة مسلوبة، ولو كُتب في تقديري لمارتن لوثر كينغ جونيور أن يدرك كل هذه المعاني لكانت له وقفة تأمُّل مع الإسلام وربما لسلك السبيل الذي سلكه كثيرٌ من الذين شرح الله صدورهم للإسلام، أقول هذا تيمُّنا وليس رجما بالغيب فالله هو وحده الهادي “فمن يُرد اللهُ أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يُرد أن يُضِله يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنما يصعَّدُ في السماء”.

لا أعلم الغيب ولكنني أحسّ من قراءتي لسيرة مارتن لوثر كينغ جونيور بأنه لو عرف حقيقة الإسلام في تكريس المساواة بين البشر وفي حفظ الكرامة الإنسانية لما تردّد في اعتناق الإسلام الذي يجد فيه كل ما يناضل من أجله، فالإسلام -في نظرته إلى الناس من الزاوية الإنسانية التي توحّدهم جميعا– ينبذ معاملة الناس على أساس العرق أو الجنس.

ومن كلمات مارتن لوثر كينغ جونيور: “أنا أؤمن أنَّ الحقيقة المجرَّدة من السلاح والحب غير المشروط ستكون لها الكلمة الفصل على أرض الواقع، لهذا يكون الحقُّ المهزومُ مؤقتا أقوى من شرٍّ منتصر”. لقد بُنيت حقيقة الدين على مبدأ الحب الإنساني وهو الحب الذي تدَّعي المسيحية حق السبق إليه مستدلة بما جاء في إنجيل متى 44:5: “أحبوا أعداءكم باركوا لاعِنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم”. من أجل هذه العبارة ادّعت المسيحية أنها دينُ المحبة، ونحن لا ننكر أن بعض المسيحيين يؤمنون بهذا ويعملون به ولكن أكثرهم عملوا خلافه، فقد اغتيلت المحبة بسبب الصراعات المذهبية بين الطوائف المسيحية التي تغذيها الكنائس وهذا ما لم يحصل في الإسلام، فالصراعات المذهبية التي قرأنا عنها في التاريخ الإسلامي هي صراعاتٌ لم يأمر بها الإسلام بل دعت إليها وذكّتها وغذّتها جماعات مذهبية. إن الإسلام يتجاوز الدعوة إلى الحب الإنساني إلى التعارف الإنساني: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

كان مارتن لوثر كينغ جونيور قسًّا أمريكيًّا في الكنيسة المعمدانية، ولا يُعرف في التاريخ المعاصر لهذه الكنيسة قسٌّ عُرف بسلمية الخطاب كمارتن لوثر كينغ جونيور، ولكن رغم سلميته إلا أنه كان ضحية اغتيال غادر في الرابع من أفريل عام 1968. إن أصحاب الآراء المختلفة حينما لا يجدون سبيلا للالتقاء فإنهم ينزعون إلى سبيل آخر وهو حرص بعضهم على إفناء بعض والنتيجة المحتومة عالم بلا قيم وعودة إلى مجتمع الغاب الذي حاربته الشرائعُ السماوية وشجَّعت عليه بعض الديمقراطيات المزعومة التي أقحمت العالم في دوَّامة صراعات قومية تغذّيها الرغبة الجامحة في الانتقام من الآخر. إن الإسلام لا يؤلب على الآخر ولا  يدعو إلى إزهاق روحه لمجرد أنه يخالفنا الرأي أو أننا نضيق به وبآرائه، ففي ضيق الآراء أحيانا سِعةٌ لا يدركها كثيرون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!