-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا لو كان التضخُّم يساوي الصفر في الاقتصاد الجزائري؟

د. عمر هارون
  • 6801
  • 0
ماذا لو كان التضخُّم يساوي الصفر في الاقتصاد الجزائري؟

كثيرا ما تتحدث التقارير الدولية عن خطورة التضخم، وأن إرتفاع نسبه ستشكل خطرا كبيرا على إنخفاض القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع اليقين وزيادة التكاليف داخل الاقتصاد، ولكن هذه التقارير لا تقول للمواطن البسيط إن هذه المخاطر ستكون إذا بلغنا النسب الجامحة للتضخم الذي يبلغ 50 بالمئة أو يفوقها شهريا لكن قبل أن نبدأ في تفصيل علاقة التضخم بالاقتصاد وخاصة ما يتعلق بالنمو الاقتصادي الذي يعتبر أساس ازدهار الدول.

الصفر بين التضخم وضغط الدم
إن التضخم يعبر ببساطة عن الزيادة في المستوى العامّ للأسعار خلال فترة زمنية معينة تكون في العادة سنة واحدة، كما يمكن التعبير عنه بإنخفاض القدرة الشرائية للنقود خلال فترة زمنية محددة، وحتى أبسّط أكثر تعريف هذه الظاهرة الاقتصادية أقول إن التضخم هو المقدار الذي تقدّمه لك الوحدة الواحدة من النقود، والعلاقة عكسية بين التضخم والقدرة الشرائية للوحدة الواحدة من النقود، أي كلما إرتفع التضخم إنخفضت القدرة الشرائية للنقود، وعادة ما يكون التضخم مرتبطا بحجم السلع المعروضة في الأسواق، فإذا زاد المعروض من السلع والخدمات عن الطلب انخفضت الأسعار ومنه انخفض التضخم وإذا قلّ المعروض عن الطلب حصل العكس وارتفع التضخم.

الواقع يؤكد أن الدول السائرة في طريق النمو يتحمل اقتصادها نسبا أكبر بكثير من تلك التي تتحملها الاقتصادات المتطورة بضعفين أو ثلاثة أضعاف، ووصول التضخم إلى مستويات ما بين 08 إلى 10 بالمئة يبقى أمرا عاديا نظرا لأن التضخم في هذه الحالة هو تأثيرٌ جانبي لعملية التنمية المحلية التي باشرتها هذه الدول، والذي سرعان ما سيختفي بمجرد دوران عجلة الانتاج في المشاريع التي باشرت هذه الدول العمل عليها لكن بشرطين.

وأن يكون التضخم مساويا للصفر فهذا يعني أن الأسعار لا تتغير وإن بشكل بسيط، وهذا يعني ببساطة أن الحركية الاقتصادية منعدمة في السوق المعني، وهذا يشبه إنخفاض ضغط المريض إلى الصفر والذي سيعني حتمية وفاة المريض، ومنه فصفرية التضخم تعني أن الاقتصاد أصبح في حالة جمود ولا وجود لا لقوى العرض والطلب، وهذا ما يعني بالتأكيد دمار البلد، ومنه فالتضخم ظاهرة صحية ما دام متواجدا في مستوى مقبول.

ما هو المستوى المقبول للتضخم في الاقتصاد؟
هناك فرقٌ كبير بين الدول المتطورة والسائرة في طريق النمو في تحديد مستويات التضخم المقبولة لديها، فالدول المتطورة تعتبر أن مستويات التضخم حين تتجاوز 2 إلى 3 بالمئة تعتبر مستويات غير صحية لأنها ستؤثر على المستوى العامّ للأسعار، وتخلق اضطرابات اجتماعية لدى الساكنة، لأن أكثر ما يهم هذه الدول هو المحافظة على الاستقرار لأنها وصلت إلى مستويات عالية من التطور مكّنتها من توفير الرفاهية لمواطنيها وإن بشكل مرحلي، لهذا فحجم الأموال التي عادة ما تُضخُّ في الاقتصاد تكون محدودة مما يجعل تأثيرها غير واضح في الاقتصاد، كما أن إمتلاك هذه الدول عملاتٍ صعبة يجعل الأموال التي تضخها في اقتصاداتها سرعان ما تجد طريق للخروج من الحيّز الجغرافي لهذه الدول لتتحول إلى أسواق خارجية، كوسيلة للمحافظة على القيمة من قبل سكان دول بقية العالم الذين عادة ما يخشون من تراجع قيمة عملاتهم المحلية فيكتنزون الأموال بالعملات الصعبة، في المقابل تهدف الدول السائرة في طريق النمو إلى بناء اقتصادها وتقويته، فتتخذ وسيلة الإنفاق العامّ آليةً لدعم الاقتصاد المحلي والاستثمار في مختلف المجالات سواء تعلق الأمر بالبنى التحتية أو دعم المؤسسات المحلية وحتى أجور العمال، ولهذا فحجم الأموال التي تُضخُّ في الاقتصاد عادة ما تكون أكبر، ومنه فإنّ من المنطقي أن تكون مستويات الحركية الاقتصادية أكبر ومنه فالتضخم أكبر، لأن نسبة من الأموال التي توجَّه لتنمية الاقتصاد تتسرب للاستهلاك وهذا ما يجعل المعروض النقدي أكبر من حجم السلع والخدمات وهذا ما يرفع التضخم مقارنة بالنسب التي تحددها الدول المتطورة والتي تتراوح بين 2 و3 بالمئة، لكن الواقع يؤكد أن الدول السائرة في طريق النمو يتحمل اقتصادها نسبا أكبر بكثير من تلك التي تتحملها الاقتصادات المتطورة بضعفين أو ثلاثة أضعاف، ووصول التضخم إلى مستويات ما بين 08 إلى 10 بالمئة يبقى أمرا عاديا نظرا لأن التضخم في هذه الحالة هو تأثيرٌ جانبي لعملية التنمية المحلية التي باشرتها هذه الدول، والذي سرعان ما سيختفي بمجرد دوران عجلة الانتاج في المشاريع التي باشرت هذه الدول العمل عليها لكن بشرطين.

ما هي شروط تحمّل مستويات تضخم مرتفعة؟
سبق ووضّحنا الفروق الجوهرية بين الاقتصادات المتطورة والاقتصادات السائرة في طريق النمو، لكن تحمّل مستويات عالية من التضخم بالنسبة لهذه الأخيرة مرتبط بمحاولة تقليص مستويات تسرّب المبالغ المخصصة للاستثمار إلى الاستهلاك، فيجب أن لا تُستخدم الأموال مثلا في استيراد السلع والخدمات أو في إنشاء بنى تحتية لا علاقة مباشرة لها مع استحداث المؤسسات الاقتصادية وتطوير الانتاج الفلاحي والصناعي، كما يجب التركيز على حسن إختيار المشاريع التي تُضخُّ فيها الأموال من خلال القيام بدراسة الجدوى الاقتصادية لتكون مشاريع قادرة على ضخّ سلع وخدمات في السوق أو تصديرها للحصول على العملة الصعبة من أجل إحداث توازن بين العرض والطلب، وهو ما سيعيد مستويات التضخم إلى مستويات أدنى، كما أن الحكومات في حال تراجع الانتاج ونقص العرض عادة ما تلجأ إلى اقراض الاقتصاد داخليا من خلال خفض مستويات الفائدة لاجبار المستثمرين على ضخّ أموالهم في السوق من أجل العمل على تحريك عجلة الانتاج والرفع منه، وهو ما يؤدي في العادة إلى عودة مستويات التضخم إلى المستويات العادية، وهو توجُّه كينزي معروض يُستخدم لكسر الكساد كما حدث في 1929 وفي أزمة الرهن العقاري في 2008 وفي أزمة الكوفيد 2019 ما بين 2020 و2022.

المخاطر التي تواجه الاقتصادات الكبرى في محاربة التضخم
إن أهم ما يخشاه كبار الاقتصاديين هو تزامن التضخم مع الركود الاقتصادي وما ينجرّ عنه من أزمة بطالة خانقة، وهو أمر كان مستبعدا إلى غاية حدوث أزمة التضخم الركودي في بريطانيا 1973، وهي حالة يتزامن فيها نمو إرتفاع التضخم مع تراجع القدرة الشرائية للموظفين مما يرفع من المطالب العمالية بزيادة الأجور ،وهو ما يؤدي إلى تراجع التوظيف ومنه إلى تراجع الإنتاج مما يخلق ركودا اقتصاديا، هذا الثالوث يؤدي إلى أزمة اقتصادية غير متحكم فيها، كما تخشى الاقتصاديات الكبرى من انحسار قوة عملتها خارج حدودها الجغرافية، مما يجعل الأموال المنتَجة داخل الاقتصاد منحصرة داخله، وهو ما يمنعها من الطباعة على المكشوف لسد احتياجاتها النقدية، خاصة في حالة الأزمات؛ ففي أزمة الرهن العقاري في 2008 كلفت خطة إنقاذ الاقتصاد الأمريكي نحو 1 تريليون دولار (ألف مليار دولار)، في حين أن خطة الإنقاذ في أزمة الكوفيد 2019 كلفت نحو 5 آلاف مليار دولار أمريكي، ولو بقيت هذه المبالغ منحصرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية سيصبح المعروض النقدي أكبر من المعروض السلعي وهو ما سينتج تضخّما جامحا يفوق 100 بالمئة، وهو أمر لا يمكن قبوله، كما أن التخوف الثاني يرتبط بإرتفاع نسب تسرب التمويل إلى الانفاق الاستهلاكي، وهو ما قد يقلل من نسب التضخم نظرا لإرتفاع حجم المعروض، لكنه في المقابل سيقلل من فرص الاقتصاد في النمو نظرا لتحويل الأموال الموجَّهة للاستثمار إلى الاستهلاك.

ما يجب إدراكه في الاقتصاد الجزائري
ركّز تقرير صندوق النقد الدولي الصادر أواخر مارس 2024 على التضخُّم في الجزائر مبديا تخوفه من ارتفاعه إلى مستويات تقارب 10 بالمئة، لكن الذي لم يقله خبراء الصندوق أن دولة كالجزائر ميزانيتها تفوق 110 مليار دولار سنويا، وإنفاقها على تطوير اقتصادها وبناها التحتية لتحقيق نسب النمو المرجوة التي ستفوق بحول الله 4 بالمئة، لن يضرّه التضخم وإن وصل إلى 12 بالمئة، نظرا لأن هذه المعدلات مرحلية، وسرعان ما ستعود إلى مستويات أقل بمجرد دخول الاستثمارات المخطط لها حيّز الخدمة، وأن الأسلوب المنتهج هو العمل على تحديد إحتياجات السوق بدقة لسدها وتخصيص المبالغ المتبقية لمواصلة عملية تطوير الاقتصاد بهدف الرفع من مستوى المعروض من السلع والخدمات، وهو السبيل الوحيد للتحكم في الاقتصاد نظرا لأن الجزائر من الدول التي يجب أن تستخدم مزيجا بين السياسة الملية والنقدية للتحكم في التضخم، فالإعلان عن دخول مجموعة من المشاريع الاستثمارية حيّز الاتفاق أو التنفيذ يعدّ سياسية مالية، لكن قرار تخفيض نسب الفوائد على القروض يعدّ سياسة نقدية، لكن الهدف من كل هذا هو الرفع من مستوى الانتاج لتلبية الطلب المحلي وهو ما سيجعل التضخم يتراجع بشكل حتمي إلى مستويات تسمح بتحقيق الرفاهية للمواطن، وهو ما بدأت بوادره في الظهور في القطاع الفلاحي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!