الإثنين 17 جوان 2019 م, الموافق لـ 14 شوال 1440 هـ آخر تحديث 22:49
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

ماذا يجري في السودان؟

ح.م
  • ---
  • 2

حرقة وآلم على كل قطرة دم تسفك على مساحات الوطن العربي والإسلامي وغصة تخنق العبارات وتعصر الفؤاد.. ولكن بعد هذا ألا ينبغي أن نتدبر أحوالنا بعين العقل وبعقل القلب لعلنا نكتشف دائرة الخلل التي تسوقنا إلى الموت الفاجع والانتكاسة تلو الانتكاسة؟
قبل الحديث عما يجري أعرف أن هناك أسئلة ضرورية لابد من طرحها أولها: ما هو السودان في الجغرافيا السياسية والدور الإقليمي؟ وما هو السودان بالنسبة لمستقبل العرب في معركة الوجود الحضاري والوفرة الغذائية؟ هذه الأسئلة تدعونا لتدبر كلماتنا وخطواتنا، فنحن لسنا إزاء إقليم نائي بلا أهمية إستراتيجية، بل نحن أمام مدخلنا الإفريقي ورأس القرن الإفريقي والثروة الغذائية والحيوانية الهائلة التي تحقق للعرب رصيدا استراتيجيا في سنوات الحصار المحتملة عليهم من قبل الإدارات الاستعمارية.. كما أن السودان هو رسالة العرب إلى إفريقيا تحمل لها الثقافة والأخلاق والدين واللغة.
من هنا بالضبط يجب، ونحن نقترب من المشهد السوداني، أن نستحضر الرغبة الاستعمارية في تفسيخ السودان وتمزيق أبنائه وتشتيت قدراته ليصبح كما الصومال وليبيا وسورية والعراق نهبا لكل طامع ومستعمِر.. ولقد عانى السودان عشرات السنين من حروب تورط فيها الغرب الاستعماري والإقليم العربي للأسف في أحيان كثيرة.. انتهت بتخيير السودان بشطب الدولة أو القبول بانفصال الجنوب الغني بالثروة النفطية فخضع السودان إلى فقد ثروته في مقابل الحفاظ على كيانه متأكدا أن الجنوب سيعود حتما للسودان لأسباب منطقية وطبيعية بعد أن يكتشف أهل الجنوب أن العصابات التي أوردته المهلكة لا تقدم له إلا وصفات صراع بين المكونات الثقافية والقبلية.
اندلعت الاحتجاجات الأخيرة منذ أربعة أشهر لأسباب وجيهة تمثلت في نقص مواد غذائية في بعض الجهات من البلاد ناتجة عن إهمال وسوء تدبير وامتدت الاحتجاجات لتصل مناطق أخرى منتهية بالخرطوم.. ومما لاشك فيه أن الدولة السودانية كانت بحاجة إلى نفض الغبار عن كثير من زواياها لاسيما في مجالات النهضة والخدمات والعمالة والطبابة والمرافق العامة والشفافية وتوفير فرص الاستثمار المجدي.. ولكن الاحتجاجات لم تضع في البداية شيئا من هذا نصب أعينها، وسريعا التقط بعض المعارضة الفرصة وحملوا مطالبهم على ظهر حراك الشعب السوداني في مواجهة دولة منهكة بأنواع الحصار ومخلفات الحروب.. كان الموقف الرسمي أن الحوار لابد من استمراره وتفعيله إذ تقوم حكومة تسير البلاد نتيجة حوار وطني شامل للأحزاب والقوى السياسية في البلاد.. وانه لا يمكن الخضوع لمطالب فئة من الناس بإحداث تغييرات عميقة على الدولة والنظام، فذلك من شأن العملية الديمقراطية بما فيها من الاحتكام إلى صندوق الانتخابات..
حاول الجيش السوداني احتواء الموقف، وهنا لابد من الإشارة إلى دور الجيش السوداني منذ نشأة الدولة السودانية المعاصرة؛ إذ كان له دوما دور في التغيير وحسم الأمور لصالح جهة ما أو لصالح حراك شعبي، فالجيش في السودان هو القوة الأكثر تنظيما ولها دورٌ سياسي أساس.. ولهذا توجه قادة الحراك إلى الجيش لينصرهم.. وقادة الحراك قوة الحرية والتغيير ليسوا سواء فهم خليط من قوى عديدة منها الشيوعيون والبعثيون وحزب الأمة التقليدي ونقابات المهن التي تم تشكيلها مؤخرا لتكون الذراع الجماهيري للأحزاب الليبرالية..
تحرَّك الجيش وعزل رئيس الجمهورية وأقال الحكومة وقام بعدة إجراءات لتنفيس الاحتقان وطرح مبادرة لحل الأزمة بإجراء انتخابات خلال أشهر.. وخلال هذه الفترة يجري تسيير الأمور بمجلس مؤقت.. وهنا بدا الاختلاف يأخذ منحى آخر.. أصر القادة الشيوعيون والبعثيون على أن لا حوار مع الحزب الوطني وأنه يُمنع عليه أن يكون في هذه المرحلة، كما أعلنوا أنهم مفوضون من الشعب للقيادة والحوار مغفلين ما لقوى المعارضة الأخرى من حضور وأهمية وهي أحزاب عديدة وقوى تاريخية في البلاد، وخلال المفاوضات تكشفت نوايا الجميع وأصبح الحوار بين الحرية والتغيير والمجلس العسكري حوار طرشان، إذ أكد المجلس العسكري أنه لن يعطي السلطة إلا لحكومة منتخَبة وأنه لن يستثني أحدا من الحوار والعمل السياسي.
من الواضح لتركيبة الخريطة السياسية في البلاد أن التيار الإسلامي بكل عناوينه هو التيار الكاسح: حزب المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي والإخوان المسلمون وحزب الأمة والحزب التقدمي وحركة الإصلاح الآن، د. غازي صلاح الدين، وسواهم… الأمر الذي يكشف تخوف القوى العلمانية من العملية الانتخابية.. فمن الواضح أن الحشود التي جرى الضخ بكل الإمكانات لكي تتجمع في الخرطوم لم تتجاوز عشرات الآلاف، ومع أهمية وجودها إلا أن الجميع في السودان يعرف أن إجراء انتخابات خلال 3 أشهر يعني عودة قوية للإسلاميين إلى الحكم، وهذا ما يرفضه قادة الحرية والتغيير من القوى المتطرفة ضد الإسلاميين.
استطاع المجلس العسكري أن يشتت قوى الحراك وأن يكسب إلى جانبه مواقف العديد منهم على رأسهم الصادق المهدي وغازي صلاح الدين وسواهما من القوى التي كانت منذ اللحظة الأولى في الحراك، ولم يبق في المواجهة إلا القيادات الشيوعية والبعثية والتي يتصلب موقفُها يوما بعد يوم، وأصبحت لا تتوقف عند مطلب تغيير النظام أو اختلافات حول توقيتات العملية الديمقراطية، بل انهمكت في خطاب سياسي إيديولوجي عدمي حرَّض عليها الإقليم.
لقد تيبَّس البعثيون والشيوعيون في مطالبهم السياسية وتصوّرهم للانتقال نحو العملية السياسية التي تفرز مؤسسات ديمقراطية، واصطدم تيبُّسهم هذا بموقف للمجلس العسكري الذي أبدى تماسكا وتدبير مواقع لقياداته بحيث تصبح ذات قبول إقليمي ودولي بربط علاقات وتمتينها مع دول الإقليم الفاعلة مصر والسعودية..
كان على البعثيين والشيوعيين أن يدركوا قوانين العمل السياسي وأن يتواضعوا في مواجهة الظروف القاسية، فادعاؤهم بأنهم مفوّضون من الشعب كلامٌ ليس عليه دليل ورفضهم مشاركة غيرهم إقصاءٌ مشين وعنادهم أمام مؤسسة عسكرية تجد دعما إقليميا قويا يجعلهم يقودون أتباعهم إلى محرقة سياسية ومدنية.
حصل فض الاعتصام بالقوة، ولقد سبق ذلك إشاراتٌ قوية بل وتصرفات واضحة من قبل الجيش بأنه لن يسمح بالفوضى، وأنه يسجل تجاوزات خطيرة في الاعتصام الذي تحوّل إلى وكر عملاء للسفارات الغربية، وسوى ذلك من الاتهامات التي كالها المجلس للاعتصام.. فكان من المفترض أن يستشعر القادة الشيوعيون والبعثيون الأمر الخطير ويجنبوا البلد صداما داميا.. وأن يذهبوا إلى العمل السياسي الديمقراطي المتفق عليه بحوار بين جميع السودانيين.
ليس في التوقع بل ليس في الخيال أن يسلِّم المجلس العسكري السلطة لمجموعة من الأشخاص لأنهم قادوا احتجاجا مدنيا سلميا، هذا عكس طبيعة الأشياء والحياة.. فلقد كان مطلب قيادة الحرية والتغيير أن يتسلَّموا قيادة البلد وأن يشكلوا حكومة مدنية دون إدراك خطورة ذلك في بلد لا يقف الجيش معهم في توجههم ولا يسندهم ولا ينحاز إليهم.
إن إهراق كل قطرة دم خسارة وتخفي خلفها قلوبا تفجع وآلاما تتولد وحسرات وأيتاما.. وهنا تدق الأجراس بضرورة الحسابات الصحيحة وعدم توريط الناس في المهالك فلقد خدعوا أنفسهم بأن الجيش معهم فلم يكن الجيش ولن يكون معهم وان تحرك لعزل الرئيس فالجيش مؤسسة لا تحتاج لشرعية وجودها من قوة ما والجيش أعلن انه سيسلم السلطة لحكومة منتخَبة ولن يسلمها إلى حزب وقوة سياسية بدون انتخابات..
نقف هنا أمام خيارات صعبة: هل تلملم المعارضة الراديكالية جراحها وتبحث عن طريق ثالث للخروج من المأزق؟ أم أن إحساسها بالمظلومية يدفعها إلى مزيدٍ من التصلب؟ وهنا نقف أمام خيارين، الأول: أن تقمع السلطة أي نشاط خارج عن القانون حسب رأيها، والثاني: أن تفقد قيادة الجيش السيطرة على الأوضاع وحينها لن نكون أمام معارضة في مواجهة جيش بل بانقسامات متتالية تُفقد البلد ناظم وحدته..
قد يغترّ قادة الحرية والتغيير بمواقف كلامية من هذه الجهة أو تلك فيندفعون إلى مزيدٍ من المواجهة كما فعل الإخوان المسلمون في مصر وسيكتشفون في نهاية المطاف أن لا أحد ينفعهم وسيدفعون هم والشعب الثمن المجاني..
الموضوع لا علاقة له بالصحة أو الخطأ.. الموضوع حساباتٌ دقيقة وكان الله في عون السودان.

في العمق

مقالات ذات صلة

التعليقات في هذا الموضوع مغلقة!

2 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • صالح بوقدير

    من اعطى الجيش حق الوصاية على الشعب السوداني فهو المسؤول الاول والاخير عن كل قطرة دم تهرق على أرض السودان دعكم من التضليل وقلب الحقائق وتشويهها فالانقلابات هي من دمرت أوطان العرب وقدمتهم لقمة سائغة لأعدائهم أفلا تعقلون؟

  • حقيقة

    بعد اسقاط الدكتاتور جعفر النميري فاز الحزب الشيوعي بانتخابات ديمقراطية و كان اول قرار له هوا الغاء العمل بالشريعة الاسلامية و تم انقلاب عليه من طرف البشير و بمساندة الاحزاب الاسلامية فيما يسما بثورة التصحيح يعني على اي اساس تعتبر بلي الحزب الشيوعي معندوش اغلبية في الشارع و رانا نشوفو انوا بعد ما اعلن عصيان مدني الشعب استجاب له بينما الاسلاميين قرروا مساندة الجيش

close
close