-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما أشبه الأمس.. باليوم

عمار يزلي
  • 651
  • 0
ما أشبه الأمس.. باليوم

فرنسا، الحالمة اليوم وغدا بحق “حق الامتياز”، في الجزائر، تقف خلفها تلك الإخفاقات السياسية منذ الثورة الفرنسية وما قبلها، فهي رغم أنها كانت تلك القوة المتفوِّقة اقتصاديا وعسكريا، بفضل منحها حق الامتياز في استغلال كافة موانئ الشرق الجزائري، لاسيما استثمار المرجان في عهد الباشوات، (1508-1659)، وحق إقامة المحارس العسكرية لحماية سفنها إلى جانب امتياز استغلال المرجان، فإنها سياسيا كانت دوما على حافة الانهيار، مما يجعلها تطمع في ثروات الجزائر لإنقاذها من الأزمات.

هذا الامتياز الفرنسي، كانت فرنسا دوما تريده “تميّزا” و”تمييزا”، أي أفضلية قصوى، وهذا بفضل العلاقة بين الدولة العثمانية، و”العصابة” المالية اليهودية الممثلة في شركة “بكري-بوشناق”، صاحبة الامتياز في التجارة الخارجية الجزائرية منذ عهد الدايات، إضافة إلى المؤسسات التجارية التي كانت كلها بيد العائلات اليهودية: بن دران، بوجناح.. والتي سوف تسمح لفرنسا ما بعد الثورة بتشكيل تراكم مالي، ولكن أيضا، بتراكم سياسي لثقافة الانتشار والتوسُّع تلبية لحاجيات أسواقها إيرادا وتسويقا، الذي ستعمل على رسم معالمه وخطوطه الاستراتيجية للإجهاز النهائي على “نظام حالة الفوضى” داخل الإيالة التي أدخلت السلطة في دواليب الضعف خاصة بعد ثورة الانكشارية، إذ فُتح المجال السياسي أمام المغامرين العسكريين الذين، وإن وجدوا دعما شعبيا في البداية نتيجة فساد الحكم في عهد الباشاوات، فإنهم سرعان ما تحولوا إلى أوليغارشية وعصابة، استحوذ فيه الجهل واستولى “الإسكافيون ومجرمو الحق العام وغسالو الشوالق على هرم السلطة التي مارسوها بدون عقل وبروح سقيمة”، كما يشير إلى ذلك الدكتور جمال قنان.

وتأتي آخر معاهدة بين الجزائر وفرنسا حول امتياز استغلال الباستيون في 24 جويلية 1820م، لتشعر فيه فرنسا، المتأهبة لوضع البلاد كلها تحت نظام “الامتياز الدائم”، بأن وتيرة التعامل السلمي مع “نظام الإيالة” سوف لن يعمل سوى على إطالة عمر المرض، خاصة وأن هذه المعاهدة قد أبرِمت في عهد الداي حسين باشا (وهو آخر وأنظف البايات منذ عهد بعيد)، غير أن ذلك لم يكن كافيا لرأب الصدع الذي كان قد احتدم، وقد فرضت هذه المعاهدة شروطا صعبة بالنسبة لفرنسا، التي كانت ترى في الجزائر “حقها التاريخي والجغرافي”: شروط صعبة، قبلتها فرنسا على مضض. صعبة اقتصاديا، لأنها تفرض ضرائب متنوعة و”مجحفة” في حق فرنسا الوارثة لهذه المعاهدة وراثة التاريخ.

ولغرض “إدماج” الوكلاء الفرنسيين في عملية “الدنوش”، باعتبارهم رعايا أجانب مقيمين دائمين، فرضت المعاهدة عليهم أن يدفعوا للباشا (الداي) عند مرور كل عشر سنوات الإتاوة المستحقة على الباستيون والتي يطلق عليها اسم نقد “الباشماق” (التي كانت تدفع أصلا كضريبة على لبس الحذاء)، وكذلك إتاوات الكتَّاب الكبار وغيرهم .

ما يُلاحَظ في بنود هذه المعاهدة، هي تلك الفقرات التي خُصِّصت لحماية الحقوق الاقتصادية والتجارية والأمنية الرافضة إلى أي شكل من أشكال التدخل المباشر في إدارة الشؤون الفرنسية في الجزائر، مما يعطي انطباعا بتخوف الداي من مطامع فرنسا ونيّاتها البعيدة، في الوقت الذي بقيت فيه المعاهدة الجزائرية الانجليزية الموقعة سنة 1824م، لا تتعدى بنودُها الشروط الخمسة حول حقوق القنصل الانجليزي في الجزائر وضرورة حمايته واحترام إطاره الديبلوماسي، في الوقت الذي كانت فيه اسبانيا تبعث برسائل في غاية اللطافة الديبلوماسية لداي الجزائر -حسين باشا- تطلب منه “حماية الصلح و”المسالمة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!