-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما بعد المحرقة

ما بعد المحرقة

يبدو أن سعير الجدل والتعاليق وزرع الفتن، خلال الأيام الأخيرة، بعد أحداث النيران التي اجتاحت الجزائر، وأتت على الأخضر و”الأخضر”، كانت أشد دمارا من المحرقة نفسها، وبدلا من التفكير في ما بعد المحرقة، بقينا فيها، نُشعل مزيدا من اللهب، حتى تخال أن بعض الناس يستمتعون وهم يلوكون أخبار الهكتارات التي أبيدت بفعل فاعل، وبعدِّ ضحايا النيران من عسكر ومدنيين، وبحكاية ابن مليانة الذي تعرَّض لجريمة قتل شنعاء، لم نعد نرى مثيلا لها إلا في أفلام الرعب وفي حكايات حروب القرون الوسطى.

إلى غاية كتابة هذه الأسطر لم نلمس فكرة لمشروع ما بعد المحرقة، التي أبادت الكثير من لوحات الطبيعة الباهرة في عنابة وقسنطينة وتيزي وزو وبجاية وسكيكدة وجيجل… بل مجرد مسكّنات، ستُنسينا الحدثَ المؤلم مع دخول فصل الخريف.. إن دخل أصلا.

ما زلنا في انتظار الفعل قبل ردِّ الفعل، ليس من طرف السلطة فقط، وإنما أيضا من المواطن، فمن غير المعقول أن تبقى مشاريعُنا مرتبطة بالكارثة، كأن نفكر في تحسين منظومتنا الصحية ومستشفياتنا بعد أن تعيث فينا الأوبئة وجعا ومآس، ونتذكر بأن ثروتنا الغابية وهي رئة البلاد الوحيدة التي تتنفس منها، ليس لها واق ولا حام، إلا بعد أن تبتلعها النيران، ويسير على نفس النهج الكثير من المواطنين تحت عنوان التضامن في كل ألم يصيب الأمة، وكان الأحسن لو يتحد الناس على احترام التباعد الاجتماعي والالتزام بالبروتوكولات الصحية مثلا، بدلا عن جمع الأموال لاقتناء مكثفات الأوكسجين، أو غرس ملايين الأشجار كما فعلت بلدانٌ إفريقية مثل غانا وإثيوبيا التي هي بصدد التأسيس لأمازون في القارة السمراء.

ما حدث في محرقة أوت كان مأساة وطنية بكل ما تعنيه الكلمة من مواجع، ويمكن القول إنها لم تختلف عن بعض أيام العشرية السوداء، فقد زرعت اليأس في أيام صيفية حارة في نفوس الجزائريين، وجعلت أيامهم سوداء، ما بين الوباء والنار، يتطلعون إلى نهاية قريبة لهذا المسلسل البائس والحزين الذي عاشته الجزائر، وأتعب الجزائريين. ليس لنا من خيار سوى التمسُّك بخيط الأمل، لأجل أيام جميلة، ولن يتحقق ذلك إلا بوحدة وتضامن حقيقي نؤسس فيه لدولة جديدة ومجتمع مدني جديد، لا يتوقف عند مباشرة زرع روح الأخوَّة بين كل الجزائريين، وإعادة الإخضرار للغابات التي أبيدت بالنار، وإنما من أجل تجاوز هذه التفاهات التي تحاول أن تفرِّق بين الجزائريين، فيزعم بعضُهم بأنه أفضل من الآخر، والانطلاق في إعادة الحياة لغاباتنا وإطلاق حظائر جديدة والعودة إلى مشروع السد الأخضر الذي يقهر التصحُّر ويحيي الصحراء ويضع الشمال في مأمن، وهو المشروع العملاق الذي قتلته الارتجالية ويمكن أن تحييه النية الصادقة والإرادة والتخطيط الدقيق، وما عدا ذلك فإننا سنكون قد تعاطينا مسكِّنا لنسيان مأساة حلت بنا، فافتقدنا العقل بعض الوقت وإن بقينا على حالنا فسنفقده كل الوقت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • sami

    يجب اعادة غرس الاشجار و وفق دراسة