-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما مِن دفين إلا وهو متألّم من “سوف”

سلطان بركاني
  • 868
  • 2
ما مِن دفين إلا وهو متألّم من “سوف”

من أكثر مواعظ الإمام ابن الجوزيّ -رحمه الله- تأثيرا في النّفوس وقرعا للقلوب، قوله في كتابه “المدهش” مخاطبا المسوّفين وما أكثرهم: “البدار البدار قبل الفوت! الحذار الحذار قبل الموت! ما في المقابر من دفين إلا وهو متألم من سوف”.. وصدق رحمه الله، فأكثر غموم الدّنيا من تأجيل الأعمال وتأخيرها حتّى تتراكم ويعسر إنجازها، وأكثر حسرات الآخرة ونداماتها من التّسويف وتأخير ما حقّه أن يعجّل من الأعمال الواجبة التي تأتي التّوبة في مقدّمها.

إنّها مصيبة من أعظم المصائب، أن يظلّ العبد يسوّف ويؤخّر ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم، وعاما بعد عام، حتّى يفجأه الموت على حين غفلة، فيرحل عن الدّنيا ويترك خلفه فوضى عارمة لن يصلحها أحد بعده؛ يترك أثرا سيّئا ومظالم لم يردّها وقلوبا كسرها وأعمالا تحصد له سيّئات جارية في قبره إلى أن تقوم السّاعة.. يضيّع صلاته ويهجر كتاب ربّه، وفي كلّ مرّة يتحرّك في قلبه الواعظ الصّامت وهو يرى موت الخلان والأقارب والجيران، لكنّه يظلّ يمنّي نفسه بالتّوبة والإصلاح، حتّى يأتيه طارق الموت على حين غرّة فيرحل عن الدّنيا بتقصيره وسوء حاله..

يعقّ والديه ويسيء معاملتهما ويفرّط في حقّهما، ويسمع المواعظ تقرع قلبه، فيتأثّر ويندم، لكنّه يظلّ يسوّف في التوبة والإصلاح، حتّى يفجأه الموت، أو يفجعه في والديه.. يقطع أرحامه ويسيء إلى جيرانه، ويعتريه النّدم من حين إلى آخر، لكنّ العزّة بالإثم والاعتزاز بالنّفس تحولان بينه وبين الاعتذار، حتّى يرحل عن الدّنيا ويترك خلفه ألسنا تدعو عليه وهو في قبره.. يستدين ويظلّ يؤخّر السّداد شهرا بعد شهر، حتى تتراكم عليه الدّيون، فيزيد الطّين بلّة بجحدها، وربّما ينساها، فلا يتذكّرها إلا في ساعة الاحتضار حين يختم على لسانه، قبل أن يسلم الرّوح ويجد نفسه محبوسا في قبره بسبب ديونه.

يفتح صفحة على الفايسبوك ويملؤها بصور النّساء والأغاني والمنشورات التي تستهزئ بالمتديّنين وتزيّن الفسوق والعصيان، ويمنّيه الشّيطان بعمر طويل يختمه بتوبة وصلاح، فيصمّ أذنيه عن نصح النّاصحين، ويظلّ مصرا على لهوه وعبثه حتّى ينزل به الموت في ساعة ما كان يخطر له على بال أنّها ستكون ساعته، فيموت ويترك خلفه أعمالا غير صالحة تدرّ عليه السيئات الجارية في قبره.. وربّما يتّخذ شلّة من أصدقاء السّوء على مواقع التواصل يقضي معهم الأوقات الطّويلة في تبادل المقاطع والصّور السّيئة، حتى يفجأه الموت فيرحل ويترك خلفه مئات الصور والمقاطع التي أرسلها وأفسد بها عشرات الشّباب، ليحشر يوم القيامة في زمرةٍ ما كان يتصوّر أن يحشر فيها، فلا يملك إلا أن يقول: ((يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا)).

إنّ الله لطيف بعباده، يحبّ لهم أن يتوبوا ويُصلحوا ويحسنوا، ويمنحهم الفرص تلو الفرص، ويتودّد إليهم بالنّعم، ويبتليهم أحيانا بالنّقم، ويبسط لهم يده بالليل والنّهار، ليرجعوا ويؤوبوا إليه، فيفرح بتوبتهم مهما طالت غربتهم ومهما كانت معاصيهم وكان تفريطهم. كيف لا وهو الذي يقول كما في الحديث القدسيّ: “يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة” (رواه الترمذي).

الله يمهل ويملي لعبده ويمنحه ما يكفي من رصيد في العمر والوقت والصحّة، ليرجع ويصلح. لكنّ العبد إذا أصرّ على إضاعة الأوقات وتفويت الفرص، فربّما يُختم على قلبه ويطبع عليه، فيصل به الأمر إلى حال يتمنّى معها التّوبة فلا يستطيع، ويتمنّى الإصلاح فلا تطاوعه نفسه! ((أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون)).. وربّما يأتيه الأجل قبل ذلك، فينتهي رصيده من الفرص، ويعاين حصاد تسويفه، ويتمنّى لو يمنح فرصة أخرى مهما كانت قصيرة؛ يتمنّى ولو ساعة واحدة يعود فيها إلى الدّنيا ليردّ المظالم، ويطلب الصّفح ممّن ظلمهم وأخذ حقوقهم، ويتوب من كلّ ذنب وكلّ معصية وكلّ تقصير. لكن هيهات هيهات!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • الجرائر الحبيبة

    اخي جزاك الله كل خيرا..وهدانا و اياكم لما يحبه و يرضاه .امين ياربي.

  • الجرائر الحبيبة

    اخي جزاك الله كل خيرا..وهدانا و اياكم لما يحبه و يرضاه .امين ياربي.