-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“ما يقرا السفيه إلا ما فيه”

“ما يقرا السفيه إلا ما فيه”

لدينا مثلٌ جزائري جميل، يردده أبناء الوطن في كل مكان يقول: “ما يقرا السفيه إلا ما فيه”، ويكمن جمال المثل أو دعونا نقول بأنها حكمة، في واقعيته وانطباقه على طبيعة الإنسان المعقد الذي لا يثق في نفسه، إذ نجد أبخلهم يصف الآخرين بالبخل، وأشرّهم يقذف الآخرين بالشر، والذي لا أصل له، يشكك في أصل الآخرين، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ”الإسقاط”.

وأثناء بعض الزمن الذي عشته في فرنسا، أخبرتني سيدة فرنسية من قلب باريس، وهي تتحدث عن الاستعمار الأمريكي للعراق، بأن اللقطاء هم من يسبّون الناس بصفة اللقيط، ضمن مثل شعبي فرنسي قديم هذا مختصر معناه.

لا أريد الخوض بالتحليل في ما قاله الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي بدأ حملته الانتخابية بوعود عن اعتراف وشيك بجرائم الاستعمار الفرنسي، فربح الكثير من الأصوات التي اقتنعت مع مرور السنوات بأنه كاذب، ثم حلّق في نهاية عهدته الرئاسية إلى فضاء اليمين المتطرف، فصار يضرب مرة ويشتم أخرى في عرين المهاجرين والجزائريين بالخصوص، لاستمالة أنصار “لوبان”، ولكننا متيقنون منذ زمن طويل بأن القاموس الفرنسي تجاه الجزائريين، لا يضمُّ في صفحاته غير الكلمات المشينة، وأيُّ قرار صارم ضد المغتربين إنما المقصود به دائما هم الجزائريون.

قرار منع النقاب في الأماكن العمومية أو الحجاب في المؤسسات والمدارس، أو تقليص عدد التأشيرات، أو غيرها من القرارات التي سبقت فيها فرنسا حتى إنجلترا والكيان الصهيوني، إنما المقصود بها الجزائريون الذين مازال بعضهم للأسف مقتنعا بأن فرنسا هي الحلم والمستقبل.

عندما احتلت الولايات المتحدة الأمريكية، العراق، في اجتياح 2003 أشار الرئيس بوش الابن إلى رسم جديد لخارطة البلاد وكتابة تاريخ جديد يختلف بالكامل عن تاريخ بلاد الرافدين، تماما كما يفعل الإسرائيليون في أرض فلسطين من تهويد لكل ما هو عربي ومسلم، وها هو الرئيس الفرنسي يؤكد بأن المستعمِر لا يكفيه قتل الناس واستنزاف خيراتهم وزرع الفتن بين أهلهم، وإنما يسعى لأجل طمس تاريخهم وتمزيق كل إلياذات الحياة التي ينبض بها.

لم تعد الخرجات الفرنسية تفاجئنا، ومن المفروض أن لا تستفزنا، فقد تكاثرت حتى صار جديدها يُنسينا سالفها، وها هو الرئيس إيمانويل ماكرون الذي وُلد بعد أربع عشرة سنة من استقلال الجزائر، وبعد قرابة قرنين من الزمن من استعمار بلاده لأرض الجزائر، يخبرنا بأن فرنسا استعمرت الفراغ، في أغرب كلمة يقولها رئيس دولة في تاريخ الإنسانية، وهو نفسه الذي قال عبر قناة “الشروق” عندما زار الجزائر في رحلة “لهث” عن منصب رئيس دولة في 2017، بأن فرنسا عليها أن تعترف بالجرائم التي ارتكبتها في حق الجزائر.

المسافة بين الجزائر وفرنسا، تزداد اتساعا وتعقيدا يوما بعد يوم، وجاء تصريح الرئيس الفرنسي ليؤكد بأننا أمام رئيس لا يختلف عن “ريني كوتي” أو “شارل دوغول”، وسياسة لا تختلف عن سياسة شارل العاشر ومن جاء بعده.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!