-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مجلس الأمن الدولي أم مجلس أمن إسرائيل؟

محمد بوالروايح
  • 1300
  • 0
مجلس الأمن الدولي أم مجلس أمن إسرائيل؟

أسِّس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ليعالج إخفاقات عصبة الأمم في حماية السلم الدولي. ويتكون هذا المجلس من خمسة عشر عضوا: خمسة منهم دائمون وهم: الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، روسيا، الصين وفرنسا، وعشرة أعضاء غير دائمين، يُنتخَبون على أساس إقليمي لمدة عامين. هذه التركيبة توحي بأن هناك شططا في توزيع الأدوار داخل مجلس الأمن الدولي، ومن هذا الشطط أن يمتلك الأعضاء الدائمون حق الفيتو، الذي يعني حق إعاقة أو منع تنفيذ أي قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي ولو حاز أغلبية الأصوات لأن العبرة داخل المجلس تمرير القرارات بالصفة وليست بالعضوية.
لقد أسِّس مجلس الأمن الدولي على مقاس الدول الكبرى، فهي صاحبة النفوذ وإليها يرجع الأمر في تمرير أو تعطيل أي قرار. وتستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية من بين الأعضاء الدائمين –حسب موقع الجزيرة نت- على نصيب الأسد في منع كثير من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن الدولي وخاصة ما يحمل إدانة لإسرائيل، فمن مجموع مائتين وستين مرة لجأت فيها الدول الكبرى إلى استخدام حق الفيتو، كان نصيب الولايات المتحدة الأمريكية منها مائة وأربعة عشر مرة، منها ثمانون مرّة لمنع إدانة حليفتها إسرائيل وأربعة وثلاثون مرة ضد قوانين مسانِدة لحق الشعب الفلسطيني.
لقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق الفيتو قبل سنوات لمنع إدانة الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان واحتلال مرتفعات الجولان، واستخدمت حق الفيتو لإجهاض لائحة تقدمت بها روسيا تدين الأعمال الوحشية لإسرائيل في غزة وتدعو إلى الوقف الفوري لإطلاق النار وفسح المجال للتسوية السياسية والمساعدات الإنسانية. واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق الفيتو ضد لائحة تقدَّمت بها الجزائر إلى مجلس الأمن الدولي من أجل الوقف الفوري للعدوان الإسرائيلي على غزة وذلك رغم أن اللائحة قد حازت تأييدا واسعا من المجموعة العربية في مجلس الأمن الدولي وبعض الأعضاء الآخرين خارج المجموعة العربية، التي وصفت الفيتو الأمريكي بأنه تحيز واضح لإسرائيل ومباركة أمريكية للاحتلال الصهيوني وعمليات الإبادة الجماعية التي يرتكبها في غزة منذ أربعة أشهر أو تزيد.
الفيتو الأمريكي ضد القرارات التي تدين الأعمال غير الإنسانية للكيان الصهيوني ضد المدنيين العزل في غزة وما حولها وفي الضفة الغربية، لا يحمل إلا تفسيرا واحدا وهو أن إسرائيل هي القاعدة الأمامية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وأن الفيتو الأمريكي هو استجابة لضغوط اللوبي الصهيوني الذي يؤدّي دورا كبيرا في توجيه السياسة الأمريكية.
لقد أبدى الرئيس الأمريكي جو بايدن عند انتخابه وحتى قبل انتخابه في أثناء الحملة الانتخابية لرئاسيات 2020 موقفه الداعم لما سماه “حق إسرائيل في الدفاع نفسها”، وحقها في أن تبقى القدس عاصمة لها وغير قابلة للتقسيم ومتاحة لأتباع كل الديانات. وأبدى في المقابل وعلى استحياء رفضه لعمليات الاستيطان التي ازدادت بوتيرة غير مسبوقة في عهدته الرئاسية.

تستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية على نصيب الأسد في منع كثير من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن الدولي وخاصة ما يحمل إدانة لإسرائيل، فمن مجموع مائتين وستين مرة لجأت فيها الدول الكبرى إلى استخدام حق الفيتو، كان نصيب الولايات المتحدة الأمريكية منها مائة وأربعة عشر مرة، منها ثمانون مرّة لمنع إدانة حليفتها إسرائيل وأربعة وثلاثون مرة ضد قوانين مسانِدة لحق الشعب الفلسطيني.

يحقُّ لأي محلل سياسي أن يسأل: هل وُجد مجلس الأمن الدولي لحماية الأمن الدولي، أم لحماية إسرائيل؟ والجواب أنه وُجد في الأصل لفضِّ النزاعات الدولية وردع الممارسات غير الديمقراطية وغير الإنسانية وتعزيز السِّلم الدولي، ولكنه تحول في ظل الاستخدام المفرط لـ”حقّ” الفيتو من قِبل الدول دائمة العضوية بصفة عامة ومن الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة، إلى هيئة دولية تهيمن عليها وتؤثر في قراراتها الولاياتُ المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة اللتان تتحملان الوزر الأكبر في اتِّساع رقعة العدوان الصهيوني في غزة ولبنان بما يهدد الأمن والسلم الدوليين وبما يعطي للكيان الصهيوني صكا على بياض للاستمرار في عدوانه الغاشم على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
إن استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحق الفيتو ضد اللائحة التي تقدّمت بها الجزائر من أجل وقف العدوان الصهيوني على غزة، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن سياسة التدمير والتجويع والتهجير التي يمارسها نظام نتنياهو إنما هي بمساندة أمريكية، فلولا هذه المساندة لما تجرَّأ نتنياهو على شيء ولما أصرّ على مواصلة الحرب التي تكشف في كل فصل من فصولها عن زيادة كبيرة في أعداد جنوده القتلى وآلياته العسكرية المدمَّرة. فما سرّ هذه العلاقة الحميمية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟
هذا السر يكشف عنه تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في 30 يناير 2020 إذ جاء فيه ما نصه: “كانت الولايات المتحدة أول من اعترف بإسرائيل كدولة عندما أعلنت استقلالها في العام 1948، وقد بُنيت الشراكة الثنائية المستمرة منذ 75 عاما على المصالح المتبادلة والقيم الديمقراطية المشتركة منذ قيام دولة إسرائيل، ويتحد الأمريكيون والإسرائيليون في التزامهم بالديمقراطية والازدهار الاقتصادي والأمن الإقليمي”.
يتضمن هذا التقرير مغالطاتٍ تاريخية كثيرة، ومن هذه المغالطات الاعتراف الأمريكي بما يسمى “دولة إسرائيل” وإعلان استقلالها في 1948، فهذا الاعتراف وهذا الإعلان يناقض الحقيقة التاريخية وهي أن إسرائيل كيانٌ استيطاني انتقل من الحلولية العقائدية إلى الاحتلال وأقام “دولة يهودية” في أرض فلسطينية بشهادة التاريخ والجغرافيا.
ومن هذه المغالطات التنصيص على التزام الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالديمقراطية والازدهار الاقتصادي والأمن الإقليمي، فأين هذه الديمقراطية المزعومة من حفظ كرامة الفلسطينيين والاعتراف بحقوقهم المشروعة؟ وأين هذه الديمقراطية المزعومة من وقف آلة الاستيطان الصهيوني في فلسطين ومنع العنصرية ووقف سياسة الكيل بمكيالين والتحيز الأمريكي الصارخ إلى إسرائيل؟.
ألم يأنِ للولايات المتحدة الأمريكية أن تصغي للنداءات الدولية المتكررة لحمل إسرائيل على وقف عدوانها على غزة ووقف عمليات التدمير والتهجير التي جعلت الفلسطينيين شعبا لاجئا داخل وطنه، يستجدون المنظمات الدولية ويستصرخون ويستغيثون فلا صريخ ولا مغيث؟ ألم يأنِ للولايات المتحدة الأمريكية أن تصغي لنداءات الاستغاثة التي تنطلق من حناجر الفلسطينيين تحت الأنقاض؟ ألم يأن للولايات المتحدة الأمريكية أن توقف دعمها للكيان الصهيوني الذي أضر في مراحل تاريخية سابقة بسمعتها ويستمرّ بالإضرار بها إلى يوم الناس هذا؟ ألم يأن للولايات المتحدة الأمريكية أن تضمَّ جهودها إلى جهود المجتمع الدولي من أجل حماية الأمن الدولي وليس حماية أمن إسرائيل؟.
ألم يأنِ للولايات المتحدة الأمريكية أن تدرك بأن استمرارها في دعم الكيان الصهيوني المعزول والمنبوذ دوليا، يساهم بشكل كبير في اهتزاز مكانتها الدولية واستمرار حالة الاستقرار في الشرق الأوسط وفقدان كثير من حلفائها في المنطقة؟ ألم يأن للولايات المتحدة الأمريكية أن تقتنع بأن دفاعها عن إسرائيل هو مباركة للاحتلال ودفاع عن كيان مستبد آيل للزوال؟
ألم يأن للولايات المتحدة الأمريكية أن توقن بأن حرصها على تكريس مبادئ الحرية في العالم يتنافى مع حرصها على حماية كيان مغتصب سالب للحريات لا يتحقق فيه الحد الأدنى من الحرية؟. كيان تستهويه مناظر الدماء والأشلاء ويباهي بامتلاكه الجيش الأكثر أخلاقية! الذي يقتل على الهوية ولا يفرِّق بين المحارب والقائم في المحراب وبين المقاتل والمدني الأعزل؟.
إن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أكبر من مجرد علاقة بين دولة وكيان وأكبر من الزمان والمكان، وهذا ما عبّر عنه بايدن في 2013 عندما كان نائبا للرئيس باراك أوباما في لقائه بمنظمة يهودية: “لو لم تكن هناك دولة إسرائيل، لكان علينا أن نخترعها للتأكد من حماية مصالحنا”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!