-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مذكرات الشيخ جمال الدين ميهوبي.. نموذج مؤتلق في العصامية

مذكرات الشيخ جمال الدين ميهوبي.. نموذج مؤتلق في العصامية

سمتان اثنتان دُرّيتان ساطعتان يقف عليهما من أحسن النظر وجمعه في مذكرات الشيخ جمال الدين ميهوبي، أطال الله أنفاسه الزكية، وهما: التواضع ويليه نكران الذات. وهاتان السمتان الفاضلتان قلّما تجتمعان في الناس؛ لأنهما من السمات العظمى التي لا تظهر إلا في طبائع الرجال الكبار، فلما تبارت بعض الأقلام بحثا عن مكان للإناخة في سفْر مذكراته، أخلى أمامها السبيل رحيبا فسيحا، ومنح لها صدارة التقدُّم، وفرض على نفسه التأخر والتمهل لنثر سطور مقدمته، هذا من جانب أول. ومن جانب ثان، خنق في نفسه أنفاس الأنا ونبضات التمركز حول الذات، وقهرهما ورفض سيطرتهما، وسخر مساحة شاسعة من صفحات الكتاب للحديث عن غيره من الرجال الذين تعرف عليهم، وتعرفوا عليه، وعاشرهم في أيام الثورة، أو زاملهم في العمل بعد الاستقلال. ووقف في موقف من أحس أن ديْنا معنويا ثقيلا محمولا على عاتقه وجب عليه رده وتسديده.

ولعل الأمر يفرض، في الإشارة الأولى السابقة، المجيء خلفه إجلالا لمكانته، وتوقيرا لعطائه الفريد ولجهاده المتكامل النضيد، واحتراما لعبقريته المدهشة التي بناها على أوتاد عصامية عصماء.

في نظري، لا يحتاج الشيخ جمال الدين ميهوبي إلى من يقدِّمه إلى القراء من خلال كتابه، ولو قدم ذلك من أصفيائه، أو أوتي من أقرب المقربين إليه بكلمات تفيض ولا تغيض، وعُدّ من باب بر الأنجال بالوالدين والإحسان لهما. ولو قبل تجويز هذا الفعل طالما أن موضوع الكتاب لم يغلق على جانب المذكرات فقط، وإنما توسع ليشمل الشهادات والإسهامات أيضا، فإن السبق.

والأولوية لا يمكن أن يسحبا من مستحقه الأول بصورة فيها تجاوز للحدود وتخط للمدى. أوليس من الإجحاف والشطط غير المبررين أن يصل الأمر إلى حد البسط المفرط والمسرف لجوانب متعددة من سيرته بسطا ملما فيه تفصيل وإطالة قبل أن يسردها هو بنفسه؟.

قد لا تنفع قراءة مذكرات الشيخ جمال الدين ميهوبي من جايلوه وعاصروه وأولئك الذين زاملوه أو صادقوه أو تعرفوا عليه إلا في تذكيرهم، وفي إيقاظ الصور النائمة في مخيلاتهم ومعانقتها من جديد. ولكن معاني سطورها ومغازي فقراتها ستعود بالفائدة على الأجيال الصاعدة حتى تتأسَّى به، وتُقطف منها الدروس التي لا تضاهى، وتُعصر من عناقيدها عصائر العظات المرشدة التي لا تدانى.

جاب خاطري سؤالٌ حاولت الاجتهاد لجمع أشتات إجابته، فخبت ولم أفلح. وهو سؤالٌ مذهل ومحير، ولا أراه مجانبا للصواب والسلامة، ولا أخال الشيخ جمال الدين الثاني نفسه يستطيع أن يقابله برد مقنع ولو أخذ ضغثا مجموعا بكفه من نباهة الشيخ جمال الدين الأفغاني الذي قاسمه اسمه. وإن فعل، فلن تكون محاولته إلا من باب الاجتهاد الذي يصعب تجريده من غلبة الظنون وسيادتها، ومؤدى هذا السؤال: كيف فاته الكرع من المعين العلمي لوالده المربي الشيخ محمد الدراجي (1906ـ 1963م) الذي قضى عمره معلما مشهودا له، ولم يتوقف عن التطواف والتنقل بين عدة مدارس؟. ففي الأوراس الأوسط جلس يعلّم الصبيان في مدرسة قرية “إينوغيسن”، وواصل رسالته التربوية الشريفة في زاوية “آيث عزة” الواقعة في “الحجاج” قريبا من مدينة أريس. وقد ترك بصمته بارزة في المكانين إلى درجة أن بعض العائلات سمَّت أبناءها ممن ولدوا في فترة إقامته بينهم باسمه تيمنا به وحبا فيه.
ولقد أحسست أن شيئا من الحسرة الخفية واللوم والعتاب الرقيقين نبعا من صاحب المذكرات عندما يتوقف عند هذه النقطة، ويفردها بشبه عنوان هو: “لم أدخل مدرسة يوما”، ويكتب تحته بعبارات تأكيدية واضحة ما يلي: (رغم اهتمام والدي البالغ وحرصه الشديد على أن أكون حافظا لكتاب الله، إلا أنه لم يُعرني أي اهتمام بخصوص التحاقي بالمدرسة لاكتساب العلم والمعرفة. وأتذكر جيدا بأني لم أعرف دخول المدرسة الجزائرية لا قبل الثورة ولا بعدها، باستثناء أسبوع واحد حضرت خلاله حلقات الدروس اليومية في المسجد في قرية “الحجاج”. وتمكنت خلال هذا الأسبوع من معرفة أحكام الطهارة مثل فرائض الوضوء وسننه ومستحباته، وكيفية الغسل. وبعد انقضاء الأسبوع أمرني بالذهاب إلى العين الخضراء مسقط الرأس للاشتغال بالفلاحة. كما سارع في تزويجي وأنا لم أكد أتجاوز تسعة عشر عاما. وأذكر هنا أن ممن كان يحضر دروس الوالد معلم القرآن الشيخ مبارك غرابي الذي كان ينتظم مع الطلبة رغم كبر سنه، وكذلك جدي محمد المبارك الذي كان هو الآخر ملتزما حضور هذه الدروس خاصة ما كان منها في الفقه). (ص: 59). وعندما يذكر شيخه في الكتاب القرآني الأول وجده اللذين استفادا من دروس والده، فكأنَّما يريد أن يلغي حجة تقدُّمه في العمر التي يمكن أن يُتحجَّج بها، ويُبطلها.

يبدو أن الشعور المخزَّن في أحاسيس الشيخ جمال الدين قد ألقى ظلاله على سردياته، وفرض عليه التمرد على المألوف، وجعله يتحاشى تقسيم مسيرته الحياتية إلى أطوار وتجزئتها إلى مراحل. ونظر إليها نظرة العدَّاء المتمرن على قطع المسافات الطويلة بلا توقف أو تراجع. ورأى أن جعل من طفولته وشبابه وكهولته وشيخوخته خليطا ممزوجا ومتجانسا. وبذلك، يكون قد منح الحياة معنى مخالفا للمعتاد. ولا استبعد أن تكون هذه النظرة الفلسفية هي واحدة من أجل عناصر نبوغه العصامي المتفوّق.

ولّد الحرمان من التعلم المبكر رغبة ملحّة للتوجُّه نحو التعلُّم الذاتي والاعتماد الكلي على القدرات الخاصة في نفس الشيخ جمال الدين، وجعل منهما منهجا استدراكيا وتعويضيا. وأظهر إصرارا فريدا تحركه إرادة فولاذية انطلق معها من درجة الصفر تقريبا. ولم يقف تقدمه في العمر قليلا سدا مانعا للتحصيل المعرفي. وعجزت قساوة الأيام أن تنتصب عائقا آخر في طريقه وإن أحدثت انعطافة شديدة في حياته؛ فقد توفي والده في مطلع الاستقلال، وأورثه الفقر ومسؤولية إعالة عائلة متكونة من ستة عشر نفرا. وعندما تطرق إلى هذه الفترة من حياته تكلم عن الرزيّة القاصمة التي أصابته بمرارة وغُصة وحسرة. ومع ذلك، كان كلما تقدم درجة تاقت نفسه إلى درجة أخرى أعلى. وراح يعتلي المناصب، فمن الإمامة في مسجد منعزل نائي إلى العمل الإداري، حتى وصل منصب مدير الشؤون الدينية بعدة ولايات، هي: سطيف والمسيلة وبسكرة. وقد نجح في مسعاه، وبلغ مراده، ونال مبتغاه؛ لأنه كان طالب علم ولم يكن طالب شهادات ودرجات ولو جاءت عن طريق التزوير والسرقة. وهذه ملحوظة معتبرة ومصرومة من مذكراته قد تنفع طلابنا وطالباتنا.

لم يسترسل الشيخ جمال الدين في تعقب مراحل رحلة الحياتية رغم ثرائها، ولم يغرق في تفاصيلها ودقائقها، واقتنع بأن يجمعها في ست وعشرين صفحة ونصف صفحة فقط. بينما أفرد عددا أكثر من الصفحات يزيد عن مائة صفحة للحديث عن الشهداء والمجاهدين.

بفضل المرونة والتكيفية الطابعتين لشخصية الشيخ جمال الدين ميهوبي، فقد استطاع أن يوسع من عقد شبكة صداقاته التي لم تتوقف عن المزيد، وشملت أفرادا من أعمار شتى. وبذلك منح لمفهوم “تواصل الأجيال” معناه العملي، ولم يُبقه في خانة الشعارات الرمزية الجوفاء والمجردة من كل دلالة. وهذه إشارة نقرأ فيها تدعيما لما لمحنا إليه سابقا.

أجمعت الشهادات القليلة التي تذيِّل بها الكتاب على الثناء الجميل على أخلاق الشيخ جمال الدين ميهوبي. وذكرت بأعماله الجليلة في سبيل نشر الخير والصلاح، ودوره الاجتماعي في كل الأماكن التي حل بها في سبيل إصلاح ذات البين والجمع بين الناس، ومحاربة الفرقة والخلاف، وتشييد وإعمار بيوت الله. وإذ نهنِّئه على عطائه، فإننا نُكبر فيه بذله في الاجتهاد والجهاد الذي لا يدانى ولا يقارَب مع نفسه التواقة، أولا، وفي سبيل وطنه وأبناء وطنه، ثانيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عقبة

    على مااعتقد فإن هذا الرجل يكون والد الوزير السابق عز الدين ميهوبي