-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مذنبون لأنهم قومٌ يتطهّرون

عمار يزلي
  • 1195
  • 0
مذنبون لأنهم قومٌ يتطهّرون

“تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين”.. عندما ردد الفيلسوف البريطاني “جان ستيوارت ميل” وقبله المفكر الفرنسي مونتسكيو، وغيرهم كثير ممن انخرطوا في هذا المنطق بشأن حرية الفرد والجماعة، ومنهم فولتير، وهم من عصر الأنوار المبشِّرين بالليبيرالية الرأسمالية والعلمانية، ورغم معارضتهم للنظام الكنسي، فإنهم لم يكونوا يتصورون لا هم ولا “هوبز” ولا حتى ديدرو” المجاهر بإلحاده، أن يأتي يوم تتنكر فيه العلمانية التي تأسست على روح الحرية الفردية تجاه الاكراهات الكنسية ونظام الإكليروس المتحالف مع الاقطاعية الملكية خلال القرن الخامس عشر إلى السابع عشر.

لم يكن فولتير مثلا صاحب مقولة: “أختلف معك ولكني على استعداد لأموت من أجل حقك في التعبير عن رأيك”، يتصور يوما أن الفكر الذي أسِّست على أساسه فلسفة عصر الأنوار، سيتحول إلى نقيضه وإلى موقف انتقائي: تصبح الحرية الفردية خاصة بالإنسان “المتحضِّر” الغربي، تماما مثل ما قيل عن حرية الجزائريين خلال الاحتلال، عندما دافع أحد كبار الساسة الفرنسيين عن أن قانون العدالة والحريات لا يُطبَّق إلا على الفرنسيين وحدهم. بما يعني أن كل من ليس من جلدة المستعمِر والكبار، لا يجوز لهم الانتفاعُ بثمار الثورة الفرنسية، وأن حقوق الانسان تعني ضمنيا حقوق الإنسان الغربي لا “الوضيع” الموضوع حتى الوصاية أو الاحتلال.

بذلك، يكون فلاسفة عصر الأنوار قد أطفأوا شعلتهم في تنوير عصر الظلمات الاقطاعية وما قبلها في عهد القرون الوسطى.

نأتي على ذكر هذا والتذكير به، إزاء الحملات المريعة التي ينتهجها الغرب بشكل عامّ تجاه كل من لا يدخل في فلكهم. بدأ هذا بالاستعمار ولكنه يمضي قدُما في في خضم التحولات العالمية الرامية إلى إخضاع العالم غير الغربيِّ شرقا وغربا وجنوبا، إلى قانون الفوقية واليد العليا التي ترث وتُورِّث بالقوة وتنشر بالتهديد والوعيد عبر القوانين التي تسطِّرها دوائرها الداخلية وحتى الدولية، لوسم الآخرين بخرق حقوق الأقلّيات والأفراد والإنسان.

هذا الأمر كان فيما يبدو شبه مسكوتٍ عنه حتى لا نقول متواطئا بشأنه بين القوى العظمى، لكن الشرخ الذي حدث مؤخرا بين الشرق والغرب في بؤرة أوكرانيا، ومن ثمة تعميم جغرافيته نحو القوى الناهضة في الشرق الأقصى والأدنى من الصين وإلى الهند وباكستان وإلى إيران وتركيا وبلدان المحور الروسي الحالي، إضافة إلى دول عربية وإسلامية، التي لن تقبل بالمساس بحرياتها الفردية والجماعية وبازدراء دينها ومعتقداتها. “الحرية واحدة” وليس “الحب واحد”، كما يدّعي عتاة ودعاة الشذوذ ورجس الخبث والخبائث وعبدة الشيطان وزمرة حلف الفسوق والفجور والعصيان الذي يراد له أن يُفرَض على كل المجتمعات الدينية حتى ولو كانت غير متدينة.

الهجمة الشرسة تطال كل المجتمعات المحافظة، مسيحية كانت أم إسلامية وحتى يهودية، لتغرس فيها بقوة النفاق العالمي ونصوص القوانين المفصلة على مقاسهم الخاص والمؤولة بالطريقة التي تناسب ميولهم التحرُّرية اللادينية محاوِلة تحويلهها إلى “دين من لادين لهم” والذين صاروا يمثلون في أمريكا أكثر من نصف الأمريكيين وفي بريطانيا النصف وفي فرنسا نحو تسعين في المائة.

هذا الخوف من صعود الدين الاسلامي في الغرب ليصبح الثاني بعد المسيحية وقد يصبح الأول قبل نهاية هذا القرن، هو سرُّ مجابهة تمدد الدين في الشرق مع المسيحية الأورثودوكسية، ومع الاسلام، عبر “دين اللا دين” الممجِّد للشذوذ والرذيلة والتحرر الأعمى المدمِّر للأخلاق التي هي أصلُ وفصل كل الأمم وكل الحضارات البائدة التي لنا في ماحدث لها أحسن مثال ودليل.. وعبرة لمن يعتبر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!