-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مراجعة نظام امتحان البكالوريا بين الحقائق والشبهات

عبد القادر فضيل
  • 6361
  • 13
مراجعة نظام امتحان البكالوريا بين الحقائق والشبهات
ح. م

يتوجه اهتمام وزارة التربية هذه الأيام إلى مراجعة نظام البكالوريا وإصلاح أساليب تطبيقه.

إن هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي كنا ننتظر منذ مدة طويلة أن يتجه إليها الإصلاح ويستهدفها التغير وفق الغاية التي نرجوها من الامتحان، وكان الأمل أن تكون جهود الإصلاح التي نادت بها الوزارة منذ بداية الألفية الثالثة، كان الأمل أن تكون هذه الجهود مطورة لهذا النظام ومحققة لأهدافه، ولكن إجراءات التغيير التي تمت في السابق لم تتجه إلى معالجة نظام الامتحان، وبقيت الأوضاع على حالها.

اليوم تفكر الوزارة في تخصيص جانب من عمليات الإصلاح لهذا النظام، ولكن ما تفكر فيه الوزارة لا يتجه إلى مراجعة الأسس والقواعد التي يجب أن تراعى في تنظيمه وإنما تتجه إلى أمور أخرى لا تفيد عملية المراجعة، فما تفكر فيه الوزارة وتطرحه للمعالجة محصور في أمرين اثنين: 

الأمر الأول: في تقليص عدد الأيام التي يجرى فيها الامتحان، والأمر الثاني في إلغاء بعض المواد المقررة من قائمة المواد التي يجرى فيها الامتحان.

وهذا الإلغاء يختصر عدد المواد، لأنه يوجه النظام إلى الاكتفاء ببعض المواد العلمية والأدبية والاستغناء عن المواد المكونة لشخصية المتعلم والمجذرة لأصول الهوية والانتماء الحضاري، بحيث يسعى الاقتراح إلى إلغاء الاختبار في التاريخ والتربية الإسلامية من مواد الامتحان لبعض الشعب وهي الشعب العلمية، وتدرج المادتان: التاريخ والتربية الإسلامية على أساس الاختيار بينهما في الشعب الأخرى، وهذا الاقتراح الذي تخطط له الوزارة لا يستند إلى المنطق، ولا يقبله العقل السليم ولا ينسجم مع أهداف السياسة التعليمية الوطنية.

 لأن الغاية من الامتحان في أي نظام هو قياس مستوى التحصيل المعرفي في المواد كلها وبخاصة في المواد التي لها صلة ببناء شخصية المتعلم (المواطن الذي تريده الأمة).

فالامتحان يقيس مستوى التحصيل في المواد التي تخدم الجانب الفكري والتكوين العلمي من جهة، ويقيس مستوى التحصيل في المواد الموجهة لبناء الشخصية وتهذيب المشاعر وتقوية ارتباط الفرد بأصوله الثقافية من جهة أخرى ولا يجوز أن نضحي بجانب من هذه الجوانب على أي أساس.

والهدف الذي يقصد من وراء تقليص الأيام وإلغاء بعض المواد غائب، لا تريد الوزارة التصريح به، ولكن يمكن استنتاجه من سياسة التهميش المتبعة في التعامل مع هذه المواد سواء في مجال الوعاء الزمني المخصص لتدريسها أو في مجال تحديد المعامل الذي تعامل به في الاختبارات الفصلية.

وفي هذا السياق نلمح فكرة غريبة يجرى التحضير لها والتخطيط لتنفيذها ولا تريد الوزارة المجاهرة بها، هذه الفكرة هي جعل اللغة الفرنسية تسترجع وظيفتها الأساسية في تدريس المواد العلمية في التعليم الثانوي.

وهي الفكرة التي يجرى الحديث عنها في المستوى السري ولا نستبعد اهتمام الوزارة بالإقدام عليها قريبا.

وبالعودة إلى التعليق على نظام امتحان البكالوريا نقول: إن الامتحان في أي نظام (في النظام التعليمي) هو الصيغة التربوية المرافقة لسير التعليم والمقيمة لجهوده ونتائجه، وهو الأداة التي يعتمدها النظام في قياس مستوى المعلومات التي حققتها الجهود وتبيان مظاهر النجاح والإخفاق في الجوانب التعليمية التي يتجه إليها القياس في المرحلة التي يشملها الامتحان، ونظرا لأهمية هذا الامتحان الذي يتوج جهود اثني عشر عاما في العمل التربوي، فإن مراجعته تتطلب جهودا فكرية وتنظيمية تعالج الأسس التي يقوم عليها والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها ويضبط نوع الأسئلة التي تقود إلى النتائج المتطلع إليها.

وأهم نقطة يجب الانطلاق منها في هذه المراجعة هي تحديد الأهداف وكيفية اختيار الأسئلة الملائمة للأهداف واختيار الأسلوب الذي يراعى في صوغ الأسئلة وفي ضبط الهدف من كل سؤال، وفي هذا الإطار ينبغي ترتيب المعلومات التي تتجه إليها الأسئلة على أن تتنوع وتتعدد، بحيث تعطي معظم المعلومات التي تلقاها الطالب في السنوات الثلاث، وهي الفترة التي نوّد أن نقيس نتائجها لأن نتائجها الإيجابية هي التي توصل الطالب إلى نيل البكالوريا، وينبغي أن لا تقتصر الأسئلة على قياس ما قُدّم في السنة الأخيرة لأن الاهتمام الذي يركز عليه الامتحان له جوانب مختلفة، وهذه الجوانب لا تظهرها الدروس التي قدمت في السنة الأخيرة فقط.

هذا ما يتعلق بالامتحان أما تحديد الوعاء الزمني الذي يجرى فيه الامتحان فيجب أن يكون وعاء ملائما للغاية من الامتحان وللأهداف المتعددة، وهذا يتطلب أن تكون أيام الامتحان أكثر من خمسة أيام لأننا نقترح أن تخصص فترات الصباح لإجراء الامتحان وتترك فترات المساء للمراجعة والتهيؤ للامتحانات، وهذا إجراء يجري التعامل به في بعض المدارس.

أما الهدف من الامتحان فيجب أن يشمل إرادة التأكد من استيعاب أهم المعلومات وقياس القدرة على التحليل والاستدلال والتفكير، وليس الاكتفاء بقياس القدرة على التذكر والحفظ والاستيعاب.

وصوغ السؤال جانب مهم في مسألة الامتحان لأنه هو الذي يدفع التلميذ إلى التفكير ويجنبه اللجوء إلى الحفظ أو الإجابة العشوائية، لذا ينبغي أن نختار السؤال الذي يدفع التلميذ إلى تذكر المفاهيم وأسلوب معالجة المفهوم، وتذكر السياق الذي يدعو إليه مضمون السؤال لتكوين المعلومات التي تتضمنها الإجابة متكاملة ومترابطة وتحمل جانبا من الصدق.

 

ما يجب التنبيه إليه

ومما يجب ذكره تعليقا على ما تخطط له الوزارة في موضوع مراجعة امتحان البكالوريا وفي مجال تغيير لغة التدريس في المرحلة الثانوية تلك الفكرة التي بدأت الأخبار تنشرها، وانطلق الحديث عنها في المجال السري وأخذنا نتبع المحاورات الغامضة التي جعلت الوزارة تتحرك من أجل إقناع المسؤولين في الدولة وفي الحكومة بتنفيذه.

فمما يجب ذكره والتنبيه إليه هو تنبيه المسؤولين في كل مستويات الدولة إلى خطورة السكوت عن هذا الأمر، لأنه مخالف للقوانين التي تُسيّر جهات التربية وخرق صريح لنص الدستور، وانتهاك فاضح لمقومات الأمة وتعد صارخ على السياسة الوطنية في مجال التربية السياسية التي حظيت بإجماع واسع على المستوى الوطني وهيئاته، لهذا نوجه نداءنا للمسؤولين وكل الممثلين لهيئات الدولة وهيئات الأمة وكل من له صلة بقضايا التربية نوجه نداءنا إليهم، ندعوهم إلى التنبيه إلى هذا الأمر الخطير الذي يعد من يأمر به من فئة الناس الذين يعيشون غربة في تفكيرهم وفي ثقافتهم عن المجتمع الذي ينتمون إليه، وبأنه من الذين فقدوا الإحساس بالرابط الانتمائي إلى الأمة، إننا ننبه المسؤولين وندعوهم إلى تحديد موقفهم من هذا الذي تتجه إليه اهتمام الوزارة، حتى لا تبقى الأمور الرسمية خاضعة للاجتهاد واعتماد الآراء الخاصة التي تتناقض مع إرادة الأمة وتتعارض مع المنطق لأن الإقدام على مثل هذا الإجراء يضرب المنظومة التربوية في صميمها ويهدم البناء السياسي لنظام التربية من أساسه، وللملاحظ الحق في أن يتساءل ويعلق على موقف الوزيرة ويقول إن الوزيرة تعد طرفا في الحكومة، وقد جيء بها لتمارس مسؤولية الإشراف على تسيير أمور التربية ومسؤوليتها ترفعها إلى التفكير في البحث عن الأساليب التي تطور القطاع، لذا فما تفكر فيه جانب من ممارسة هذه المسؤولية ولها الحق في ذلك.

وهنا نسمع نقاشا بين المعلقين مفاده الإشادة بشخصية الوزيرة وبآدائها وثقتها بنفسها، ولكن هذا لا يتيح لها أن تقرر ما تقتنع به دون أن يكون ذلك موافقا لما تريده الأمة ومستخلصا من آراء المربين، لأن التربية سياسة أمة وليست سياسة قطاع ومسؤولية دولة بكامل هيئاتها وليس مسؤولية وزير وحده.

نوجه نداءنا للمسؤولين وكل الممثلين لهيئات الدولة وهيئات الأمة وكل من له صلة بقضايا التربية نوجه نداءنا إليهم، ندعوهم إلى التنبيه إلى هذا الأمر الخطير الذي يعد من يأمر به من فئة الناس الذين يعيشون غربة في تفكيرهم وفي ثقافتهم عن المجتمع الذي ينتمون إليه، وبأنه من الذين فقدوا الإحساس بالرابط الانتمائي إلى الأمة، إننا ننبه المسؤولين وندعوهم إلى تحديد موقفهم من هذا الذي تتجه إليه اهتمام الوزارة

ولكن التحليل الذي يعطيه بعض المناقشين لمواقف الوزيرة وإصرارها على تنفيذ ما تقرره يطرح جانبا آخر من التحليل ويوضح ما تتمتع به الوزيرة من شخصية قوية (شخصية امرأة معتدة بنفسها) يرجع إلى أنها جاءت لهذا القطاع لتؤدي رسالة معينة وهي تؤمن بها.

وهذه الرسالة هي المحافظة على شخصية المدرسة التي بدأت تفقدها وتسعى إلى تطوير أدائها وإرجاع المستوى الذي كانت تتمتع به في السنوات الأولى للاستقلال، وتتم هذه المحافظة بالعمل الجاد على انتقاء أساليب العصرنة وعلى جعل النظام المدرسي يسترجع ما كان عليه في السنوات الأولى في مجال مستوى الأداء وفي مجال اللغة التي نعتمد في التدريس، وهو مضمون الفلسفة التي تطبع سلوك من اختاروا هذه الوزيرة واقترحوها على الحكومة لتتولى إنقاذ المدرسة مما وصلت إليه، وهم الآن يساندونها ويؤيدون مواقفها لمن يحاول إزاحتها عن وظيفتها، حتى ولو لم يظهروا للعيان، وهذا هو السبب الذي جعلها قوية في مواقفها شجاعة في آرائها وجعلها لا تتراجع عما تفكر فيه وتقتنع به، لأن وراءها من يسندها ويقف إلى جانبها ويقدم لها الأفكار التي تدافع بها عن مواقفها والمسوغات التي تبرر بها ما تدعو إليه.

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • ولد نوفمبر

    تابع,,,,
    التي ما فتئت تعاني منها منذ عدة سنوات خلت

    راجع الأبحاث التي قام بها المعهد الوطني للبحث في التربية في هذا الشأن خلال الفترة 1998 ــ 2007
    والملتقيات الجهوية التي نظمت حول التقويم والتوجيه المدرسي والمهني.

  • ولد نوفمبر

    "ونظرا لأهمية هذا الامتحان الذي يتوج جهود اثني عشر عاما في العمل التربوي، فإن مراجعته تتطلب جهودا فكرية وتنظيمية تعالج الأسس التي يقوم عليها والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها ويضبط نوع الأسئلة التي تقود إلى النتائج المتطلع إليها."
    بالفعل لأن أسئلة إمتحان شهادة البكالوريا وغيرها من الإختبارات ثبت بالفحص والتحليل أنها عينة غير ممثلة للمقررات التي يدرسها التلاميذ "جزئية" بالإضافة إلى اختلالات الصياغة السليمة ونماذج الإجوبة وسلالم التنقيط و أخطاء المحتوى التي ما فتئت تعاني منها منذ

  • ابن الجنوب

    المسؤولين على كل المستويات وأعني بالمسؤولين من يتلقون الأوامرمن فافا(العكري)مباشرةوليس ممن يتلقون الأوامرمن المسؤولين في حكومةالجيل الثاني كلهم على درايةمنذ1962إلى يومناهذابأن الجزائرمستقلةفي الهدرة(الكلام)فقط أماالأفعال فلافالتعليم يجب أن يبقى أسيرالفرنكو-مسلمين-شيوعيين بمعنى المدرس يبقى مهرس تحت مهراس المديرخريج جماعةلاكوست والبرامج يجب أن تبقى تدورحول لاشيء التلميذيدرس كل أطوارالتكوين القاعدي بالعربيةثم تنصب له الكمائن في التعليم الجامعي ويتم إصطياده بتدريسه بالفرنسية لينقلبواعلى العربيةبعدئذ

  • ولد نوفمبر

    كلام سي فوضيل في الصميم وواضح شكرا

  • ولد نوفمبر

    الحلول يجب أن تكزن مجربة في أنظمة تربوية نموجية أو من خلال دراسات امبريقية وليست مجرد كلام لأن ارتجال التجريب على التلاميذ خطير وجريمة لا تغتفر في حقهم لأتها متعلقة بمصيرهم.

  • مواطن

    فهناك مواد تهدف مراقبة اكتساب المعارف فتجرى آخر السنة الأولى أما التي تتطلب التفكير والتمحيص وإبراز الشخصية فترجأ للدورة الثانية ولا يتعدى الامتحان ثلاثة أيام.ذلك أن الحالة النفسية تبعث المترشح إلى تقليص مدة التعب وظروف الاضطراب.أما المراجعة خلال تلك الأيام فغير مفيدة بل مضرة له نفسيا وفكريا.

  • مواطن

    فهناك أطراف لها دورها مثل الجامعة التي سوف تستقبل الحائزين على شهادة يجب أن تتوافق مع المستوى الأساسي لمواصلة التعليم العالي.كما أن الوحدات الاقتصادية والصناعية المختلفة وكذلك الوظيف العمومي لها دور في تعيين مستوى ما تحتاج إليه من كفاءات معرفية ثقافية.لكننا منذ فترة ألغينا دور الجامعة حتى في الإشراف على لجان امتحان البكالوريا،صحيح لقلة الكفاءة المهنية لهؤلاء.أما مدة الامتحان فاسألوا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون.لقد كانت البكالوريا تنظم خلال سنتين ويمتحن فيها المترشحون في جميع المواد خلال الفترتين

  • حسين بن عيسى

    اطمئن ياسيدي حتى لوارادوا التدريس بالفرنسية في التعليم الثانوي فلن يجدوا الاساتذة القادرين على ذلك في المواد العلمية لانه ببساطة ان ذلك الجيل الذهبي جله احيل على التقاعد ومنه من رقي الى مناصب ادارية ، لكنكم اقمتم الدنيا ولم تقعدوها على مواد الهوية الوطنية ، لكن لم تتساؤلوا عماقدمته للطفل ومادورها في تهذيب سلوكات ابنائنا
    اقول ماجدوى مادة ياخذ فيه التلميذ النقاط فقط ولم تقوم سلوكه لقد راينا في البكالوريا تلاميذ يرمون ايات قرانية واحاديث نبوية في المراحيض بعد الانتهاء من الغش
    التربية مهمة الجميع

  • منصف

    نريد اقتراحات وبدائل عملية وموضوعية ، كلامك قديم وعاطفي تنقصه الحجة العلمية .

  • منصف

    نريد مقترحات بديلة وعملية ،وليس كلام عاطفي ديماغوجي ،كان صالحا في الثمانينات.

  • محمد

    شكرا استاذ

  • د محمد نذير

    تقولون دكتور: يجب تنبيه المسؤولين في كل مستويات الدولة إلى خطورة السكوت عن هذا الأمر، لأنه مخالف للقوانين التي تُسيّر جهات التربية وخرق صريح لنص الدستور،
    أليس تدريس العلوم في الجامعة بالفرنسية منذ الاستقلال مخالف للدستور ؟ وكان الأمر عادي !
    يتم تدريس شتى العلوم في المتوسط والثانوي بالعربية و بعده فجأة يجد طالب الجامعة نفسه أمام الفرنسية في شتى العلوم و معظمهم يعيدون السنة ويفشلون و يلجؤون إلى الغش أو يعتمدون على النقطة التعويضية لينجحوا أو يعتمدون على الحفظ! أليست هذه مشكلة يستوجب حلها ؟

  • بدون اسم

    غريب أمرك.وعجيب عقلك أيها السيد....أين كنت يوم كنت (اطارا)في هذه الوزارة؟...الاتخجل..؟