-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مركزية الوجود القيمي للإنسان

ناصر حمدادوش
  • 464
  • 2
مركزية الوجود القيمي للإنسان

يتميَّز الإنسان في أصل خِلقته تمُّيزًا نوعيًّا، فهو ينتمي إلى سُلَّمٍ قيميٍّ متفرِّد، فإن اتفق مع غيره من الكائنات في صفة المخلوقية فهو يحظى بتكريمٍ خاص، ولقد جاء البيان القرآني ليبرِّز هذا الامتياز الوجودي في قوله تعالى: “ولقد كرَّمنا بني آدم، وحملناهم في البَرِّ والبحر، ورزقناهم من الطيِّبات، وفضَّلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلا.” (الإسراء:70)، وهو تكريمٌ شامل لمطلق الإنسانية، دون تمييزٍ بين أفراده أو التفاف إلى عوارضه..

هذا الفيض في التكريم إنما ينسجم مع طبيعة هذا التكوين وخصائص هذا الخلق وغايات هذا الوجود ومصالح هذا النوع، فهو يرتقي بذلك الاستعلاء الخاص وبتلك الإرادة الربانيةٌ العلوية نحو حتمية هذا التفضُّل، ولذلك لم يحتل موضوعٌ مساحةً تعبيريةً واسعة في القرآن الكريم بمثل ما احتفى به خلق الإنسان، وكأنه العنصر الأساسي الذي ستدور عليه عقارب هذا الكون، وهي إشاراتٌ قرآنية واضحة لهذا التميُّز الوجودي للإنسان فيه، حتى لقد كان هذا الاحتفال به منذ فاتحة الوحي في الآيات الأولى نزولاً في قوله تعالى: “اقرأ باسم ربِّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق.” (سورة العلق، الآية: 01، 02)، وهو شاهدٌ على هذا التميُّز القيمي ودليلٌ على هذا التفرُّد النوعي، ويتجلَّى ذلك بشكلٍ فاقعٍ في ذلك التصوير الفنِّي لقصة خلق الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام بشكلٍ تفصيليٍّ ومُجمَل.

ومع أنَّ الإنسان من الناحية المادية ومن زاوية الكمِّ المنفصل لكتلته الجسدية قد لا يساوي شيئًا أمام هذا الكون مترامي الأطراف طولاً وعرضًا، عمقًا وارتفاعًا، إذ لا يكاد يُذكر أمام عظمته كمًّا، إلاَّ أنه يتربَّع على عرش سُلَّم الترتيب الوجودي نوْعًا، وكأنه المدلَّل الذي تتجه إليه كلَّ الرِّعاية والتنويه، وهو الذي ضُبطت زوايا السماوات والأرض وما بينهما لمصلحته، فقال تعالى: “وسخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه..” (سورة الجاثية، الآية: 13)، وهو ما يجعله في تلك المرتبة الاستعلائية فوق الكون، وأنَّ أيَّ استهانةٍ به هي تناقضٌ مع هذه العقيدة في الإيمان بمركزية الإنسان في الحياة، والشَّرف في مركزه المادي والمعنوي بين سائر المخلوقات.

فما هي مظاهر هذا التكريم؟ وما هي مقتضيات ذلك؟ وما هي الآثار التربوية الواقعية لها؟
اللَّمسات الإلهية لهذه المركزية الوجودية:
1 / العناية الإلهية المباشِرة في خلق الإنسان: فقد جاء الاحتفاء القرآني بخلق الإنسان متميِّزًا في الخصوصية، يتلمَّس شرفية الخلق بعنايةٍ فائقة، وما تَكرار تلك القصة لِلَحظة الميلاد وتصوير تفاصيل تلك الذكرى إلاَّ للأهمية الاستثنائية لها، فلقد أفاض القرآن الكريم طويلاً في التذكير بهذا الخلق والإشادة بهذا المخلوق، ومن تلك اللَّمسات الخفية بهذا الاحتفاء المركَّز هي الإشارة إلى تولِّي العناية الإلهية المباشِرة بيده سبحانه وتعالى للإنسان الأوَّل، وأنَّ تلك العناية الخاصَّة مستوجبة لسجود الملائكة وإبليس له تكريمًا، فقال تعالى: “قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لِمَا خلقتُ بيدي..” (سورة ص، الآية: 75)، وسواءٌ حُملت الآية على حقيقة اليد الإلهية على الوجه اللائق به سبحانه أو على المجاز تنزيهًا لله تعالى عن التشبيه بالأعضاء، فتُؤوَّل “بيدي” على العناية الخاصة، فهي كلُّها تدلُّ على عُلُوِّ المكانة ورفع القيمة الوجودية لهذا المخلوق، فالعظيم لا يتولَّى شيئًا بنفسه إلاَّ للأهمية القصوى له، يقول “فخر الدِّين الرازي” في تفسيره بعد ذِكر ومناقشة تأويل معنى اليد في الآية، قال: “والذي تلخَّص عندي في هذا الباب أنَّ السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيءٍ بيده إلاَّ إذا كانت غاية عنايته مصروفةٌ إلى ذلك العمل..” (التفسير الكبير: ج 26، ص 231)، وبالتالي فإنَّ هذا الحدث الكوني متميُّزٌ عن أيِّ خلقٍ آخر في هذا الوجود، وإن استوى الجميع في أصل المخلوقية فالإنسان أقرب إلى الخصوصية بهذه العناية الإلهية.

2 / العناية الإلهية الخاصَّة بالسِّرِّ الإنساني: ومن أبرز المكوِّنات الخاصَّة في ذلك تلك اللَّطيفة الإلهية، وذلك السِّرُّ المكنون، وتلك الجوهرة الفريدة، وذلك القبَس الإلهي المقدَّس، وتلك المسحة الرَّبانية على كيان الإنسان بنفخ الرُّوح فيه، إلاَّ أن ذروة تلك العناية مرتبطةٌ بنِسبة التشريف والتكريم لتلك الرُّوح إلى الله تعالى، فيقول الله تعالى عن ذلك المشهد المهيب في خلق الإنسان الأول، واكتمال كينونته، وما يستوجب ذلك: “وإذ قال ربُّك للملائكة إني خالقٌ بشرًا من طين، فإذا سوَّيتُه ونفخت فيه من روحي فقَعُوا له ساجدين.” (سورة ص، الآية: 71، 72)، فبرَزت تلك العناية الخاصَّة بهذا المخلوق الفريد وبصورةٍ طاغية في: التسوية: “فإذا سوَّيتُه”، ونَفْخ الرُّوح ونِسبتها إلى الله تعالى: “ونفخت فيه من روحي”، لتكتمل الكينونة الإنسانية: جسدًا وروحًا، وما إسناد النَّفخ المباشِر له سبحانه، ونِسبة تلك اللَّطيفة إليه عزَّ وجل إلا تنويهٌ بهذه المركزية الوجودية والمكانة الخاصة للإنسان في هذا الكون، فيقول “فخر الدِّين الرازي” عن هذا الإبداع الإلهي وتلك القيمة الوجودية المركزية للإنسان: “ولمَّا أضاف الرُّوح إلى نفسه دلَّ على أنه جوهرٌ شريفٌ علويٌّ قدسي..” (ج 26، ص 226)، إذ أنَّ الرُّوح أجسامٌ نورانية شفَّافة، علوية العنصر، قُدسية الجوهر، وهي تسري في الجسد سريان الضُّوء في الهواء.

3 / العناية الإلهية الخاصَّة بالكيان الجسدي للإنسان: فالإنسان خُلق على درجة عالية من الإتقان والانسجام والاعتدال، وهي من مظاهر العلوّ في التكريم، وبالتالي فهي من منازل تعزيز هذه المركزية الوجودية للإنسان، فقال تعالى عن مطلق الإنسان: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم.” (سورة التين، الآية: 04)، وتخصيص الإنسان دائما بهذه الحقائق القرآنية المتنوِّعة والمتكرِّرة هو لمزيد العناية والخصوصية والتكريم، ولا شكَّ بأن هذا التخصيص -مع الضَّعف والقصور البشري– ليؤكِّد على هذا الشأن الخاص به دون غيره من مخلوقات العالم السفلي.
وهذا التقويم الإلهي المحكم شاملٌ بجميع أنواعه في الإنسان، من ناحية البنية الجسدية أو العقلية أو النفسية، أي أنه يتمتع بأجمل صورةٍ ظاهرة، وأتمِّ حقيقةٍ باطنة، وهذه الإشارة القرآنية لهذه الزاوية من الإنسان إنما هي من باب التفضُّل والتكرُّم الإلهي لإبراز هذه القيمة الوجودية المحورية للإنسان في هذا الوجود..

ومع هذا التكريم الرَّباني القَدَري للإنسان إلا أنَّ المقابل المنتظر منه لا يكون إلا باحترام حريته وإرادته وعقله، وهو مظهرٌ من مظاهر التكريم الإلهي أيضًا لهذا النوع الإنساني.

4 / العناية الإلهية الخاصَّة بالبُعد العقلي للإنسان: يشترك الإنسان مع غيره من المخلوقات في الإدراك الحسِّي (سواء الإدراك الحسِّي الظاهر عن طريق الحواس الخمس: السَّمع، البصر، اللمس، الذوق، الشمُّ، أو الإدراك الحسِّي الباطن كالجوع والعطش والحزن والفرح..)، إلاَّ أنه يتميَّز تميُّزًا نوعيًّا خاصًّا بالإدراك العقلي في إدراك الحقائق والمعاني الكلية كالخير والشَّر والحقِّ والباطل، والتي تُدرك بوسائل المعرفة العقلية، وهي: السمع والبصر والفؤاد، كما قال تعالى: “لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها..”(سورة الأعراف، الآية: 179)، فاعتبر القرآن الكريم إعدام هذه الوسائل هو إسقاطٌ للمعني من درجات الإنسانية إلى دركات الحيوانية، ويفقد بذلك جوهره العقلي، والذي هو مناط التكليف، وأساس العلم والعمل، إذ العقل هو آلة الإدراك والفهم عند الإنسان، فقال تعالى: “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ.” (الأنفال: 22).

إنَّ تميُّز الإنسان بهذه العناية الإلهية الخاصة هو إبرازٌ لهذه المركزية في الوجود القيمي للإنسان، والذي سيؤهِّله للقيام بأدوار حضارية في هذا الحياة، وقد قال الله تعالى: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا، وأنكم إلينا لا ترجعون.” (سورة المؤمنون، الآية: 115).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • ضسيل

    كلام خطب الجمعة لا غير...

  • عبد الحكيم

    مقال تثقيفي جيد ، بارك الله فيك