السبت 15 ديسمبر 2018 م, الموافق لـ 07 ربيع الآخر 1440 هـ آخر تحديث 22:31
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

مسجد كتشاوة

نرجع عبر بوابة الزمن إلى العهد العثماني في الجزائر، لنقوم بفسحة في جمالية هذا العصر، وما تركته من أناقة تتزين بها الجزائر العاصمة اليوم، على غرار مسجد كتشاوة الذي حاكى أزمنة عديدة وسنوات متتالية دون أن تخدش محياه كل الظروف سواء الطبيعية أو ما حملته يد الإنسان من تغيير، صرح معماري شيد على مدخل المدينة القديمة للجزائر أو “القصبة العتيقة”، كفاتحة كتاب تلج من خلاله إلى صفحات التراث العثماني الجميل الذي بقي رمزا لعصر مزدهر تتلون به كتب التاريخ، يحمل دلائل ومقومات نجاح حضارة أسست في الأذهان والقلوب، قبل أن تؤسس على أرض الواقع، لذا بقيت خالدة على مر الزمان.
قادتنا جولة إلى هذا الصرح المعماري العتيق، للوقوف على خصوصياته وتفاصيله عن قرب، وكذا لنقف على أثر من سبقونا إليه سواء في جزائر مستعمرة أو مستقلة، ما إن ما تحط قدميك على أول درج للوصول إلى بابه الخشبي العريض، الذي ينفتح على ساحة الشهداء الكبيرة وما تضمه من مختلف الأجناس، تحس وكأنك انفصلت عن حضارة التكنولوجيا الحديثة ورجعت بفعل السير الخلفي إلى حضارة قديمة، بنيت بسواعد الرجال وليس بآلات عصرية، وبرغم هذا فقد تأسست على أرضية صلبة خشنة قاومت مد وجز الأحداث، وعندما تفتح أمامك بابه الشرقي حتى يجذبك عطر العصر العثماني في أوج قوته، يغمرك إحساس كمن اشتاق إليك ورماك في حضنه وهو يشدك بقوة، تبقى مشدود البصر إلى جدرانه التي زينت بمختلف الآيات القرآنية بألوان ذهبية زادت من جمالها، بالإضافة لتحف فنية راقية تجلت في أعمدة متقنة الصنع تحمل على ظهرها هذا الصرح الكبير، وكذلك النقوش التي تجانست على جدرانه وامتزجت في أشكال مختلفة، تغازل مقلتيك جمالية رسوماته، فتحلق بعينيك في شموخه حتى تميل رقبتك وأنت تتحسس علوه، فيدفعك الفضول إلى الصعود أكثر عبر أدراج خشبية ضيقة ملتوية، لا تستطيع الوقوف عليها وأنت معتدل القامة، لذا تتابع خطواتك الصغيرة بحذر، حتى أنك تحس بالدوار لكثرتها وشدة انحنائها، تنسيك عددها الذي يصل إلى أكثر من 90 درجا خشبي مشدودا إلى الجدران بلوالب حديدية كبيرة يصل قطرها إلى 03 سم، إحساس يدفعك للجري من أجل الوصول إلى الأعلى وتنفس الهواء، وحين تصل إلى القمة وتفتح بابها يتجلى لك البحر من بعيد، وتقع عيناك على مسجد آخر في ساحة الشهداء، التي تعج بالمارة والمسافرين والفضوليين الذين يقفون جنبا إلى جنب بمحاذاة السياج الذي يحيط بالآثار التي اكتشفت مؤخرا في هذه الساحة، وكل يحمل هاتفه النقال أو الكاميرا من أجل التقاط صورة مع عصر اندثر وذهب، فقيمة التذكار لا تحسب فقط مع الأحياء، بل حتى مع العروش الخاوية، أما من خلفك فتظهر لك البنايات العتيقة الجميلة تختلف في علوها، لكنها ترص بعضها البعض وكأنها تحتمي من المجهول، وتريد الموت جنبا إلى جنب تشد يد بعضها البعض، تدرك خلالها سبب بقائها وتعميرها لمدة أطول، وهو اتكاءها على بعضها الذي زادها قوة إلى قوتها.

هو حال مسجد كتشاوة الذي أصبح بمثابة منبر علمي وثقافي، وتحفة معمارية تشد الأبصار سواء من الداخل أو الخارج، لكن وصولها إلى هذه المرحة مر عبر تغيرات عديدة كان أكثرها أثرا على نفسية المسلمين والجزائريين خاصة، أن حولته السلطات الفرنسية إلى كاتدرائية أو كنيسة، طمست من خلالها كل تعاليمه الإسلامية وهدمتها عن آخرها ولم تسلم حتى المصاحف التي جمعت في سوق الماعز أنذاك وأحرقت على مرآى الناس في مشهد مرعب مس قدسية الأماكن المقدسة التي كان من الواجب احترامها وهو الشعار الذي كانت فرنسا تتغنى به على الأوراق ومازالت إلى حد الساعة، لكن في واقعها تمارس شيئا آخر.

ليلة تمسيح المسجد

لما كانت الجزائر تنعم في سلام وأمان، أسس هذا المسجد سنة 1612م في عهد بربروس، واجتهد الباي حسين من بعده في إعطائه روحا جديدة تتماشى مع الحضارة في تلك الفترة التي مست عنان السماء في جمالها وقوتها، فقام بتوسيعه سنة 1794م، ورفع مآذنه، وصومعته، ورفع أعمدته، وعمل على نقشه بزخارف فنية راقية تعكس ثقافة وحضارة الدولة العثمانية، لكن لما كان دوام الحال من المحال، فحين حل الرعب والاضطهاد مكان السلم والأمان، وحلت ثقافة المعمر مكان ثقافة العثمانيين، وفي عهد الدوق “دو روفيقو” بالذات، أمر بتحويل هذا المسجد إلى قبلة أخرى وهي كنيسة تقام فيها شعائر التمسيح لا شعائر الدين الاسلامي، أراد من خلالها طمس كل معالم الإسلام والعروبة من خلالها في العاصمة الجزائرية، وتشويه هذا المعلم الاسلامي والحضاري الذي يشهد على حقبة تاريخية مزدهرة، الخبر وقع كوقع الصاعقة على نفوس الجزائريين الذين هبوا إلى حماية هذا الصرح الإسلامي، وأغلقوا أبوابه ووقفوا جنبا إلى جنب إلى جدرانه من أجل رد هذا العمل الشنيع، غير أن إرادتهم وإيمانهم لم توقف جبروت الدوق “دو روفيقو” الذي أمر بكسر أبوابه وقتل كل من يعترض طريقهم، وهو ما حدث بالفعل، وذهب ضحية هذا أربعة آلاف مصل ماتوا مرابطين محتسبين على أسوار المسجد، الذي حول إلى كنسية وتحققت مقولة هذا المدمر الذي قال: “أريد أن اختار أجمل مسجد في الجزائر وأحوله الى كنسية”، وكان مسجد كتشاوة الاختيار الأفضل له، لم يقف عند هذا الحد، بل اختار تاريخا يكون وقعه كبيرا على نفوس الجزائريين وهو عيد المسيح سنة 1832م من أجل تمسيح هذا المعلم الإسلامي، وتزين بزينة أخرى وضعت مكان المعالم الإسلامية، وهي عبارة عن هدايا على غرار الصليب الذي وضع على قمته في مكان الهلال، والأقمشة التي غطت نوافذه وغيرها.
تتداول الأيام بين الناس وهي حقيقة، حيث وبعد مرور مائة سنة من تمسيح هذا الصرح الحضاري عاد إلى أحضان شعائر الدين الاسلامي في 1962م، سنة استقلال الجزائر، وصلى فيه البشير الابراهيمي رحمه الله صلاة جمعة مسحت أثر كل يد أو رجل نجسة وطئت أرض هذا المعلم الإسلامي، أو لامست جدارا من جدرانه، واستبدلت كل معالم المسيحية بأخرى إسلامية، وهو الانتصار الأخير الذي كتب له الخلود إلى حد الساعة.
هي حكاية هذا المعلم الحضاري الاسلامي، أردنا أن نقف عند تفاصيله الحالية ووقائع تاريخية مرت عليه، وبين هذا وذاك، يبقى هذا الصرح والمعلم منتصب القامة في العاصمة الجزائرية، خاصة بعد الترميمات التي انتهت مؤخرا من طرف الشركة التركية، ودشن من طرف الرئيس التركي اردوغان، تدشين كان بمثابة فتح آفاق علمية وثقافية ودينية عبر هذا المسجد الذي يزين مدخل الجزائر القديمة.

https://goo.gl/HQjGLk
العهد العثماني القصبة العتيقة مسجد كتشاوة
2 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • محمد أولمي

    جامع كتشاوة في هيئة الحالية يعود الى العهد الاستعماري، فبعد هدم البناء العثماني تم تشييد على انقاضه الكندرائية المسحية ولكن تصميمها كان وفق النمط الأسلامي ةيعد بحق تحفة فنية اسلامية بنيت وصممت من طف الفرنسسين وهو الأمر الذي نفتقده اليوم حيث أن المساجد الحالية بنايات بدون هوية و بدن جمالية فهي في كثير مباني بشعة

  • محمد ب

    جامع كتشاوة يمثل تحفة معمارية تركية سمي بـ كتشاوة نسبة إلى السوق التي كانت تقام في الساحة المجاورة:كيت = ساحة وشاوة=عنزة.بناه حسن باشا سنة 1794م وحوله الدوق دو روفيغو إلى اسطبل للخيل في عهد الاحتلال الفرنسي ثم كنيسة، تحت إمرة «دوبونياك» ـقتل فيه من المصلين المعتصمين مايفوق أربعة آلاف مسلم جميع المصاحف وأحرقها عن آخرها، فكان منظرا أشبه بمنظر إحراق هولاكو للكتب في بغداد .

    بإخراج جميع المصاحف الموجودة فيه إلى ساحة الماعز المجاورة التي صارت تحمل فيما بعد اسم ساحة الشهداء، وأحرقها عن آخرها، فكان منظرا أشبه بمنظر إحراق هولاكو للكتب في بغداد عندما اجتاحها. وقد قام الجنرال روفيغو بعد ذلك

close
close