الإثنين 17 جوان 2019 م, الموافق لـ 14 شوال 1440 هـ آخر تحديث 22:49
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

مشكلتنا.. هل هي مادِّية؟

عبد الناصر بن عيسى صحافي.. ومدير مكتب الشروق الجهوي بقسنطينة
ح.م
  • ---
  • 6

لا يمكن تقزيم ما يُكتب في الشعارات المتعددة خلال المسيرات المليونية أو اعتبارها مجرّد تسلية أو بوح، بما كان تحت الرقابة أو الحجْر، ولا يمكن التعويل كثيرا على صبر الناس بعد انسحاب أو هروب رموز الفساد في البلاد، وانتظار التزامهم الكامل بالقوانين، فالأمة -حتى لا نخدع أنفسنا- عاثوا في أفكارها فسادا على مدار عقودٍ من الزمن، وليس في عهد الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة، فكانوا ينوِّمونها ويخدّرونها حينا، ويوقظونها أحيانا أخرى في غير المكان ولا الزمان الذي يجب أن تستيقظ فيه، حتى اختلط على الناس الصالحُ بالطالح والجيِّد بالسيئ والفاضل بالرديء وحتى الرئيس القادر صحيا وذهنيا على قيادته والذي لا يتكلم ولا يرى ولا يسمع ولا يفكر.

قرأنا في كتب التاريخ كيف فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة المكرّمة، وكيف انتصر على أهل قريش، فحينها ظن غالبية الصحابة بأن النصر قد تحقق، وبأن زمن التمتع بالغنائم قد حان، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم، وصف الجهاد الذي تمثل في غزوات ومعارك، بالجهاد الأصغر، واعتبر ما هو قادمٌ من معارك التشييد وبناء أسس الدولة وتطبيق القانون بالجهاد الأكبر، وهو الجهاد الذي أهملته الجزائر بعد الاستقلال وظنت بأن استرجاع السيادة كاف لأجل تحقيق النمو والازدهار، وبدلا من الالتفات إلى أساسيات قيام الدولة القوية، ظلت تتغنى بما قامت به في الثورة وتصف نفسها وشعبها بالعظمة، ثم اكتشفت ريع النفط فسكرت وأسكرت الشعب معها، ودخلت دوامة من المشاكل المادية بالخصوص التي كلما تراجع فيها سعرُ برميل النفط، كلما علا صوت الاحتجاجات من سنة 1988 بعد الصدمة البترولية العنيفة، إلى غاية الوقت الحالي.

لقد عدَّت الجزائر منذ اندلاع الثورات العربية، مالا يقل عن خمسة عشر ألف احتجاج في السنة، وكانت للأسف جميعها من دون استثناء كانت مجرَّد مطالب مادية لم يُطرح فيها أبدا المشاكلُ الأخلاقية التي أدت إلى ظهور الفساد وتمكُّنه من الكيان الجزائري، وقد يكون الحراك الحالي -إن تواصل بسلميته ورقى مطالبه وترفّع وزهد مؤطروه- فرصة العمر بالنسبة للجزائريين ليخلعوا نهائيا ثوب المادية من مطالبهم التي جعلت الطلبة الجامعيين يثورون من أجل وجبة الإطعام والغرفة المجَّانية والنقل ولا يثورون على انهيار الجامعة الجزائرية التي تحتلُّ الدرك الأسفل في ترتيب جامعات العالم، وجعلت الأساتذة والأطباء والمهندسين لا همّ لهم سوى زيادة المرتبات والمنح وما شابه من ماديات، وجعلت أبناء الشهداء والمجاهدين يسعون للحصول على السيارات وغيرها من المزايا المادية، ويضيع الجانب الأخلاقي في مطالب العمال والطلبة والنقابات وكأننا شعبٌ يعيش ليأكل، ويأكل فقط.

لا مفرَّ للحراك الشعبي أن يأخذ بُعدا أخلاقيا في بدايته، فكل الثورات العملاقة التي أفرزت دولا كبرى، سارت على السكة الأخلاقية كما هو الحراك الحالي، وكما صرنا نشعر بالحساسية كلما ذُكر أمامنا اسمُ أحد الفاسدين من السلطة، علينا أن نتحسَّس أيضا من الفساد.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • أويحيى.. جوّع شعبَه فسجنه

    احتفالاتُ الجزائريين بدخول الوزير الأول السابق أحمد أويحيى السجن سابقةٌ غير معهودة في تاريخ البلد؛ فلأول مرّة يحدث ذلك خلال 57 سنة كاملة من الاستقلال،…

    • 708
    • 3
  • حرب ترامب على الأنظمة الإسلامية

    هل هي مصادفة، عندما تخوض الولايات المتحدة الأمريكية نزاعا مازال في إطاره السياسي، مع تركيا وإيران في وقت واحد، مستبعدة أي توافق مرن يحافظ على…

    • 1071
    • 7
6 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • عامر

    لست أدري ما المقصود بالضبط بهذا التساؤل..فجذور مشكلتنا مادية بامتياز لا شك ولا خلاف في ذلك فلولا ريع البترول لما عم الفساد بهذا الشكل ولما تفنن السراق في نهب المال العام..ولما انقلب سلم قيم الأخلاق رأسا على عقب ولما صار من كان سائقا في مؤسسة عمومية ميلياردارا يتحكم في تنقل الطلبة في معظم ربوع الوطن وصار يطالب مع ثلة من أمثاله بالترخيص لفتح جامعات خاصة بأموالهم القذرة وعقولهم النتنة..ولولا عبقرية شباب الحراك (حفظهم الله وأيدهم) لكنا سنرى إمضاءات هؤلاء الجهلة على شهادات نجاح أبناءنا قريبا..نعم لقد أفسدتنا المادة..ألم تصنع منا ساعات الجوع وأيام الفقر و سنين الجمر رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟

  • mahi

    مشكلتنا هل هي ماديه ؟ هذه الاشكاليه عالجها مفكرنا الكبير الاستاذ مالك بن نبي في كل كتبه التي عالج فيها مشكلات الحضاره وقد اعطي وصفا دقيقا وعميقا لمشكل, مجتمع او شعب يري ان ازمته الماليه هي سبب حدوث النكسات فيه والتكديس عنده هو الحل الامثل امام هذه الازمه اما فقر الافكار وغياب الوعي اي الاستثمار في الانسان في التعليم والتربيةوالثقافه فهي تحصيل حاصل لهذه النضره المادية البحته الامر فعلا يحتاج الي اعادة نضر في الكثير من المفاهيم مع اعادة صياغة الانسان الجزائري صياغه اخلاقيه .

  • عبد الحميد

    عندما انتهت البحبوحة و فضت الدراهم و تقلصت الاستفادة من لونساج و حبست بواخر الاستيراد ( استيراد كل شيء كامومبير انزاش …) انتفض الشعب. و انني اجزم ان لو بقيت بحبوحة و صرفت الاموال كما في سنة 2014 عندما قال سلال للشباب روحو اتزوجوا بدراهم لونساج (يعني اسرقوا حتى انتم) و الله لاكمل بوتفليقة العهدة الخامسة و اليوم هو رئيس كما قال بعض الغاشي الذين استجوبوهم عندما تقدم للعهدة الرابعة و هو على ما هو عليه صحيا و قالو : نفوطي عليه حتى ميت و اخر قال نفوطي عليه حتى في القبر. قلوبنا كانت تتقطع عندما تقدم للرابعة في تلك الوضعية. اه منكم يا شعب تعبتونا معاكم. الحمدلله على نعمة سقوط اسعار البترول.

  • محمد

    نعم للأخلاق لكن أين هي؟هذا الحراك الشعبي الذي نتبجح به هو الذي يكتسح فيه المتظاهرون الشوارع أثناء أوقات صلاة الجمعة ولا يؤدون الفريضة بل أكثرهم يتناولون أنواع الأطعمة المحرمة أثناء شهر رمضان.نعم لهم الحق والواجب أن يثوروا ضد الفاسدين لكن هل من الأخلاق أن يرفعوا راية الانفصال عن الوطن والمناداة بالتمييز العنصري؟لقد اعتلى عرش الحكم في كل القطاعات عديمو الأخلاق سواء في التربية الوطنية أو الجامعة وما تسير عليه هذه القطاعات من تزوير في منح الشهادات العلمية ألا دليل على خيانة الوطن والمجتمع.نحن نحتاج إلى من يعيد علينا الأسس الحقيقية لبناء مجتمع صالح ولو بالإلزام لأن كل فكرنا وتقاليدنا انطبعت بالفساد

  • نسومر الأوراس

    مشكلتنا هوياتية حيث أنتج لنا النظام من 1962 إلى يومنا شعب يكره تاريخ أسلافه و هويته الأشيلة و ينزع لثقافة المشرق الجاهل

  • محمد

    صحيح مشكلتنا أخلاقية بالدرجة الأولى ، وللأسف هناك من لايدرك ذلك ، أو يدرك ذلك ويتغاضى عنه لأجل تحقيق مصالحه الخاصة وكفى … لابد من ثورة في التفكير ، بحيث يغلب التفكير في الصالح العام على التفكير في النفس.
    أيضا، سيدي إسمح لي أن أصحح لك أن المعارك التي خاضها الرسول وكل الخلفاء الراشدين كلها كانت دفاعية ، وليس “غزو” أو “غزوة” ، إنما “معركة” وكفى .. وذلك واضح في الآية ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) ، فهذه هي الآية التي شرعت الجهاد من الأساس ، وتلاحظ أن ضم الياء في يقاتلون ، تعني أن المسلمين جنى عليهم المشركون وحاربوهم أولا فكان لابد من الدفاع عن النفس.

close
close