الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م, الموافق لـ 04 صفر 1442 هـ آخر تحديث 12:32
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

مصائب المستضعَف عند المستكبِر مغانم

رويترز

دمار ناجم عن انفجار وقع يوم الثلاثاء في مستودعات بميناء بيروت بالقرب من وسط العاصمة اللبنانية في صورة التقطت يوم الأربعاء 5 أوت 2020

  • ---
  • 4

ما حل بلبنان الشقيق كارثة بجميع المقاييس، سواء من جهة حجم الدمار وحصيلة الضحايا الثقيلة، أو من جهة ما يبدو أنه ثمن إهمال وتقصير من الحكومات المتعاقبة في حق اللبنانيين، أو من جهة التعاطي السياسي المخزي للحكومة وللطبقة السياسية مع الكارثة، من جهة التخبط الواضح في تسيير الكارثة ومستوى تفاعلها مع دعم دولي محتشم، حمل من الإهانات والاستهتار بسيادة لبنان أضعاف ما حملته الطائرات الوافدة بمساعدات شحيحة، هي بلا شك دون حجم الدمار الذي ذهب بثُلث العاصمة اللبنانية، وأخرج مرفأ لبنان الأول من الخدمة، وشرَّد 300000 من ساكنة بيروت.

من جهة حجم الدمار، لم يخطئ من عقد مقارنة بين دمار مدينتي هيروشيما وناكازاكي وتفجير بيروت الذي سوى بالأرض الميناء ومساحة شاسعة من قلب العاصمة، وألحق أضرارا بليغة بباقي مباني العاصمة، وكأنَّ قلب المدينة قد استُهدف بقنبلة نووية تكتيكية، تفجيرٌ ليس من السَّهل تفسيره لا بما نُسب لوجود مخزون كبير من مادة “نيترات الأمونيوم” داخل منشأة حيوية منذ 2013، فيما تفيد شهادات عيان أن الانفجار العظيم سبقه حريقٌ مهول، وأصواتٌ لتفجيرات متتالية سبقت الانفجار العظيم الذي صنع للحظة نسخة للفُقاعة المعتادة في التفجيرات النووية.

وسواء تعلق الأمر بتفجير يُنسب لمخزون مادة “نيترات الأمونيوم” ذات الاستعمال المزدوج في الأسمدة كما في تصنيع المتفجرات، أو كان التفجير بسبب مخزون أسلحة، أو ناتج عن إصابة من الخارج، فإن مسؤولية الحكومة اللبنانية الحالية والحكومات السابقة تظل قائمة، لا يمكن تغطيتُها بإجراء فرض الإقامة الجبرية على بضعة من المسئولين التنفيذيين بإدارة الميناء، وهي فوق ذلك مسؤولية هذا النظام الطائفي القائم على المحاصصة في تقسيم ريع المسؤوليات الذي أخرج لبنان من أتون الحرب الأهلية الساخنة، إلى الحرب الطائفية المذهبية المستدامة بالأدوات السياسية الناعمة.

وحده إجراء تحقيق مستفيض من جهة لبنانية مستقلة عن النُّخب الطائفية، معززة بخبرة تقنية دولية، قادر على تحديد المسؤوليات، ليس بدافع تسليط العقاب على المذنبين فحسب، بقدر ما يحتاج لبنان إلى تحقيق شفاف يستبق ركبان فتنة طائفية قادمة، بدأت الدوائر الغربية تؤجِّج مراجلها بتصريحات ملغمة للرئيس الأمريكي، وبإيحاءات مضللة من الإعلام الصهيوني ومن بعض الإعلام العربي المنخرط منذ عقدين في تأجيج الفتن بالساحات العربية، يراهن فيها جميعهم على ضعف الحكومة اللبنانية الحالية ذات اللون الواحد، وعلى استبداد حزب الله بمفاصلها، وربما يريد إلحاق الساحة اللبنانية بالأرض المحروقة في العراق وسوريا التي تصنع اليوم للكيان الصهيوني فضاءً رحبا للتوسُّع من النيل إلى الفرات.

وفي هذا السياق، ليس بوسع اللبنانيين التعويل كثيرا على طبقة سياسية فاسدة، متشبِّثة بجميع أطيافها بهذا النظام الطائفي المذهبي الأخرق، المانع لقيام دولة مواطنة حديثة، لشعب متعلّم منفتح على الغرب، كان يُراهن عليه لتسويق “فضائل” الحضارة الغربية في العالم العربي، قبل أن تراهن عليه إيران كبؤرة أصيلة لدعم مشروعها التوسعي الذي لا يختلف كثيرا عن المشروع التوسعي الصهيوني، المتناغم اليوم مع المشروعين التوسعيين: الفارسي الصفوي، والطوراني العثماني.

مشاعر الحزن والتعاطف الطبيعيين مع الشعب اللبناني الشقيق تراجعت بسرعة أمام مشاعر الغضب والإحساس بالخزي من سلوك الرئيس الفرنسي النيوكولونيالي وهو يعبث بسيادة لبنان: برئيسها وحكومتها، وبطبقتها السياسية الساقطة، وقد سمحت له بالتحرك بكل حرية في أكثر من اتجاه، وكأنَّه الرئيسُ الفعلي لدولة لبنان، يجوب الأرض المنكوبة، ويتفقَّد أحوال “الرعية” ويعِدها بـ”قرص” أذن الحاكم المحلي، ثم يستدعي صفوة الصفوة من رؤساء الأحزاب من المعارضة والموالاة، ويضرب عرض الحائط بجميع الأعراف الدبلوماسية، بخطاب فيه كثيرٌ من الاستعلاء على شعب مستضعَف منكوب، كانت قد أنهكته أزماته التقليدية، وبات مهددا بالمجاعة حتى قبل الخراب الذي لحق بعاصمته.

ومع أن أكثر من تسعين في المائة من المساعدات التي وصلت فورا إلى لبنان كانت من عواصم عربية وإسلامية، فإن الرئيس الفرنسي عرض نفسه كجهة وحيدة مستأثرة بتنظيم لقاء دولي لتحشيد المساعدات الدولية، قيَّدها مسبقا بمقدار استعداد لبنان لتتقبل جملة من الإصلاحات السياسية، تعيد لبنان إلى الحاضنة الغربية تحت الوصاية السامية لدولة الاحتلال وقوى الاستكبار التي لها على الدوام في مصائب القوم مغانم.

موازنات

مقالات ذات صلة

  • الرسائل المجهولة.. ما لها وما عليها!

    قرار السلطة مؤخرا بمنع الرسائل المجهولة من التبليغ عن الفساد وفضائح التسيير، له مبرراته الواقعية، لكنه ما يزال حتى الآن، بحاجة إلى شرح دقيق ومفصّل،…

    • 1805
    • 9
  •  أين الجزائر من مراكز الدراسات؟

    بإشراف الوزير الأول، عبد العزيز جراد، شخصيّا على تنصيب عبد العزيز مجاهد مديرا عامّا لمعهد الدراسات الاستراتيجية الشاملة في الجزائر، يطفو السؤال مجددا: أين نحن…

    • 479
    • 2
600

4 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • جبريل اللمعي

    لبنان ضحيةٌ للطائفية المؤسَّسة والمقنَّنة. ويشهد اللبنانيون أنفسُهم أنهم متناقِضون في هذا الشّأن: فَهُم يريدونها أن تبقى لأنّ بارُونَ الطائفةِ مسؤولٌ عن توفير الوظائف والقُوتِ والأمن لأبناء طائفته، وهذا واضح في نتائج انتخاباتهم، وهُم من جهة أخرى يَلعَنونها صباحَ مساءَ لأنها لم توَفِّر ما يَسُدّ الحاجة من الوظائف والقوت والأمن. السؤال الذي يعنينا نحن الجزائريين: ماذا فعلنا لِغَلق الباب في وجه الطائفية التي بدأت فِراخُها عندنا في هَزِّ أذيالها؟

  • سامي

    يقال أن المجرم هو أول من يصل الى مكان الجريمة

  • محمد

    فضلت الشعوب العربية منذ قرون عيشة الابتزاز وركنت إلى الاعتماد على الخارج لكسب قوتها عوض فلاحة أرضها واستغلال مقدراتها بإقامة الصناعة عوض تمكين هيمنة البنوك الربوية وتشجيع السياحة الخارجية الهادفة إلى إفساد الطبائع واستعباد البشر.هذا النوع من الاقتصاد حول العرب إلى خاملين رافضين العمل الجدي تزخر في أوساطهم كل الموبقات معتبرين ذلك الصورة الواقعية للتفوق الحضاري.هذه المأساة لا تتركز في لبنان فقط فدعارة الأطفال وأنواع الخيانة تشمل كل الوطن العربي ولو بدرجة منفاوتة.فلننظر إلى أين يكمن المرض لنستأصل جذوره.هذا ليس تشفي فيمن حلت بهم الدوائر لكن الهروب إلى الأمام لا يغني شيئا.لقد جمدت القلوب في الصدور

  • مسعود البسكري

    مجرد تساؤل:
    هل للغرب فضائل؟
    عندما وصل بصحفي “مرموق” أن يستعمل نفس أوصاف الغرب عن إيران وتركيا والترويج لها، فلا أتعجب أن يتأثر المواطن العربي العادي بذلك.
    تكلم المقال عن سعي فرنسا لتعزيز نفوذها ووصفه بـ”فضائل” الغرب.
    وتكلم عن المشروع التوسعي الإيراني ووصفه بالفارسي الصفوي، والطوراني العثماني وجعلهما في سلة واحدة مع المشروع الصهيوني. فمن كان يرى للغرب فضائل أخلاقية وسياسية فهو أعمى أخلاقيا وسياسيا أن لم تكشف له أحداث السترات الصفراء وجورج فلويد وكورونا وتعامل فرنسا وأمريكا بصفة خاصة مع المهجرين حقيقته.
    أخيرا، حينما أستنطق تاريخ الجزائر، فأنا مع من قال: أفضل ظلم تركيا ولا عدل فرنسا.

close
close