-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

معاهدة مقابل علبة “نفة”

عمار يزلي
  • 863
  • 0
معاهدة مقابل علبة “نفة”

الصراع بين الجزائر وفرنسا اليوم، هو نفسه صراع الأمس مع متغيرات جيو سياسية لا تتعدى تبادل الأدوار وتغير الزمن والألقاب. نفس الجو الذي كانت عليه الجزائر قبيل الإطاحة بعصابة الحكم السابق، كان سائدا داخليا وضمن العلاقة مع فرنسا التجارية والتنازلات السياسية والاقتصادية وحق الامتياز على حساب الخزينة العمومية مع استغلال خبيث لاتفاقيات إيفيان.

ما يلاحَظ ضمن هذه المقاربة المقارنة، هو ما جاء في بنود معاهدة 1820 مع فرنسا التي اعتبرت وقتها مجحفة في حق باريس لتعوُّدها على امتيازات لا نظير لها في الجزائر بضغط من الباب العالي منذ قرنين من الزمن، وكأن الامتياز الفرنسي في الجزائر صار ملكية، لها حق السيادة المطلقة عليه. هذا في الوقت الذي بقيت فيه المعاهدة الجزائرية الإنجليزية الموقعة سنة 1824م، لا تتعدى بنودها الشروط الخمسة حول حقوق القنصل الإنجليزي في الجزائر وضرورة حمايته واحترام إطاره الدبلوماسي. كل هذا مقابل “هدايا” شخصية: قبول بريطانيا تغيير قنصليها كما هو مطلوب منها القنصل ودفع هدية للداي ممثلة في مسدسين مرصّعين وساعة ذهبية وصنيدقة نفة (الشمة المستنشَقة)، قيمة الجميع نحو 100 ألف دورو. وهذا بحسب مذكّرات الحاج أحمد الشريف زهار ص 154.

مع هذا، كانت المعاهدة مع فرنسا محاولة لتقليص العجز في الميزان التجاري للتجارة الخارجية الجزائرية، بعد تقلُّص”العمليات الجهادية” ورأب الصدع في ميزان المدفوعات الداخلية والتي كانت تدفع لعساكر الوجاق (من أتراك وكراغلة) وعساكر “الصبايحية” (السبايس: الجنود النظاميون) ولأعوان الإدارة على مختلف مراتبهم التي كانت الوسيلة الوحيدة لتأطير الغضب الشعبي المتزايد داخل القبائل وتشرُّب الاستياء داخل جهاز الإدارة المبني على “عوائد الدنوش والهِبات”، بالإضافة إلى المرتّبات القارّة، وربحا لولاء مقابل إنهيار ولاء مظهري شعبي خارج حدود الإيّالة، بفعل تنامي تنوّع وارتفاع الضرائب الشرعية المقتلعة من جلود القبائل العربية من طرف رجال المخزن و”محلات” قبائل المخزن.

لقد سجّل النشاط التجاري الخارجي للإيالة تقلُّصا ملحوظا في الصادرات لصالح الواردات وهذا منذ مطلع القرن التاسع عشر ليصل حجم الواردات الجزائرية سنة 1822م ما يعادل مليون و200 ألف قرش إسباني (الدورو) هذا في الوقت الذي لم تسجل فيه الصادرات خلال نفس السنة سوى ما يعادل 273 ألف دورو، بحسب د. جمال قنان. (نصوص ووثائق في تاريخ الجزائر الحديث. ص 280).

هذا الوضع القانوني للامتياز الفرنسي، سوف يشكِّل الحجر الثلجي الذي سيتعاظم مع الوقت وحركية التاريخ والاقتصاد السياسي الفرنسي، الذي ستُبنى على أساسه كل الحجج المؤدية إلى”الحملة التأديبية” ضد الداي إثر افتعال “حادثة المروحة”.

الوضع الذي ورثته السلطة الحالية من النظام السابق، على الرغم ممّا يبدو عليه الأمر من أن القطيعة غير حاسمة، إلا أن التغير والتعامل مع فرنسا لمصلحة الجزائر اقتصاديا وسياسيسا وندية، يشبه إلى حد ما الظرف الذي عاشته البلاد ما بعد معاهدة 1820 مع فرنسا، التي كانت تراها مجحفة في حقها “التاريخي في الجزائر”. استفاقة الداي كانت متأخِّرة للأسف، لم يُعِدّْ لها العُدَّة من قبل. نفس الوضع عندنا اليوم مع مسار الجزائر الجديدة، إنما ظروفنا اليوم أحسن بكثير من ظرف الأمس، ويمكن أن نتجاوز هذه الوضعية بسهولة إن توفرت الإرادة السياسية لذلك وإن هزمت بقايا الامتدادات السياسية والأيديولوجية والاقتصادية والعلمية والإعلامية لنفوذ فرنسا في الجزائر، عندها سنكون قد استوعبنا دروس الماضي لأجل بناء الحاضر الجديد لمستقبل جديد في علاقتنا مع فرنسا كجار ومتعامل شأنه شأن بقية الدول الأخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!