الإثنين 14 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 14 صفر 1441 هـ آخر تحديث 16:46
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

معركة الانتقال الدستوري التي كسبها “الشعبُ وجيشه”

ح.م
  • ---
  • 12

أمامنا درسٌ على المباشر من الجارة تونس على ما كان ينتظر الجزائر من عبث الطبقة السياسية وبعض النخب المتعالية على العامة بنفخ سخيف، لو لم تتمسك مؤسسة الجيش بمسار الانتقال الدستوري، ونجحت على الأقل في كسب ثقة جانب من الحَراك في الجزائر العميقة، وربما ثقة القسط الأكبر من الكتلة الناخبة.

سبع سنوات مما وُصف بـ”الانتقال الديموقراطي” في تونس كانت كافية لتخريب الاقتصاد التونسي الهشّ أصلا، وهدم المؤسسات الخدمية في الصحة والتعليم، وإدخال البلد في دوامة الاستدانة الخارجية التي تستهلك خدمتُها ربع ميزانية تونس، ورهن مصير القطاع العمومي بيد الدائنين، فيما تقاسمت النخبة الحاكمة ما بقي من الريع في تغذية اقتصاد كامبرادوري فاسد، قائم على الاستيراد والاستيراد بما هو ألعن مما كانت متّهمة به العصابة المختطِفة للقرار في قصر المرادية وحكومتي سلال وأويحيى، ليبدأ صراعٌ خفي بين الفريق المختطِف للقرار برئاسة الجمهورية وقيادة الجيش.

حتى الآن لم تُكتب السطور الأولى من قصة هذا الصراع الذي قد يُؤرَّخ لبدايته منذ سنة 2015 مع ترحيل الفريق توفيق، وشروع العصابة في تغيير الطابع الجمهوري والشعبي لمؤسسات الدولة، مع فتح طريق سيار لثلة من الأوليغارك، على منوال ما فعله إيلتسين في روسيا، اصطدمت بمقاومةٍ خفيَّة من مؤسسة الجيش، قد أخرجت للعلن في حادث تعيين وإقالة رئيس الحكومة عبد المجيد تبون، ليحتدم الصراع في صيف 2018 على خلفية فضيحة الكوكايين.

وحده من تابع هذه الأحداث التي سبقت وهيَّأت الأجواء لـ22 فبراير يعلم حجم التحديات التي طُرحت على مؤسسة الجيش، التي سيُحسب لها بأمانة حسنُ إدارتها لواحدةٍ من أخطر الأزمات التي تعرَّضت لها الجزائر، قد ضاعف من خطورتها عملياتُ تطويق حدود البلد ببؤرٍ ساخنة في ليبيا وحدودنا مع دول الساحل، وإعادة تسخين جبهة الصحراء الغربية، ناهيك عن تراجع موارد الدولة وتفنُّن حكومة أويحيى في تحويل التمويل غير التقليدي إلى فرصة متجدِّدة لنهب المال العام لفائدة طغمة الأوليغارك.

مع هذه الخلفية المركّبة، يتوجب على كل منصفٍ أن يثمِّن الدور الذي لعبته مؤسسة الجيش في مرافقة الحَراك بتأمينه غير المسبوق من أي انزلاقٍ خطير نحو المواجهة كما حصل في السودان، والاستجابة المدروسة لأهمِّ مطالبه بتعطيل مسار العهدة الخامسة، ثم إحباط مسار التمديد، وأخيرا نجاحها في إفشال مخطط الانتقال خارج الدستور، الذي كانت تعوِّل عليه العصابة كفرصة لخلط الأوراق وإحباط عملية التطهير الجارية في مؤسسات الدولة، رأيناها تنجح حتى الآن في تجديد رؤوس الإدارات الكبرى، وتستكمل عملية تفكيك “دولة الدي أر أس” وتحجيم نفوذ الزمرة الفاسدة من الأوليغارك.

النجاح الأكبر الذي يُحسَب للمؤسسة بعد أن تهدأ الأمور، قد تمثَّل في حماية البلد من التدخُّل الأجنبي المباشر وغير المباشر، بفضل تمسُّك المؤسسة بالحل الدستوري، الذي أبعد عن البلد دوليا شبهة الانقلاب العسكري الذي يُتخذ عادة كذريعة للتدخل، وأنا على يقين أن الأطرف الدولية المعنية بالوضع في الجزائر، تكون قد قيَّمت بموضوعية وعقلانية الكفاءة التي أدارت بها مؤسسة الجيش حَراكا شعبيا بالملايين دون تسجيل حادثٍ دموي واحد، ودون تعطيل نشاط الكيانات الحزبية وجمعيات المجتمع المدني، وقد ساعدها السلوكُ الحضاري السلمي لأهل الحَراك في تجنيب البلد أخطار الانزلاق نحو المواجهة والصدام، ويليق بالمنصفين أخيرا تثمينُ دور رئاسة الدولة المؤقتة وحكومة بدوي وقيادة أركان الجيش، وصبر هذا الثلاثي على حجم هائل من التهجم عليهم، مع علم الرئيس وبدوي بحتمية الرحيل مع نهاية السنة، واستلام الرئيس المنتخَب لولايته بشرعية تكفلها إدارة الاستحقاق لأول مرة بهيأة مستقلة سوف تحرم الفاشلين من ستر عوراتهم بدعاوى التزوير.

موازنات

مقالات ذات صلة

  • الممكن والمستحيل!

    بعض الوجوه الحزبية التي كانت تثرثر بالجملة والتجزئة قبل أشهر قليلة، سرعان ما اختفت و"ضرب النحّ" دون سابق إنذار، ولم يعد لها ظهور أو وجود…

    • 287
    • 1
600

12 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • محمد البجاوي

    راك خارج مجال التّغطية …أفق..أفق ..

  • إسماعيل الجزائري

    لأوّل مرة يا سي حبيب تتحدّث دون محسّنات بديعية (لا تلميح، و لا كناية، و لا استعارة . . ). ربّي يستر!

  • Mehdi

    Papapapa hadi chitta intercontinental !!!
    Ils t’ont viré, coupé les vivres, ils t’ont obligé à mendier et à travailler au noir pour nourrir tes enfants et tu continues à vendre ton âme au diable ?

  • المهاجر

    ان لم تستحي فاصنع ما شئت ….. لا ردّ عليكم إلا بهذه الصيغة اليالغة التعبير من سيد الخلق صلى الله عليه و سلم

  • صنهاجي قويدر

    مقال رائع يعرض القضية بتبصر وروية و يستنتج افكار واقعية

  • elarabi ahmed

    أقبح شيء هو أن لاتعرف او لاتدرى أن الناس تعرفك .

  • صالح بوقدير

    استدلال مع الفارق شتان بين دسور الشعب ودستور العصابة

  • احمد بن عائشة

    منذ نشأة الشروق و انا اتابع السيد راشدين …. تحاليله اشبه بسهام عنترة لا حطي الهدف مطلقا ..
    من تابع مسار الازمة من بدايتها و عززها بتحاليل الاستاذ راشدين يدرك المرء اما ان الرجل قارئ للفنجان او من صناع القرار …فمدام ليس لا الاول و الثاني فانه يستحق ان نصفه بالمحلل الفذ

  • كريم

    حتى انت دخلت فالصف حابين كلكم ترضيو السادة الجدد.

  • محمد ف

    أكبر مدخل للاستبداد والخداع هو ادعاء الأغلبية دون أدوات تقييم مُحَكِّمة.

  • ياسين

    موضوع في الصميم…لكن الذين لا يقرأون التاريخ (القريب منه و البعيد) لا يمكنهم فهم ما يجري في البلاد ….فالقوم كانوا إلى وقت قريب من رافعي الأيدي و الأرجل يزينون “للشيطان” الطريق…لكنهم و بقدرة قادر اصبحوا عباقرة في السياسة كما في الاقتصاد و التنظير؟؟؟ من أمثال الذين خرجوا ذات يوم من 92 في مظاهرات بالعاصمة تنديدا بأول انتخابات حرة و نزيهة في تاريخ الجزائر مما قدم المبرر لحزب فرنسا بقيادة نزار بالانقلاب على الشاذلي و الغاء نتائج الانتخابات و إدخال البلد في دوامة الدم و الدموع؟ و ساندهم في ذلك الأرسيدي و غيرهم الأحزاب المجهرية التي تدعي اليوم “نظافة اليد من دم الشعب”؟؟؟

  • خالد مفتاح

    تحليل موضوعي باسلوب ديبلوماسي في الحقيقه يوجد خصمات:
    – الجيش الذي اثبت لاول مرة أنه شعبي و طني (لا ضحاية) وليس بجيش نظامي
    – الذي يقود الحراك حاليا فئة الفرونكبربرءست التابعين للعصابة، هدفهم اركاع البلاد و تسليم الاقتصاد لنادي باريز..

close
close