الأحد 23 سبتمبر 2018 م, الموافق لـ 13 محرم 1440 هـ آخر تحديث 10:57
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

معركتنا مع الأصنام لم تنته

  • ---
  • 3

انتشرت الصنمية والوثنية في منظوماتنا الفكرية والثقافية.. وتم تحويل الدين عن مهماته الاجتماعية والإنسانية إلى أن يصبح أداة قتل وتشويه وتخريب في المجتمعات والحياة الآدمية.. ولقد أصبح التشويه كبيرا ومتنوعا في كل حياتنا ولعله أخطر ما تعرضت له الأمة في العشريات السابقة، عندما كان العربي يأخذ كمية من العجوة ويشكلها على نمط معين يتعبدها، وإذا جاع عاد إليها فأكلها، إنما كان يُعبّر من خلال ذلك عن حقيقة عبودية استفحل أمرها في واقع الناس، ولطالما ركل أحد العرب الهه المصنوع من خشب أو طين أو بال عليه يستفزه: رد عنك الأذى إن كنت تسمع أو ترى.. ورغم ذلك عندما جاءهم رجل منهم هو أصدق العالمين بإجماعهم وأكثرهم أمانة يحذرهم من فساد الرأي وتيه المشاعر وانحراف المعتقد قاموا في وجهه يدافعون عن أصنام لا يؤمنون بجدواها ولا قدرتها ولا وجاهتها، ولطالما وبخوها وهم في أكثر الأحوال تطرفا يعتبرونها تقربهم زلفى إلى الله الواحد الأحد.. إلا أن دفاعهم عن سلبيتهم وفساد رأيهم قادهم إلى حروب وصراعات استمرت سنين طويلة ضد رسالة التوحيد.
وعندما انتصر العقل على الجهالة وتقدم الوعي على التعصب وانتشرت الفضيلة على حساب سواها وجههم رسول الله أن يحطم كل قوم صنمهم بأيديهم فتهاوت الأصنام واحدا تلو الآخر، واكتشف الجميع بأن هذه الأصنام لا جدوى منها ولا فائدة ترجى عندها.. وانتقلوا إلى عقيدة الاسلام التي حررت العقول ففتحت أمامها عملية ضخمة من التفكير والتجدد الانساني فصنعوا قاعدة انطلاق حضاري تراكمت عليها انجازات لازالت الأمة تقتات منها.
بين عبادة الأصنام والتحرر منها استمرت حركة العقل العربي تترنح ذات اليمين وذات الشمال.. وكلما قدح مصلح زناد الوعي تبخرت الأصنام أو اختفت وكلما غطت الأوضاع المختلة واقع الأمة تمددت الأصنام والوثنية تحت كل المسميات لتعطل كل إمكانيات الإنتاج العقلي.. وكانت الوثنية وعبادة الأصنام هي البديل المنطقي والطبيعي لغياب الحرية والوعي.
ونحن الأن لسنا بدعا من حركة المجتمعات عبر التاريخ ونواميسها؛ فلقد تسللت الوثنية والأصنام إلينا وتحوّلت كثير من الأوضاع والأفهام شكلا من أشكال الصنمية والوثنية ولم تستثن هذه الموجة أي جزء من مكوِّناتنا الثقافية والسياسية..
صحيح أن كثيرا من الأفكار وُلدت كاستجابة لتحد ما كالفكرة القومية والاشتراكية وكان لها انجازاتٌ معتبرة، إلا أنها سريعا ما تحوّلت إلى أصنام فأصبح العرقيون يتعبّدون بها وأصبح الاشتراكيون المتعصبون يجدون فيها دينا لهم.. وأخطر الدوائر التي تسللت إليها الوثنية والصنمية المتلونة تلك التي لها علاقة بالدين فأصبح الدين مع هؤلاء قاتلا مجللا بالدم والفتك..
وبسرعة شديدة من خلال نظرة سريعة على القرآن الكريم نكتشف أعمدته الأساسية وعلى رأسها الرحمة والعدل والفضيلة ومجموعة القيم الانسانية المتميزة، هذا جنبا إلى جنب التحرير العقلي والنفسي والقلبي من كل الإيحاءات التي توحي بأن هناك تسللا للشيطان “الأصنام والوثنية”.. نجد القرأن الكريم حالة متكاملة من الحرب ضد الإمعية والوثنية والصنمية والنمطية أنه يدعو للتفكر والتدبر ولإحداث عملية يقظة من التفكير للوصول إلى ما يبتغيه الله لعبده.
وبنظرة سريعة أيضا على واقع الدعاة إلى الإسلام من خلال تيارات عدة نكتشف فورا أن هناك تسللا خطيرا للصنمية والوثنية.. عندما يتحول كلام الشيخ الفلاني أو العلاني إلى مرجعية لا يُردّ عليها فإن ذلك يعني أننا إزاء وثنية صنمية، وخطورة هذا يحصل في حين يظن أصحاب هذا الابتلاء أنهم يحسنون صنعا.. فالدفاع عن الطائفية وثنية مقيتة، والدفاع عن الحزبية صنمية وثنية رديئة، والدفاع عن الأشخاص جملة إنما هو درب للضلال والتيه.
لقد أصبح قول الشيخ الفلاني أو العلاني في محل التقديس والعصمة حتى لو اصطدمت مواقف له مع صريح التوجيه القرآني ومقصد الشريعة، كما هو واضح لدى كثير من الرجال المعتمَدين كمراجع، ولقد حذر الرسول محمد صلى الله عليه وأله وسلم من اتخاذ الرهبان والأحبار آلهة من دون الله يحرمون ويحللون برأيهم.
لقد تم نقل الاسلام من دوره الاجتماعي والانساني إلى نمطية سلوك فردي متخم بالتنطع والمزايدات التي توغل في التشدد بالتحوّط على صعيد الشكلن فيما هي قد فرطت بتوجيهات الاسلام الاجتماعية التي هي الترجمان الحقيقي للإيمان، وهي مناط التكليف نحو عباد الله.. لقد تمت زحزحة الاسلام عن وظيفته الانسانية والاجتماعية، ففي حين اعتمد الاسلام على قاعدة حرية الاعتقاد والتزام السلوك المفيد للمجموع انقلب هؤلاء المستجدون القدماء إلى المحاسبة على المعتقد، والتفلت من كل التزام مادي عملي نحو المجموع.
إن الانحراف الذي يحاصر الدين في طائفة ومرجعية الدين في شيخ وعالم دين يكون قد وجه الطعنة الأولى لدور رسالة الاسلام والخطوة الخبيثة التي تفقده إنسانيته وطبيعة رسالته إلى العالمين، أما الضربة الأخرى القاتلة فهي محاولة تقديم صورة معينة عن الاسلام وكل من لا يعتقدها ويعلن التزامه بها تشن عليه الحرب التي تستبيح دمه وعرضه وماله.
الأصنام والوثنية من جديد تطل علينا في الوطن العربي والعالم الاسلامي، وللأسف أن الصنمية المعاصرة أخطر من تلك القديمة.. فاليوم تقوم مؤسسات دولية بتمويل كبير لصناعة نمطية دينية معينة تقوم بتشويه صورة الاسلام ورسالته، فتحدّ من تدفقه في الغرب المتعطش، هذا من جهة ومن جهة أخرى لتفتيت المجتمعات العربية والاسلامية وتفجيرها بمقولات وأوضاع تخريبية كما حصل مع داعش والنصرة والقاعدة وتيار التشدد والتطرف.
ومن هنا فنحن نقف بشكل ما أمام واجب استثنائي في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها أمتنا ولعلها أشد الأخطار ضراوة تلك التي تشوّه منهجنا وتغير معالم ديننا ومن هنا كانت حكمة الدعاء “ولا تجعل فتنتنا في ديننا”.. هنا الاشتباك المتشعب والخسارات الفادحة الداخلية.
من الواضح أن هناك جملة إجراءات تمت لتوليد مناخ حاضن للعنف والارهاب ولتيار يقوم بأسوإ مهمة مرت في تاريخنا الاسلامي.. والعملية ليست ارتجالية أو جزئية إنما هي تتم من خلال مؤسسات سيادية عليا في الغرب بناء على دراسات ومراكز تقدير الموقف ورسم الخطط.
في القرون الأخيرة اشتغلت المؤسسات الاستعمارية على مستويين: الأول صناعة مناخ يولّد الإرهاب من خلال نشر جماعات وثقافة تنشر أفكارا وسلوكا يوقع الخسارة الفادحة بجبهاتنا الداخلية وذلك تكاملا مع هجومه المباشر على عناصر وجودنا الإنساني.
ومن هنا يجب أن تتكامل مهماتنا في التصدي للاستعمار الخارجي وتطهير ميدان الأفكار والثقافة الدينية من الانحرافات داخليا.. تولانا الله برحمته.

عندما يتحوّل كلام الشيخ الفلاني أو العلاني إلى مرجعية لا يُردّ عليها فإن ذلك يعني أننا إزاء وثنية صنمية، والخطورة هذا يحصل في حين يظن أصحاب هذا الابتلاء أنهم يحسنون صنعا.. فالدفاع عن الطائفية وثنية مقيتة، والدفاع عن الحزبية صنمية وثنية رديئة، والدفاع عن الأشخاص جملة إنما هو درب للضلال والتيه.

https://goo.gl/mtHXn6
الاصنام الجهل في العمق

مقالات ذات صلة

  • هِـلْبرت يُنافس... آينشتاين!!

    جرّنا الحديث في مقالات سابقة إلى آينشتاين (1879-1955) ونزاهته.. وقد ارتبط جزء من أعماله بعمل الألماني ديفد هلبرت Hilbert (1862-1943). وإذا كان مؤرخو العلوم لا…

    • 1438
    • 3
  • عن (إسرائيل) الرحيمة...!

    الكلام الذي قاله الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بخصوص "إسرائيل" وبأنها كانت "أرحم على العرب من تيارات وجماعات الإسلام السياسي"، يمثل سقوطا حرا للنظام…

    • 1999
    • 19
3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • RG

    وما هي صورة الإسلام الحقيقية التي قصدت بأنها شوهت
    في الحقيقة الإسلام تاريخه أسود منذ بدايته حتى نهايته

  • ابو اسامة

    بخلاف الدين هناك اصنام علمانية ما زالت قائمة ويعبدها الناس مثل بشار الاسد وصدام حسين والقذافي والسيسي هؤلاء اصنام علمانية اكثر من هبل يقدسها الناس ويقدسون انفسهم

  • abou anes

    إلى المعلق ِAG ، كلامك يفهم على أنك غير مسلم، فأنت لا يناسبك هذا المقال ولا هذا الوطن، الإسلام تاريخه ناصع اعترف به حتى الأعداء ، وإن كانت هناك تجاوزات فهي تنسب لأصحابها والأسلام براء منها، إن كنت تعد نفسك جزائريا فتب إلى الله و استغفره إنه تواب رحيم ولا تكذب فالجزائري ذكي يميز جيدا بين الحق والباطل، وما الثورة الجزائية إلا حسنة من حسنات الإسلام الذي جمع الشمل في وجه عدو غشوم.

close
close