-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

معيشة “بلا ـ ستيك”!

عمار يزلي
  • 1396
  • 0
معيشة “بلا ـ ستيك”!

عادة ما استعملنا المنشار الخشبي لنشر قطع بشرية كل شيء فيها متخشب وآخرها اللغة الخشبية! كل من تسلط تخشب بعدما تفحم وصار كل على نفس الشاكلة: “خشب مسندة”، يحسبون كل صيحة عليهم”! قلت في نفسي: الخشب اليوم تطور وصار من بلاستيك! كل شيء اليوم تحول إلى هذه المادة التي لا تذوب في الأرض. ولعل هذا ما جعل الناس يقبلون على شراء البلاستيك في البلاستيك! البلاستيك في كل مكان! البورسات في كل زاوية وقنت! في الجو، في البر والبحر. إذا قام الريح وانتفض غبار البلد، ومنعك من أن تستريح، ودارت دوارة العجاج، والغبرة ورائحة الدجاج، فلا ترى إلا أكياس البلاستيك المتعددة الألوان في كل الفجاج، تتطاير في جو السماء كأنها في معراج! نافخة أوداجها ضاحكة على الاعوجاج فينا وعلى عباد الله غير الصالحين الراغبين في الاندماج، في حضارة تنفخ اليوم في أوصالها والأوداج، راجية أن يعود التخلف لطبيعته لظفر الفرد بما يحتاج، من أكل طبيعي وحياة طبيعة بلا ازدواج.

كل شيء صار من بلاستيك. حتى البشر. سيأتي اليوم الذي تصبح فيه أحاسيسهم وأعضاءهم المرقعة في شكل قطع غيار، كلها من بلاستيك وهذا حتى لا ينخرهم الدود كما كان الحال أيام الخشب! أنا شبه متأكد أن بعض الناس عندنا، والذين لا يفكرون لا في الموت ولا في النشور، يودون لو أنهم بدلوا وجوههم وأرجلهم وبطونهم وظهورهم ورؤوسهم وأحشاءهم وأعضاءهم بالتمام والكمال  بالبلاستيك أو إلى بمادة لا يأكلها دور الأرض ولا التراب! فعندما نسمع بنساء يوصين بدفنهن مع حليهن ومجوهراتهن، نفهم أن عصر الفراعنة لم يتولى، بل إن إنه “ولى”، أي عاد!

بقيت أفكر يوما كاملا في مشكلة البلاستيك! ليس هذا قبل أن يقرع رئيس الحكومة جرس الانذار المتأخر ـ وليس المبكر ـ بشأن حليب أكياس البلاستيك، بل قبل ذلك! انطلاقا من واقعي “المغشي” وبيتي المتفشي!: عدت من المرشي توجعني “كرشي”، منتشي، أقف ثم أمشي، كلي بلاستيك من الخارج وفقط جسمي من لحم كأي فلفل محشي! مظلة من بلاستيك، وجلباب واقي من المطر من بلاستيك أخضر لا يغذي ولا يعشي! وفي يدي كيسان أزرقان كبيران مملوءان بالخضر والفواكه المعلبة في أكياس: حمراء، صفراء، شفافة، خضراء، بيضاء، سوداء، بنية، رمادية! كل كيلوا من لون، في بورسة من ألوان! حسبت عندما دخلت البيت: 26 كيسا صغيرا و10 أكياس أصغر، وكيسين حاويتين أزرقين ضخمين لا يحملهما إلا حمالة الحطب أو حامل الغضب” تصوروا! كل شي في كيس! حتى الخبز في كيس! حتى أننا وضعنا في المطبخ كيسا للأكياس! نرمي في القمامة والأوساخ، ونوسخ فيه الرماية القميئة! قال لي صديق: ألا ترى في أمريكا كيف يشترون ؟ تعبأ لهم السلع في أكياس من ورق! لأن الورق يتآكل ويذوب في التراب ويعاد تدويره، أما البلاستيك، فعندما يذهب إلى التربة، يعمر هناك السنوات الطوال، لا يزول ولا يذوب! في أوروبا، لم تعد المساحات الكبيرة تعطيك أكياسا، إلا إذا اشتريت كيسا من عندهم وليس من البلاستيك المعد للرمي! كيس أغلى، بحيث تكون مجبرا على أخذ كيس للتسوق! هذا لا يعني أن البلاستيك قد زال عندهم، لأنهم هم مصدر هذا السموم، يريدون اليوم التخلص منها، ويعلمون على ذلك، فيما نحن نقبل على استهلاكها بدون أدنى خشية من العواقب! أنا أشك أن الحليب سيباع يوما عندنا في أكياس من كرتون! لأننا نحن نحب البلاستيك أصلا! لم نقم بعد بأخذ ضربة على القفا ولا نعرف بعد معنى هتك الطبيعة واغتيال البيئة! حتى أن أمريكا بعثت لنا بترميناطور، من أجل استئصال أكياس البلاستيك من الطبيعة والدفاع عن البيئة عندنا ، انطلاقا من وهران! وهران التي تحولت إلى مزبلة لكل أنواع السموم والهموم، وأشكال البشر  المذموم الذين لا نعرف من أين جاؤوا بممارسات لم نعتدها من قبل هذا اليوم المعلوم! أنا لست متأكدا أن ترميناطور سوف يقضي على مشكل البيئة عندنا في الجزائر انطلاقا من وهران! لو كان ذلك من تلمسان مثلا أو من أية مدينة وولاية مجاورة، لكان الأمل أوفر! لكن من وهران! أرنولد، راه غير يدفش! نحن نحب البلاستيك؟ ألا تفهم! نحن نحب أن نرى الوسخ والأكياس الملونة كأسراب الحمام والغربان والزرزور وطيور النورس، تسبح في جو السماء، صافات ويقبضن، لا يمسكهن إلا الله! نريد أن نرى البورسات في كبد السماء تقوم بالاحتفال الملون لنا في كل يوم حزين! نرمي البورسات حبا في رميها! نريد أن نرى عماراتنا وشبابيكنا وأشجارنا تعلوها وتعلق فيها وعليها كل ألوان البورسات الملونة! البورسات ليست وحدها المشكل، وإن كانت هي المشكل! الماء، صار يستهلك أكثر في قوارير البلاستيك! الزيت، الخل، أنواع العصير الليموناد، المواد المصبرة، أنواع الأجبان واللحوم المفرية! اللحم المجمد، يوزع في البلاستيك! لم يعد الكاغط يعرفه أحد! وإذا وجدتم اليوم جزارا يبيع اللحم في كاغط.. سلموا لي عليه!

المشكل، ليس أننا لا ندرك، بل ندرك ولا نتدارك إلى أن نهوي في الدرك الأسفل! وقد بدأنا فعلا في ذلك! هذه الأمراض التي لم نعرف لها اسما ولا سميا، ولا أصلا ولا فصلا، اليوم تنهشنا من الداخل! فكل مآكلنا ومشاربنا وتنفسنا من بلاستيك! نتنفس البلاستيك، ونتحدث في البلاستيك ونركب في البلاستيك. ننام على البلاستيك ونغني في البلاستيك ونقرأ في البلاستيك ونجلس على البلاستيك ونحلم بالبلاستيك، ونشم بالبلاستيك البلاستيك!

حتى الأغنام والأبقار والحيوانات العشبية، صارت اليوم تأكل البلاستيك لوفرته ولتفوقه على العشب! حتى في الصحراء! البلاستك صار سيد الموقف!: أحد رجال الطوارق قال لي قبل عدة سنوات، أن كبشا (من نوع “السيداون”) أكل له “بارشوك نتاع ريتمو! معنى هذا، حتى اللحم الذي نأكله من بلاستيك، ما دام أن الحيوانات عندنا صارت تتغذى على البلاستيك! (وهذا ما يفسر غلاء اللحوم، لاسيما خرفان وكباش الهضاب التي لا تزال تعيش على الحلفاء والقضيم والقرطوفة.

بشرانا عما قريب “نعيد” على كباش بلاستيكية من نوع المسلسل الكرتوني البلاستيكي ” شون دي شيب “.

http://ammar-yezli.blogspot.com

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!