-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مفاهيم غير سياسية

محمد بوخطة
  • 660
  • 6
مفاهيم غير سياسية

إنَّ الوضع الذي تكون فيه السلطة السياسية الحاكمة في مواجهة مباشرة دون وسائط مع القاعدة الشعبية، هو وضعٌ غير طبيعي، الطبيعي أن تكون هناك وسائط سياسية تقوم على ترسيخ الممارسة السياسية وتهذيبها من أجل الأحسن وفق معايير وأدوات واضحة ومنضبطة.

إن الجماهير حين تُضام أو يضيق بها العيش تعبِّر عن رفضها بشتى الطرق، وهنا يبرز دور الأحزاب السياسية بمدى قدرتها على احتواء هذا التعبير وهذه المطالبات ـ إن لم تكن صانعة لها ـ وتلك فرصتها الطبيعية في ممارسة الحكم والتداول على السلطة بالطرق الديمقراطية الشرعية.

إن الانفراد بالسلطة ليس إيجابياً في كل الأحوال، ولا تكون السلطة قوية إلا إذا كانت لها معارضة أيضاً قوية وفاعلة؛ إنها صمّام الأمان الذي يحمي السلطة من التغوُّل والانحراف، فهو أيضاً استثمارٌ لصالح السلطة بالمعنى السياسي النبيل. من هذا المنطلق أقدر أن الوضع الذي نحياه استثنائياً يجب أن يبذل الجميعُ جهده لتجاوزه إلى حياة سياسية طبيعية تقوم على مرتكزات الفعل السياسي الجاد الذي يعجِّل بالتغيير المحقِّق للمصلحة الوطنية:
ـ لا مناص من أن تكون السلطة السياسية مشبَّعة بإرادة التغيير، تؤمن بمبدأ التداول على الحكم وتفسح المجال أمام ذلك في منظومتها التشريعية بالقدر الذي يحمي الممارسة السياسية من كل ضغط أو توجيه غير موضوعي، ويفسح المجال أمام المعارضة للوصول إلى الحكم متى أقنعت الإرادةَ الشعبية المعبَّر عنها بجدِّيتها وأولويتها، طبعاً كل ذلك في ظل قوانين تحمي النظام العامّ وتصون مؤسسات الدولة من كل ما يتهدد بنيانها.

المفارقة العجيبة هاهنا أن نحرص على تشجيع الشباب على الممارسة السياسية كأحرار، مقابل إحالة تأسيس الأحزاب السياسية على العقبات الإدارية بدل الاكتفاء بالتصريح كما هي الجمعيات غير السياسية، وهو ما يبدو غير مفهوم لأن حاجتنا إلى تنشيط الساحة السياسية تبدو أكثر إلحاحاً من حاجتنا إلى تنشيط المجتمع المدني، إذ الأزمات السياسية حلولها سياسية يُنتجها السياسيون، ثم إنها لا يمكن أن تكون فاعلة إلا من خلال المؤسسات الحزبية، التي تعتبر في الديمقراطيات العريقة مدارسَ لإنتاج الفكر والكفاءة القيادية بعيداً عن تدوير الرداءة ورسكلتها لتطيل بقاءها، إن جهد الأفراد مهما كان فاعلاً ونزيهاً لا يمكن أن يكون آلة للتغيير.

إن إقحام الأفراد في الممارسة السياسية خارج المؤسسات الحزبية يحوِّلهم إلى أدوات طيِّعة في يد السلطة السياسية أو غيرها معرضين للاختراق بشتى أشكاله، فالممارسة السياسية ضمن المؤسسات الحزبية تشكّل حامياً بشكل ما.

ولا مناص من أن تنشأ معارضة سياسية تؤمن بحقها في ممارسة الحكم والتداول عليه، لا تشعر بالنقص أمام السلطة الحاكمة ولا تقدم نفسها أداة طيِّعة لأداء دور مرسوم لها في المشهد السياسي، بل تشارك هي ذاتها في صناعة هذا المشهد وحمايته من كل تجاوز غير ديمقراطي قد يعطل حقها في الوصول إلى الحكم متى وفرت أدواته.

بين هذه وتلك، تقديماً أو تأخيراً، الفيصل هو الإرادة الشعبية التي يعبر عنها أفراد الشعب وفق المؤسسات الدستورية الشعبية في ظل انضباط سياسي والتزام قانوني حتى نستبعد كل الطرق والوسائل فوق العادة التي تخلُّ بمبدإ الأغلبية الشعبية وتفوِّض الأقليات صاحبة الامتياز التاريخي في الحكم من أجل بسط سيطرتها خارج إطار القانون، ليس هناك طريقة أخرى لتحقيق استقرار سياسي يفرز وضعاً اجتماعياً واقتصادياً متقدماً.
هذه القيم أو غيرها ترسِّخها المشاريع الاجتماعية المستقرة، والتي في الغالب تكون نتاج ثورات، كما هي الثورة الفرنسية أو الثورة البلشفية.

عندما يكون معيار الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها هو الرضى الشعبي، حينها سيكون للتغيير الحكومي أو حتى التغيير السياسي مدلولٌ مختلف.

إن العلاقة بين السلطة السياسية والشعب يجب أن تتجاوز سياسة الخوف أو الردع المتبادَل الذي يفرز علاقات اجتماعية متشنّجة ومتوترة تكون عائقاً أمام تنمية أو ترقية اجتماعية حقيقية، بل إنها حين يطول أمدُها ستؤثر على مفهوم الانتماء الوطني وحقيقته، مؤلمٌ جداً عندما يستشعر الشعب غربة من يحكمه. إن اقتناع السلطة السياسية بأنها ملكٌ للشعب يجعلها تتحرك في مضمار شعبيٍّ غير مستفز ولا متمرِّد على الحالة الشعبية العامة التي تستمد ـ السلطةـ وجودها منها.

إلى جانب هذا تبرز مفاهيم سياسية متداولة لابد أن نفحص حقيقتها ونتبيّن كنهها:
كثيراً ما يتردد مفهوم “التكنوقراط” أو حكومة التكنوقراط كبديل عن الحكومة السياسية في نظر الكثير، عند التمعُّن يكون هذا المفهوم غريبا بل دخيلا على الممارسة الجادة للحكم والسياسة. والشائع أن التكنوقراط هو المتخصِّص الذي لا يتعاطى السياسة، ومثل هؤلاء يصلحون لإدارة المؤسسات التقنية ـ أو ربما المشاريع التقنيةـ الاقتصادية من مصانع وشركات وبنوك وما إلى ذلك… وحتى هذه المواقع لا يؤتمن عليها غير المسيَّس في نظري لأني أفهم السياسة على أنها الاهتمام بالشأن العامّ والسعي في خدمته، إن من لا يقدِّر ذلك يصعب أن يأتي أداؤه خادماً للوضع العام.

الحكومة مؤسسة سياسية بامتياز ولذلك لا يمكن أن يدير دفتها غير المسيسين.

إن مفهوم “التكنوقراطي” في نظري لا يجوز أن يكون مقابلاً لغير المسيَّس بل يفترض أن ينصرف إلى غير المتحزب، أي أن التكنوقراطي كوصف سياسي هو الإطار المسيس غير المنتظم في حزب سياسي وفقط. ومثل هؤلاء يمكن استعمالهم في المراحل الاستثنائية لا العادية وإلا فسيكون ذلك مخلا بمبدإ تحكيم الإرادة الشعبية. كيف ذلك؟

إن الحكومة السياسية مسؤولة أمام الإرادة الشعبية ممثلة في المؤسسة التشريعية المنتخَبة والتي تمثل الرقابة الشعبية أداء الحكومة.

وإن الوزير المتحزب مسئول فوق ذلك ومعه أمام مؤسسته الحزبية التي تسعى هي الأخرى لكسب الرضا الشعبي حتى تحافظ على مكاسبها في الحكم أو تسعى إلى توسيعها.

لأخلص إلى نتيجة وهي إن هذا المصطلح من ضمن الآليات التي يراد الالتفاف بها على الإرادة الشعبية.
أمرٌ آخر أراه أيضاً بعضاً من آليات الالتفاف على الإرادة الشعبية وهو تجزئة مفهوم المواطنة إلى مفاهيم فئوية مرتبطة بالجنس أو الفئة العمرية أو غير ذلك؛ فتخصيص المرأة أو الشباب بآليات مختلفة في الممارسة السياسية طعنٌ في مفهوم المواطنة وقيمها وإنذارٌ بممارسة الوصاية على هذه الفئات، بل تفريقٌ غير مؤسس مناف للقيم الدستورية الراسخة.

موضوعٌ يحتاج إلى دراسة وبسط هادئ قد أعود إليه، ولكني أكتفي هنا بالقول إن إدماج المرأة في العملية السياسية ليس فعلاً قانونياً ولكنه قناعة فكرية وثقافية نصنعها ونرقيها من خلال المنظومات الفكرية والثقافية التي تصنع الفكر الجمعي وتوجُّهاته، على رأس ذلك المنظومة التربوية والمنظومة الدينية والتي يجب أن يراجَع ميراثنا فيها وفق القيم الدينية الصحيحة المستقرة والتي لا ترتبط بمرحلة تاريخية بعينها أو بهوى سياسي لحاكم أو عقدة فكرية لشيخ أو فقيه، بل من نبعها الصافي عن مبلّغها بعيدا عن كل تلك المدخلات.

غير أن ذلك لن يكون مجدياً إلا إذا تبنَّاه الخطابُ الإعلامي في مختلف وسائله كقضية نضالٍ من أجل تعديل بوصلة الوعي الاجتماعي وإعادة البناء على أسس متينة. إنه جهدٌ يحتاج إلى جرأة وتضحية وانضباط، أما الوقوف عند المساحات المرسومة دون محاولة تحقيق اختراقات هادئة وهادفة ـ مهما كانت بسيطة فهي مفيدةـ لصالح المجتمع والدولة.

أؤمن بأن المعارضة ليست عدوا للسلطة الحاكمة على الإطلاق وإنما منافِسة لها فقط تشجعها على الإتقان والإبداع.
إن تضييق مساحات حرية المعارضة الملتزمة بقيم الدولة ـ لا السلطةـ هي وحدها التي يمكن أن تشحذ البدائل المجدية في الإدارة والتسيير وممارسة الحكم.

على السلطة والمعارضة سواء أن يتساويا أمام القانون، إن ممارسة الحكم لا تمنح على الإطلاق الحق في الترخيص بمخالفة القوانين أو العدوان عليها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • ثانينه

    نثمن مثل هده الافكار التي تساهم في وعي المواطن انت جرئ الله يكثر امثالك مع العلم انك ما قلته ما هو الا الحقيقه

  • خالد

    الاشكال واضح للعيان في الجزائر ( خاصة بعد استفتاء الدستور و نتيجته التي اعلنتها السلطة ذاتها ) و هو سلطة وجها لوجه مع الشعب بعيدا عن الاديولوجيات و هذا لم يحدث من قبل و بالتالي مسألة الأحزاب و مسألة الانتخابات هي كلام سابق لأوانه لأن الحراك تخلص من الاحزاب ....الحل هو أولا إعلان شجاع من طرف السلطة لحل كل شيء بما في ذلك الأحزاب يقابله إعلان قائمة رسمية من طرف الحراكيين يكفي أن يقبلها الشعب حتى و إن لم تقبلها السلطة للاتفاق على التغيير الجذري و خطواته بشفافية أمام الشعب .لأن السلطة في حدذاتها في هذه الوضعية تتحول إلى مجرد أفراد تابعين للشعب و هذ أمر طبيعي من أجل هدف أعظم و أسمى هو الخلاص .

  • جزائر بني نفقون

    المهم كل الطرق ستؤدي حتما إلى سبيل الفشل فلا تنتظروا من ناس همهم بطونهم كل شيئ يحسبونه بدقة متناهية ولكن على مقاس بطونهم

  • فتيحة جابي

    إنَّ الوضع الذي تكون فيه السلطة السياسية الحاكمة في مواجهة مباشرة دون وسائط مع القاعدة الشعبية، هو وضعٌ غير طبيعي.
    هذا هو الابداع الجزائري ؟
    بربك اين درست واين تعلمت فتقديم الايات المعكوسة اصبح الهام جزائري محض.
    نرجوا منك سيدي وانت احسن العارفين ان تراجع ما تكتب.

  • يوغرطة

    الحقيقة المرة ان كل هذه الاحزاب منافقة تماما ولا تمثل الشعب الجزائري ولا مصالحه ولا مصلحة الوطن العليا علي الاطلاق وعليه فيجب الغائها وازالتها فورا من الساحة السياسية والي الابد .
    علي ممثلي الحراك الصادقين الاوفياء والشرفاء والارجال الاحرار منهم ان يقوموا بانشاء جمعيات وتنظيمات واحزاب حرة تمثل الشعب ومصلحته العليا هذا هو الحل

  • aziz

    "المفارقة العجيبة هاهنا أن نحرص على تشجيع الشباب على الممارسة السياسية كأحرار، مقابل إحالة تأسيس الأحزاب السياسية على العقبات الإدارية بدل الاكتفاء بالتصريح كما هي الجمعيات غير السياسية، وهو ما يبدو غير مفهوم لأن حاجتنا إلى تنشيط الساحة السياسية تبدو أكثر إلحاحاً من حاجتنا إلى تنشيط المجتمع المدني"

    بل هو أمر مفهوم تماما إلا لمن يرفض الفهم: الإرادة السياسية للإنفتاح غير موجودة بل إرادة التمويه والإلتفاف.