-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مفهوم “النوفمبرية” كما أرادها المفجرون

د: رشيد مياد  
  • 408
  • 0
مفهوم “النوفمبرية” كما أرادها المفجرون

إن الثورة الجزائرية ومعها بيان أول نوفمبر لم تولد من العدم أو الفراغ، بل رُعِيت طفولتُها بحضانة طويلة من المقاومات الشعبية، ونضال سياسي وطني استمر زهاء نصف قرن، وجاءت جبهة التحرير الوطني كمولود شرعي لها، وإطار مرجعي جامع لهذا الرصيد التاريخي الزاهر، مستلهمة الدروس من سني الجمر التي عاشها الشعب الجزائري برمته تحت غطرسة الاحتلال، ومن ثم فإن نوفمبر الثورة لم يتنكر لجزء من كل هذا الميراث، بل هو نتيجة طبيعية ومنطقية، وخلاصة تاريخية مكثفة لكفاح طويل مرير ضد الاستعمار الفرنسي الاستيطاني.

إذا كان الاستعمار قد أصيب بدهشة وصدمة، من الانطلاقة الكبرى فإن قادة الثورة ومخططيها الأوائل، قد حرصوا على أن تكون انطلاقة الثورة الكبرى محددة، وواضحة، مفهومة الأهداف والمطالب لدى الشعب الجزائري، والرأي العالمي حتى لا يكون لدى السلطات الاستعمارية، أي عذر في مقاومتها، أو امتناع من الاستجابة لمطالبها ولكي تتقطع عليها يد الرجعة، وتمنعه من محاولة تشويهها، وتصوير أهدافها للرأي العام الدولي، بما يخالف الواقع والحقيقة. فكان بيان أول نوفمبر من أبرز نصوص الثورة ومواثيقها، إذ حمل العديد من الأبعاد والخصائص والقيم التحررية والحضارية والدينية، ولئن فقدت هذه النصوص قيمها بفقدان ظروفها ووقتها الذي صدرت فيه، فإن بيان أول نوفمبر1954 مازال وسيظل محتفظا بقيمه إلى يومنا هذا.

نحاول إبراز أهم القيم التي عمل مهندسو الثورة التحريرية المجيدة على تكريسها في بيان أول نوفمبر التاريخي، ثم في مسار الكفاح المسلح الذي أوصل الثورة إلى مبتغاها، معاني الحرية والعدل والدفاع عن حقوق الإنسان، وهي في مجملها مبادئ نبيلة نصت عليها أعرق المواثيق العالمية التي تدعو إلى نبذ الاستعباد وترسيخ قيم المساواة بين بني البشر.

فقد تضمن بيان أول نوفمبر 1954م التشخيص الدقيق والجواب الشافي والكافي لعلاج الوضع المأسوي الذي آل إليه الشعب الجزائري، ومن خلال الاطلاع الأولي على البيان نجد أنه متضمن لأربعة محاور رئيسة هي:

– الظروف والعوامل الظرفية التي أدت إلى صياغته وتقديمه كإعلان وبلاغ لاندلاع الثورة التحررية باسم جبهة التحرير.
– تحديد طبيعة الثورة وأهدافها ووسائل كفاحها، وإطارها الوحدوي المغاربي، مع تأكيد صعوبة المهمة وعظم المسؤولية، لكن النتيجة النصر آت لا محالة، وهو محور يرسم ويحدد المعالم الكبرى للدولة الجزائرية المستقبلية وأسسها الوطنية.

– إبراز طبيعة المعركة مع المستعمر الكولينيالي الإمبريالي، وإعلان شروط التسوية الممكنة معه، مع تقديم الضمانات الكافية لمصالحه المشروعة، الثقافية والاقتصادية، وكذلك لرعاياه من المستوطنين وحلفائه الآخرين من الحركى وغيرهم.

– إعادة الثورة إلى حضنها الطبيعي وهو الشعب الجزائري، كما تضمن البيان ديباجة عملت على توضيح أسباب نشره، والذهاب إلى العمل الثوري، وفي آخر البيان طالبت جبهة التحرير الوطني من الشعب الجزائري مباركته للبيان، ودعم الثورة لتحقيق الحرية.

– أكد البيان على ضرورة كسب الرأي العام وتوحيده حول حركة التحرير الوطني، وهذا من خلال دعوة جميع الجزائريين إلى الكفاح المسلح. كما أشار البيان إلى تصفية الاستعمار باستعمال كل الطرق المتاحة بواسطة تعبئة الجماهير، وتدويل القضية الجزائرية بمساندة حلفائها التاريخيين وهم العرب وكل القوى المحبة للعدل. وأضاف البيان: “استمرار الكفاح بكل الوسائل إلى أن تتحقق أهدافنا وذلك طبقا للمبادئ الثورية ومراعاة للظروف الداخلية والخارجية”. ويفهم من هذا النص أن الوسائل الإعلامية ستكون في المقدمة وستلعب دورا هاما وأساسيا في تحقيق وإنجاز هذه المهمة.

وتضمن البيان على جملة من المبادئ الواضحة التي جعلت الشعب الجزائري يلبي هذا النداء ويلتحق بالثورة من أجل تحقيق الهدف لرئيس ألا وهو الاستقلال الوطني، يمكن تلخيصها في ما يلي:

مبدأ الكفاح أو الدفاع عن الوطن:

كان بيان أول نوفمبر، واضحا في تحديد معالمه بدقة، انسجاما مع المبادئ الثورية الفاصلة، واعتبارا للأوضاع الداخلية، الخارجية، فإننا سنواصل الكفاح بجميع الوسائل حتى نحقق هدفنا.
لذا فإن اختيار الفكر الوطني للكفاح المسلح، هو ضرورة حتمية فرضها ذلك التناقض المتمثل في وجود الاستعمار الناكر للشخصية التاريخية والسياسية للشعب الجزائري، وأن لا سبيل للتوقيف بين الرغبة في استعادة الشخصية الوطنية وتنميتها ووجود الاستعمار، الجاثم على أرض الوطن، وهذا التناقض لا يمكن حله جذريا، إلا بالكفاح المسلح.

مبدأ الوحدة:

من خلال دعوته للوحدة الوطنية الداخلية (سياسيا واجتماعيا) وهو ما يتجلى لنا من التسمية الجديدة للحركة التي تقود النضال الثوري جبهة التحرير الوطني، ودعوة البيان كافة الأحزاب والحركات الجزائرية للانضمام إليها، ولذلك فلا غرابة أن نجد النداء يجدد مرة أخرى الأخذ بمبدإ المصلحة الوطنية قبل كل اعتبار، وأشار إلى ذلك بقوله: “لهذا نكون قد وضعنا المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الشخصية”، وكذلك دعوته لتجميع وتنظيم الشعب الجزائري، وتصفية الاستعمار وكذلك الدعوة إلى الوحدة المغاربية، وهذا يقودنا إلى القول بأن الفكر الثوري الجزائري هو فكر وحدوي، مدرك لأهمية الوحدة، وأهميتها التاريخية.

مبدأ الحرية والديمقراطية:

لا توجد حرية دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية دون حرية، لذلك جاء الربط في نص بيان أول نوفمبر، وثيقا بين المبدأين فالديمقراطية هي مدينة الحرية، وإذا كان بيان أول نوفمبر قد أقر بالحرية الفكرية فذلك لأن حرية التفكير من أهم مقومات الحريات الأساسية.

مبدأ العدالة:

فإنه يمكن القول إن هذا المبدأ، معبر عنه في وثيقة أول نوفمبر، أكثر من عبارة ولا أدل على ذلك ما جاء في فحواه “إعادة بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية الشعبية”، معنى ذلك، الدولة تكفل لجميع أبنائها حقوقهم وواجباتهم، دون تمييز عرقي أو ديني.
مبدأ السلم: نلاحظ أن بيان أول نوفمبر بدعوته إلى التفاوض لوقف الحرب، قد تضمن تصورا للحل السلمي، وهذا دليل ضمني على إيديولوجية السلم لدى جبهة التحرير الوطني، في سبيل تحقيق الهدف السياسي العادل والمشروع، وهو ما يبعد تهم التعصب والتطرف عن الفكر الوطني.

البعد السياسي:

ويهدف إلى استرجاع السيادة المغتصبة عن طريق الكفاح المسلح الذي يجب أن يتحول إلى انتفاضة عامة تضعف الجيوش المعتدية، وتخرب الاقتصاد الاستعماري وتفرض جو الحرب الساخنة على فرنسا فتنقاد إلى تفاوض كما حدده نداء الفاتح من نوفمبر سنة 1954.
وفي إطار هذا التوجه السياسي، دعت جبهة التحرير الوطني كافة التشكيلات السياسية إلى الإعلان عن حل نفسها رسمياً، ودفع بمناضليهاإلى الالتحاق بالثورة، فرادى، بالصفوف، وأكدت من خلال النداء الأول وفي مناسبات عديدة، أن التفاوض لا يكون إلا معها بصفتها قائداً للكفاح المسلح وممثلاً وحيداً للشعب الجزائري.
وكان قادة جبهة التحرير الوطني يطمحون، بصدق وإخلاص، إلى استرجاع استقلال الجزائر ضمن الوحدة الشاملة للمغرب العربي الكبير، وذلك تماشياً مع إيديولوجية نجم شمال إفريقيا، وإيماناً منها بأن تلك هي الطريقة الوحيدة لقطع خط الرجعة على الاستعمار بجميع أشكاله وألوانه.

البعد الاقتصادي والاجتماعي:

ويرمي إلى استرجاع الأراضي المغتصبة وإخضاع مجالات الإنتاج والتسويق والاستثمار إلى التخطيط الذي يأخذ بعين الاعتبار واقع البلاد وإمكانياتها واحتياجات الجماهير الشعبية الواسعة.
وبواسطة هذا التوجه كانت جبهة التحرير الوطني تسعى إلى تغيير هيكلة اقتصادية واجتماعية وضعها الاستعمار الاستيطاني طيلة الفترة التي بقيها في ديارنا لتكون دعامة للاقتصاد في (الوطن الأم) ولتبقي الإنسان الجزائري في حالة تبعية دائمة تمنعه من الشعور بذاته وتحول بينه وبين مسؤولياته ككائن له حق التصرف في شؤونه.
صحيح أن جبهة التحرير الوطني لم تبدأ في عامها الأول ببرنامج اقتصادي، واضح لكنها كانت واعية بأن السلطات الاستعمارية قد اغتصبت ممتلكات الجزائريين الزراعية والصناعية خاصة إلى الكولون يستغلونها ويوظفون ثرواتها لتحقيق الثراء الفاحش وللتمكن من ممارسة الاستبداد والاضطهاد على السكان الأهالي، ومن شراء الذمم والأحلاف سواء في أوساط الحكام الفرنسيين بمختلف أنحاء الجزائر أم في فرنسا ذاتها. ولقد تحول ذلك الوعي، في خضم المعركة، إلى رغبة ملحة في استرجاع كل ما أخذ بالقوة. وفي نهاية مرحلة الكفاح المسلح، ظهر التفكير جدياً في إرساء قواعد التسيير الذاتي الذي يعد، بحق، واحدة من الطرق المؤدية إلى انتصار الاشتراكية، والذي هو، في خطوطه العريضة، مأخوذ من تقاليدنا في الإنتاج والتسيير الاقتصادي قبل الاحتلال الفرنسي.

البعد الحضاري:

ويشمل مجالي الدين والثقافة انطلاقاً من مجموعة من الحقائق أهمها:
أ – إن الاستعمار لاقى مقاومة بطولية دعامتها المسجد ومصدرها في غالب الأحيان إحدى الزوايا التي كانت منتشرة عبر مختلف أنحاء البلاد لأجل ذلك وجه ضربات قاسية إلى الدين ساعدت على تشويهه وتزييف تعاليمه وإغراقه في متاهات الشعوذة والدروشة. نقول ساعد لأن الأرضية اللازمة للقيام بذلك العمل إنما كانت متوفرة، شأن الجزائر في ذلك هو شأن باقي البلاد الإسلامية التي كانت تعيش جواً يسوده الظلم والاستبداد اللذين لا علاقة لهما بالإسلام، ويخضع للخرافات التي أبعدت الناس عن الدين الصحيح. أما المساجد، فإنه أفرغها من محتواها الثوري الذي وجدت من أجله، وحول معظمها إلى كنائس، وذلك إذا سلمت من الهدم ولم تحول مادياً إلى مقرات لمؤسسات أخرى دينية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.
إن هذه الحقيقة التاريخية هي التي جعلت الجزائر تلجأ إلى الدين تخلصه من بعض ما علق به من شوائب، وفي ذات الحين ترتكز عليه لتزويد المجاهدين بالطاقة الضرورية لهم في مواجهتهم لأعتى قوة استعمارية تفوقهم عدة وعتادا، ولتعبئة الجماهير الشعبية الواسعة وتوعيتها بالوضع الجديد الذي يجب أن تتكيف معه حتى تتمكن من المشاركة الفعلية في معركة التحرير.
وبالفعل، فإن الذي يرجع، بتأمل، إلى تاريخ ثورة نوفمبر يرى أن التكبير والترغيب في الشهادة قد أديا دوراً أساسياً في تثبيت العزائم وتقوية النفوس وتجنيد أغلبية المواطنين حول جبهة التحرير الوطني.
ب -إن الاستعمار كان وما زال يدرك أن شعباً بلا ثقافة شعب ميت، وأن الاحتلال الحقيقي لا يتم إلا عندما يقضي على ثقافة الشعب المعتدى عليه. فانطلاقاً من هذه القناعة عمدت السلطات الاستعمارية، في بلادنا، إلى تجهيل الجماهير، وتزييف التراث الوطني وطمس معالم الثقافة ومصادرها. بادرت إلى صنع ثقافة جديدة لا علاقة لها بواقعنا، ومثقفين، من نوع جديد، زودتهم بالقيم والأخلاق الاستعمارية. وهنا، أنبه إلى أن التعليم ليس هو الثقافة، وأن هناك من الحصول على الثقافة، وأن هناك من المتعلمين باللغة الفرنسية من تمكنوا من الحصول على ثقافة وطنية واسعة. يعتبر بيان أول نوفمبر 1954م البذرة الأولى في برنامج ومسار الثورة، حيث كان بمثابة الدليل الذي حدد الهدف وأسلوب العمل بكل دقة ووضوح، وكان موجهًا لكل فئات الشعب دون تمييز عرقي وديني، كما قرأنا في ثناياه، ولذلك أصبح لزامًا على الجزائر أن تتخذ منه مرجعية أساسية في عيش حاضرها، واستشرافها لمستقبلها، ذلك أن هذه الوثيقة ومن وراءها تمكنوا من تخليص الجزائر من أشرس امتحان تعرضت له في تاريخها المعاصر، أما بالنسبة إلى دارسي تاريخ الثورة الجزائرية بكل أبعادها وتفصيلاتها، فلا يمكنهم فهمها فهما دقيقا ومنصفا ما لم يعتمدوا بالأساس على هذه الوثيقة الخالدة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!