الإثنين 10 أوت 2020 م, الموافق لـ 20 ذو الحجة 1441 هـ آخر تحديث 19:48
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

مقاومة الأجيال.. في جيناتنا

ح,م
  • ---
  • 3

في حكم السوسيولوجيا الخلدونية، التي ندرِّسها لطلاب علم الاجتماع في مجال “التغير الاجتماعي”، فإن الأجيال تعمِّر 40 سنة، وبالتالي فإن عمر الدول المبنية على النظام القبَلي أو الذهنية القبَلية، بكل أشكالها ومسمياتها، تخضع لـ”الوراثة الجيلية”، تماما كما تخضع الأنساب للوراثة الجينية.. فتعمِّر الدولة 3 أجيال أي 120 سنة، كما هو عمر الإنسان في أقصى تقدير، لكن المدى الزمني قد يطول أو يقصر قليلا أو كثيرا بحكم إنسانية التاريخ، لأننا لا نتعامل هنا مع قوانين الفيزياء أو العلوم الدقيقة.

وما يُقاس على الإنسان يقاس على المجتمعات الإنسانية باعتبارها كائنات ومكوِّنات اجتماعية تُخلق بالإنسان، تتطور بقوته، وتضمحل وتموت بضعفه. وهذا هدف ومبتغى كل الباحثين الذين اشتغلوا على التطور والنمو والتغير والتبدل وتنوع الحضارات، من فيكو إلى ابن خلدون إلى ماركس إلى شبنجلر إلى فوكو ياما.

غير أن التغير هي سيرورة دائمة في شكل حلقات لولبية أو كما يسميها البعض في شكل دورات حضارية وجيلية: دورات من 4 و7 و10 ثم من 40 و70 و100 و1000. معناه، أن في كل جيل هناك على الأقل أربع محطات تغيرية يخضع فيها النظام لهزات خفيفة مثل الزلزال الارتدادي تمهيدا لتغير أكبر في40 سنة، ثم في تغير أكبر منه حدة في 80 سنة ونهاية له بعد 120 سنة.

إذا احتسبنا دخول الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830، باعتباره بداية لنهاية ونهاية لبداية وبنينا عليه، وطبقنا النظرية الخلدونية بشأنه، نكون قد انتهينا من الجيل الأول تحت الاحتلال سنة 1870، وهو ما حدث عندما انتهت الثورات الشعبية بالقضاء على ثورة المقراني في 1871، وانتهاء جيل المقاومة، لكن هذا لا يعني انتهاء المقاومة، لأن الجيل القادم سيواصل، لكن بالطريقة التي تناسب الضعف الذي حصل، فيعمل على التحضير عبر الانخراط في العمل السياسي داخل نظام الاحتلال للتعامل مع أو ضد من الداخل، وهي مقاومة ثقافية رمزية سرية، وهذا ما كان بالفعل. الجيل الثاني سينتهي عمليا سنة 1912، وهنا سيكون أمام فرنسا أن تنتظر قيام الجيل الثالث، لتنتهي دورة وجودها الاستعماري، خاصة وأن الجيل الثاني النشيط وطنيا، سيبدأ مع بداية الحرب العالمية الأولى وقبلها بقليل مع التجنيد الإجباري سنة 1912، إذ انتشرت من جديد حركةُ الرفض والعصيان والتمرد، فبدأت المقاومة تستعيد زخمها بداية من نهاية الجيل الثاني، هذا فيما كان الجيل الثالث الفرنسي الاستعماري يبدأ بالولوج في مرحلة النكوص التاريخي: مرحلة الانحدار، ثم الزوال، فيما كنا نحن نمهد الطريق عبر جيل المقاومة الثالث، للجيل الأول للاستقلال، فالجيل الثاني قد انتهى في 1912، وهذا معناه أن الجيل الثالث الذي بدأ في هذه السنة سينتهي في 1952. وهو ما حصل فعلا: الثورة بدأ التحضير لها في الخمسينيات والتفجير كان في 54. عمليا وتاريخيا، عمَّرت فرنسا المستعمِرة 120 سنة، وهذا إلى غاية 1950، وكان عليها وعلى الجزائر المستقلّة أن تمر بمرحلة انتقالية كدورة تاريخية ضمن الدورات الطبيعية الزمنية المقدرة بـ4 إلى 7 إلى 10 سنوات، والتي تمثلت في التحضير للثورة ضمن مخاض الحركة الوطنية بعد 8 ماي 1945.

بهذا المنطق، يكون الجيلُ الأول للاستقلال قد انتهى عمليا في 1992، ومنه حدث ما حدث ونتوقع التغير الكبير وليس الأكبر بعد 40 سنة من 1992، أي سنة 2030.. وقد بدأنا مرحلة الانتقال لـ10 سنوات تحضيرا للانتقال الجيلي.. نحو “الجزائر الجديدة”.

منامات

مقالات ذات صلة

  • صك.. على "سواد"! 

    تجوّلُ الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون في شوارع بيروت المُدمَّرة بمفرده من دون مرافقة من رئيس البلد المضيّف، والاستماع إلى الشباب اللبناني الحزين والغاضب من الوضع…

    • 576
    • 1
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • نمام

    التغيير السلمي للاشخاص الحاكمين و السياسات لم يعرفه التاريخ عندنا طمرا لما سبق فلا يرتفع البناء وهذا يعود الى العلاقة الثارية بين الاجيال سنة الثار في الواقع الاجتماعي و السياسي اباء متمسكون بارائهم متيبسين في كراسيهم مجلس الامة مثلا يسير بشيوخ لم يدركوا نهاية فترة صلاحيتهم البدنية و العقلية لا حسا و لا نبضا ولم يحترموا فترة نهاياتها ويمارسون النفي ضد ابنائهم ويحلون الابناء محلهم فيعاقبونهم بالنسيان ويبقى البناء غير مكتمل

  • لزهر

    المشاكل التي تقلقُ جيلاً من الأجيال تَخبُو عند الجيل التالي (الذي سيأتي)
    الفترة من ١٩٦٢ إلى ١٩٩٠ و الحزب الواحد و المشادات و التناحر إلى الوصول إلى الحكم
    الفترة من ١٩٩٠ إلي ٢٠٠٠ و السوسيولوجييا العمياء المستوردة للسكوت عن الواقع.
    الفترة من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٢٠ النهب و السلب وحب النفس و العائلة

    من جّد وجد
    مذا خبأنا للجيل القادم
    لا شيء

    هذه المشاكل لا نعتبرها حُلت بل لأن اللامبالات العامة تَكنُسُها فقط.
    إشراك الجيل التالي بالتدريج في الحياة السياسية ضروري فلماذا نستمر و كأنه لم يحدث شيء.
    الامبالات العامة بالبلاد و العباد إنتحار جماعي و العياذ بالله.

  • فتح الله

    يبقى الإشكال الوحيد هو ظاهرة “تسريع التاريخ” ، التي تحدث عنها المهدي المجرة رحمه الله.
    فهل ستختصر التكنولوجيا و وسائل الاتصال و التواصل الجديدة عمر الجيل الواحد من بضع عقود الي بضع سنوات؟

close
close