-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مناجاة والدي عثمان سعدي في عليائه

بقلم: محمد سعدي
  • 1272
  • 3
مناجاة والدي عثمان سعدي في عليائه

قبل كل شيء أود الترحم على روحك الطاهرة راجيا من المولى عز وجل أن يتغمدها بواسع رحمته ويسكنك فسيح جناته. كم هو صعب عليّ فراقك يا والدي الغالي؛ لم أكن أتصور أن فراقك مر وصعب بهذه الدرجة. لقد كنت الأبَ والأمَّ والأخ والأخت وكلَّ شيء بالنسبة لي. لقد كنت أعيش وحيداً معك بعد فقدان والدتي في سنة 1997.
وها أنت ذا تتركني وحيداً، أصارع الحياة.
لقد راودتني فكرة كتابة هذه المناجاة إليك منذ وفاتك. وصحيح أن كثيراً من الشخصيات والمفكرين كتبوا عنك بعد وفاتك؛ جزاهم الله خيراً. إلا أن مقالاً من ابنك الوحيد له نكهة خاصة. ترددت بعض الشيء في الكتابة بحكم أني غير متعود على ذلك. لقد ورثت عنك أسلوباً لا بأس به في اللغة العربية، راجياً أن يكون مقالي هذا في المستوى.
سأتطرق إلى بعض خصالك والوقائع التي عشتُها معك بحكم أنني أكثرُ أولادك احتكاكًا بك.
نعم لقد كنت رجلَ المبادئ والقيَم، لهذا فكل شخص غيور على وطنه وذو مبادئ، يترحم عليك.
لقد علمتنا حب الوطن وغرست فينا حب الهُوية والثوابت الوطنية، مع التركيز على مكانة اللغة العربية والحرص على تعليمها لنا كلغة أولى مع التفتح على باقي اللغات الأخرى.
لقد أتقنت العربية بالإضافة إلى تكلمك الفرنسية والإنجليزية وحتى الفارسية.
ففي فترة طفولتي، كانت لديك طريقة فعالة في تلقيننا اللغات الأجنبية: تمثلت في قراءة قصص بالإنجليزية والفرنسية وحفظ مفرداتها الصعبة وتلخيصها.
كما كنتَ تجلب لنا الكتب المدرسية للعام المقبل كي ندرسها في عطلة الصيف.
كنت أيضا سباقاً في تأبين الشخصيات الوطنية والعربية بعد وفاتها.
لم تكن قط تطمع في منصب أو امتياز، والتاريخ يشهد على ذلك. وفي هذا الخصوص أسرد الحادثة التي وقعت لك، عند تولّي الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة زمام الحكم. فقد بعث إليك وزيران سابقان للمنزل قائلين لك: إن الرئيس يطلب منك أن تساعده في حكمه وخُذ أي منصب تطلبه. فاعتذرتَ بطريقة دبلوماسية قائلاً أنا رجل متقاعد وأريد أن أختم حياتي وأتفرغ لخدمة لغة الضاد أشكرك على ثقتك بي وأتمنى لك النجاح والتوفيق.
كما رفضتَ رشوة ضخمة بالدولار الأمريكي في فترة الرئيس الراحل هواري بومدين لمّا كنتَ قائماً بالأعمال في الكويت في الستينيات، وكنت مكلفاً من الرئيس بومدين باختيار الشركة الأنسب والأفضل وبأقل تكلفة في خوض مشاريع تنمية في الجزائر بعد الاستقلال. بعد اختيار الشركة المناسبة لا أذكر جنسيتها سمعت شركةٌ أخرى منافسةٌ لها؛ فأرسلت إليك شخصًا أخرج لك ورقة بيضاء، قائلاً: أكتب المبلغ الذي تريده، فنحن مصممون على أخذ الصفقة. فرددت عليه: لو لم تكن عربياً لما تركتك تكمل فنجان قهوتك. بلّغ من أرسلوك أني لن أخون دم أخي الشهيد وأن الجزائري حر وشهم لا يشترى بملاين الدولارات. وبعد سماع بومدين بالقصة استدعاك غاضباً قائلاً لماذا لم تصارحني بالأمر. فكان الجواب منك لا أريد اشهاراً مجانيًا لمبادئي وقيمي (قمة الرجولة).
كما رفضتَ أراضي للبناء أعطيت لك في الثمانينيات حوالي أربع قطع أرجعتها واحتفظت بواحدة؛ قائلاً أرفض إطلاقاً استغلال نفوذي كعضو في اللجنة المركزية للحزب الحاكم، عندي الحق في قطعة واحدة فقط. وهذا نادراً ما كان يحدث آنذاك.
والدي العزيز لقد كنت غيورا وتحب وطنك، وكنت كلما سافرنا ورجعنا تقول ما أحلى الرجوع إليه.
في فترة العشرية السوداء قالت لك المرحومة والدتي: الجزائر أصبحت خطرة وحياتك في خطر؛ ما رأيك أن نهاجر إلى دولة عربية أو أوربية أو حتى أمريكا. وخصوصاً أنك كاتب ومثقف وتلقيت عدة عروض للتدريس في جامعات مرموقة بالعالم، فأجبتها بالرفض قائلاً: لن أغادر وطني مهما حصل.
وفي هذا السياق أود أن تسمح لي بالتطرق إلى أهم خصالك:
-كنت تسيطر وتقود جلسات النقاش مع إضافة جو مرح عليها أحياناً.
– كنت متمسكا بأفكارك مع الدفاع عليها بأدلة وحجج علمية.
– تتفاعل مع الأخبار الوطنية والدولية وتعلق عليها في شكل مقالات، لا تَكِلّ ولا تَمَلّ بالرغم من تقدمك في السن.
– ختمت حياتكَ في خدمة لغة الضاد والدفاع عنها والتصدي للمد الفرنكفوني بالرغم من تواطؤ جهات أخرى نافذة.
– كنت ذوّاقاً للفن والموسيقى وخصوصاً الأوبرا.
– كنت تكتب مقالات في الأدب والثقافة والتاريخ والسياسة.
خاطبتك ذات مرة قائلاً: تقول إن التطور والازدهار لا يكونان إلا باللغة الوطنية، فأجبت: بلى. قلت انظر إلى سويسرا مثلاً لديها 4 لغات رسمية وهي مزدهرة فأجبتني: اللغة الموحدة لسويسرا هي البنك.
كنت العدوَّ اللدود للكسل والخمول؛ فلمّا تراني أُفرط في النوم تصيح قائلاً: “ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النُوَم”.
تطالع دائماً كتباً في شتى المجالات قبل خلودك للنوم.
فخاطبتك ذات مرة مازحاً: أنت لا تمَل من المطالعة فأجبتني المطالعة هي الدم الذي يسري في عروقي؛ فأجبتك: أنت يتوجب علينا سجنك بعيداً عن الكتب، فرددت قائلاً: ” أمُوتُ. القراءةُ والمطالعةُ هي حياتي”.
كنت قومياً عروبياً تؤمن بالوحدة العربية.
أنا لم أرث عن والدي حب المواظبة على المطالعة، وكنت أقضي وقتي في الأنترنت، ومشاهدة الأفلام كما هو جيل اليوم. فلما تقدمتُ في السن أحسست بنوع من تأنيب الضمير على أني لم أقرأ لوالدي أي كتاب وهو على قيد الحياة، مخافة أن يفارقها؛ ولم أناقشه في أي منها. قلت له ذات مرة: أبي أريد أن أقرأ لك كتاباً وأناقشك فيه، بما تنصحني، فرد عليّ: اقرأ “في ظلال قرطا”، فهي رواية تسرد حياتي بأسلوب قصصي شيق، وفعلا قرأتها والحمد لله وتناقشتُ معه فيها.
تصفحت أيضاً كتاب “الجزائر في التاريخ” وهو أعظم كتاب له، قضى في تحريره مدة سنوات. قلت له هذا كتاب عظيم وقيّم، وبصفتك مجاهدا وعايشتَ الثورة، لماذا لم تعالج فترة الثورة من 1954 إلى غاية 1962 فهذه الفترة مهمة، فأجابني هذه فترة حسّاسة وحرجة لا أود الخوض في تفاصيلها.
ما زلت أتذكر فرحتك العارمة يوم تخرجي من المدرسة الوطنية المتعددة التقنيات. كان يومًا لا يوصف بالنسبة لك. إن لم أقل إن فرحتك ضاهت فرحتي الشخصية، أو فاقتها.
لقد كنت إنساناً متديناً مواظباً على أداء واجباتك الدينية كلها، مع غرس قيم ومبادئ الإسلام فينا، بعيداً عن التعصب والتشدد.
وفي هذا السياق، أسرد حكاية حصلت لي في طفولتي:
كنت في فصل الصيف أرتدي تباناً (شورت قصير) ولما كبرت وتجاوزت الاثنتي عشرة سنة، ضربني واشترى لي سروالاً قصيرا يغطي إلى ما تحت الركبة، قائلاً لقد كبرت يا ابني؛ وعورة الرجل من السرة إلى ما تحت الركبة هذا ديننا.
أبي الغالي.
لما حلّ بك المرض الأخير، أُخبرت بذلك لكوني كنت على سفر في الخارج. هتفت لك، سائلاً عن أحوالك فأجبتني بكل إيمان قائلاً: “الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه”.
تدهورت حالتك الصحية ودخلتُ في صراع مع اخواتي أناضل وأجاهد من أجل بقائك على قيد الحياة. وهنّ كنّا يقلن لي “دعه في المنزل، ينعم بسلام بحضور أفراد العائلة. فالحالة ميؤوس منها”، فلم أبال وأدخلتك المستشفى مرتين، إلى أن وافتك المنية.
أخيراً أطلب من جميع محبي ومتابعي المرحوم عثمان سعدي أن يترحموا عليه ويدعوا له بالرحمة والمغفرة.
رحمك الله يا والدي الغالي وتقبّلك في زمرة الشهداء والصالحين، وسلام عليك إلى يوم أن ألقاك، وإنا على عهدك لباقون.
ابنك الوفي محمد

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • KOFO

    انا لله وانا اليه راجعون. اللهم اغفروله وارحمه واعف عنه وعافيه اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم آمين . أعظم الله اجركم وغفر لميتكم وحسن عزاكم .

  • علي محمد

    نسأل الله أن يرحمه وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، لقد كان رحمه الله والدنا جميعا، وترك بصمة وآثار لا تمحى في خدمة الجزائر والأمة العربيو والاسلامية.

  • خميس فؤاد

    الله يرحمك يا سي عثمان و يسكنك فسيح جنته غبت عنا ولاكن اثارك و مواقفك باقية حية فينا الله يرحمك ايها المجاهد الاصيل الشريف الخلوق