الخميس 21 جانفي 2021 م, الموافق لـ 07 جمادى الآخرة 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

منصّة الباحث.. هل تنهي أزمة البحث العلمي في الجامعة الجزائرية؟

محمد بوالروايح كاتب وأستاذ جامعي
ح.م
  • ---
  • 1

“منصة الباحث الجزائري”، خطوة مهمة في اتجاه تطوير البحث العلمي في الجامعة الجزائرية، منصة ألح عليها كثيرون وتوجس منها آخرون، أما الملحون عليها فهم بيقين الذين يعدون مثالا للفكر المتوقد والعقل المنتج، وأما المتوجسون منها ففريق من الباحثين خلطوا في أبحاثهم عملا صالحا وآخر سيئا، وانتحلوا واقتبسوا ما وسعهم من بحوث الآخرين قصا ولصقا من غير إحالة في الغالب الأعم، وسطوا على جهود غيرهم ونسبوها إلى أنفسهم ونالوا بها -سُحتا- شهادات وترقيات علمية وربما تبوأوا بفضلها مراكز حساسة في الجامعة والمجتمع.

ما أقوله واقعٌ مرير تعيشه كثيرٌ من الجامعات ومراكز البحث العلمي في العالم ولا يمثل حالة خاصة بالجامعة الجزائرية كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين الذين يتحدثون عن أزمة البحث العلمي وكأنها أزمة جزائرية صرفة. حينما نقول إن البحث العلمي في الجامعة الجزائرية يواجه أزمة فهذا لا يعني أن البحث العلمي في جامعاتنا سوادٌ في سواد وفساد في فساد، فهذا حكم قاس وغير مؤسس يخالف الموضوعية العلمية، فهناك للأمانة في الجامعات الجزائرية باحثون جزائريون من المصف العالي ولكن “البيروقراطية الإدارية والعلمية” حالتا دون ظهورهم وبروزهم ونشر خبراتهم لأن هناك “لوبيات” تمتهن احتكار البحث العلمي مستخفية ومحتمية بالسلطة الإدارية والعلمية التي تتمتع بها، والتي قد تضمنها لسنوات وكأنها حقوق مكتسبة وملكية متوارثة.

إن منصة الباحث الجزائري قد برَّأت ذمة الوصاية ممثلة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي استجابت لما كان منتظرا منها ولكن هذه المنصة وضعت في المقابل الأسرة البحثية أمام مسؤولياتها في تطوير البحث العلمي في الجامعة الجزائرية من خلال تحسين وتحيين مخرجات البحث العلمي.

وسيلة لتمييز الباحثين الحقيقيين من المنتحلين

من المؤكد أن منصة الباحث الجزائري ستكون فضاءً علميا للأفكار الجادة التي تفتقدها الجامعة الجزائرية لتطوير أدائها العلمي وإنهاء “لعنة” التصنيف التي جعلتها تتذيل مع أخواتها من الجامعات العربية ترتيب الجامعات العالمية، ليس بسبب ضعف الإنتاج العلمي الجزائري ولا بسبب عجز العقل الجامعي الجزائري ولكن بسبب سياسة البحث العلمي المنتهجة لعقود التي جعلت البحث العلمي في الجزائر حبيس فضاء محلي لا  يتجاوزه إلى الفضاء الخارجي العالمي.

إن سياسة البحث العلمي المنتهجة في الجامعة الجزائرية منذ عقود لم تضع معايير علمية دقيقة لتمييز الباحثين الحقيقتين من المنتحلين فبقي الباحثون المبدعون والمتميزون عنصرا مغمورا داخل منظومة بحثية تضم نسبة لا يستهان بها من باحثين همهم أن تحصد مقالاتهم حصة الأسد من مجموع ما ينشر في المجلات العلمية تحسبا لترقية آتية أو مسؤولية محتملة تعتمد في بعض الأحيان على سيرة ذاتية طويلة مملة يطغى فيها الكم على الكيف.

إن الحديث عن حالات الانتحال العلمي حديث ذو شجون وربما نرجئه لمقالات لاحقة، ولكن يمكنني القول على سبيل الاختصار إن ظاهرة  الانتحال واقعٌ لا يمكن نكرانه بأي حال من الأحوال وقد وقفت شخصيا -في إطار التحكيم العلمي لبعض المقالات- على نماذج منه، فهناك انتحالات بالجملة واقتباسات بالنقطة والفاصلة وبالأدلة الموثقة التي رفعتها إلى من يملك سلطة العقاب والقرار ولكنني لا أدري بعد ذلك ماذا فُعل بها وبأصحابها.

إن منصة الباحث الجزائري ستكون في اعتقادي أداة فعالة لاكتشاف المنتحلين الذين أعتقد اعتقادا جازما بأن أحدهم لن يملك الشجاعة العلمية والأدبية لنشر أبحاثه في هذه المنصة إلا أن يجبر على ذلك لأنه يعلم أن هذه المنصة هي أداة لترقية البحث العلمي وهي أيضا أداة لتفعيل الرقابة على الأبحاث العلمية وتمييز الأصيل من المنتحل.

ويخطئ من يعتقد بأن منصة الباحث الجزائري التي استحدثتها وزارة التعليم العالي في الأشهر القليلة الماضية ستكون منصة تقنية صماء لنشر البحوث، إن هذه المنصة ستكون أداة رقابية تديرها لجنة مؤهلة من الخبراء، تفحص وتمحص الأبحاث وبراءات الاختراع التي ترِد إليها قبل نشرها فلا تنشر منها إلا ما يشكِّل إضافة علمية حقيقية. لن تكون منصة الباحث الجزائري بديلا لهيئات التحكيم العلمي المعتمدة في المجلات العلمية المحكمة ولكنها ستكون بكل تأكيد أداة رقابية أكثر صرامة لانتقاء البحوث التي تستجيب للأهداف البعيدة التي أنشئت هذه المنصة من أجلها بما يمكن الجامعة الجزائرية من اقتحام باب المنافسة العالمية في مجال البحث العلمي.

إن إنشاء منصة الباحث الجزائري التي ظلت سنوات مطلبا جامعيا ملحّا مبادرة تستحق أن نثمنها وأن ندعمها لأنها أداة ضرورية لمرافقة النوابغ وتثمين التميز العلمي من خلال مرافقة الباحثين المميزين وتهيئة الظروف المواتية لهم لتطوير مخرجات البحث العلمي اقتداء بكبرى الجامعات العالمية التي حققت ما حققته من نهضة علمية رائدة بالاعتماد على العقول المبدعة، وهذا هو المسلك الذي ينبغي أن تسلكه الجامعة الجزائرية إذا أرادت الخروج من دائرة المحلية الضيقة إلى العالمية الرحبة.

تولي الجامعات العالمية المرموقة اهتماما بالغا بفئة الباحثين النوابغ الذين يصنعون التميز في تخصّصاتهم العلمية، إذ ليس من المقبول أن يعامَل النوابغ كما يعامَل غيرُهم من عوام الباحثين الذين تعرف من أبحاثهم وتنكر ولا يمكنك أن تجيز أكثرها إلا أن تغمض فيها. إن منصة الباحث الجزائري أداة لمرافقة النوابغ وتثمين التميز العلمي، فمنصة البحث العلمي لجامعة “هارفارد” على سبيل المثال، تتشكل من فريق متميز من النوابغ الذين يعهد إليهم تطوير الآليات البحثية بما يضمن ديمومة الصدارة العالمية لهذه الجامعة التي تخرج فيها “مارك زوكربيرغ” و”بيل غيتس” أصحاب أكبر شركات التقنية في العالم.

منصة الباحث ودور العقول المهاجرة

هناك فكرة خاطئة عن العقول الجزائرية المهاجرة، يتبناها بعض المهتمين بالشأن العلمي، تصوّر هؤلاء أو جلهم على الأقل عُبَّادا للدينار والدرهم وبأنهم يفضلون العمل في الجامعات الغربية على العمل في الجامعات الجزائرية بسبب الفارق المالي والامتيازات المادية والاجتماعية الأخرى. إن الحسابات المادية ليست أولوية لدى جلِّ الباحثين الجزائريين في الجامعات الغربية وهم مستعدون لتوظيف واستثمار خبراتهم العلمية في الجامعات الجزائرية بشرط واحد ووحيد وهو أن توفر لهم هذه الجامعات جوا معينا على البحث العلمي وتحرّرهم من البيروقراطية الإدارية والعلمية، وأعتقد أن هذا سيحفز كثيرا منهم لخدمة الجامعية الجزائرية ولو عن بعد كمرحلة أولى من خلال منصة الباحث الجزائري، فلا شك أن إسهاماتهم العلمية ستدعم هذه المنصة وسيكون لها أثرٌ إيجابي على مستقبل البحث العلمي في الجامعة الجزائرية.

مقالات ذات صلة

  • هذا السيناريو.. ينبغي تجنبه!

    نعرف جميعا أن كافة بلدان العالم تمر في الفترة الحالية بمراحل حرجة من تاريخها. من أكبر دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى أصغرها، وما أكثر…

    • 507
    • 0
  • ملعبة ملوك

    رحم الله بلقيس، تلك المرأة الملكة ذات العقل الكبير، والفكر الرشيد التي لم تغتر لا بعرشها العظيم، ولا بقومها ذوي القوة والبأس الشديد، فلم تأخذها…

    • 606
    • 3
600

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • علي بوتمتام المدية

    نتائج المنصة ظهرت نهار الامس بمناسبة الاعلان عن ترقية الاساتذة المحاضرين الى بروفيسورات .وهذه الخزعبلات لا تنطلي عليكم يا اخانا البروفيسور بوروايح.وهناك اخبار عن افتتاح اول دورة لترقية الاساتذة الى اساتذة مميزينPROFESSEUR EMERITE وحينها سترى ونرى العجائب والغرايب.حافظ على هدوئك ومعدلات السكري والضغط الدموي.

close
close