-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من الاقتصاد السياسي إلى السياسة الاقتصادية

عمار يزلي
  • 608
  • 1
من الاقتصاد السياسي إلى السياسة الاقتصادية

ثلاثة أشياء تتحكم في نمط الاستهلاك عندنا: التخوف من الندرة، العمل بالإشاعة، المضاربة. العناصر الثلاثة مرتبطة ببعضها بعضا ارتباطا عضويا، ولا يمكن فكاك أحدها عن الآخر من دون جرّ الثانية والثالثة إلى “مثلث الفوضى”.

هذه المظاهر هي جزءٌ من ظاهرة التحول غير المتكافئ أو الانتقال العشوائي أو الفرملة الاقتصادية أو حالة مراجعة لضبط الخلل. نحن جرّبنا كل هذه الحالات عبر مسيرتنا التنموية منذ الاستقلال، وكنّا كمن يبحث عن نموذج مثالي للتطبيق المحلي. غالبا ما كنا نتحدث عن “خصوصية التجربة الجزائرية” أو “النموذج الجزائري للتنمية”، دون أن نعطي لهذه الخصوصية حقها في التعريف والبحث والدراسة، بما في ذلك التجربة الاشتراكية بعد الاستقلال عبر “التسيير الذاتي”، عشية الاستقلال. فشلت التجربة رغم نجاح أكثر من موسم زراعي بعد الاستقلال في ظل قانون الاصلاع الزراعي الأول، والسبب إداريٌّ تسييريٌّ مع نفاد مخزون السماد وتقادم العتاد وما انجرَّ عن هذا من تآكلٍ للبنية التحتية وتضعضع القوة العاملة المالكة لوسيلة الإنتاج حسب قانون التسيير الذاتي. فشل الإصلاح الزراعي والصناعي أيضا بسبب التخريب الذي طالته أيادي الإجرام الاستعماري عشية الاستقلال بعد تطبيق سياسة الأرض المحروقة، مما زاد في طين الإصلاح الاقتصادي والزراعي بلّة في عهد الراحل بن بلة.

كان على السلطة بعد 19 جوان 1965، أن تواصل التنمية ضمن الخيار الاشتراكي، لأنه لم يكن هناك أفضل منه في غياب أيِّ بديل؛ فانتهاج الرأسمالية وقتها، في غياب رأسمال وطني قوي، كان يعني عودة الاستعمار من الباب الخلفي، وهذا ما جعل الخيار الاشتراكي قطيعة أمام عودة الرأسمالية المرتبطة أساسا عندنا بالاستعمار. كان على الرئيس الراحل بومدين أن يفكِّر في ثورة ثانية بعد ثورة التحرير، ترجمها سياسيا في شكل ثلاثة مشاريع ثورات: زراعية وصناعية وثقافية. غير أن التصنيع الذي أعطيناه أهمية كبرى كأساس لتراكم رأس المال عبر التمويل بعائدات النفط، عكّر صفو التنمية الزراعية التي صارت مقطورة تجرُّها قاطرة الصناعات التحويلية الثقيلة، مما خلق ندرة في المواد الزراعية، وهذا ما حدث في روسيا الاشتراكية بعد ثورة 1917، وخاصة مع 1924، مما جعل لينين وقتها يدعو إلى ما سماه بالنظام “الاقتصادي السياسي الجديد” (NEP) لتفادي ندرة الموارد الزراعية والغذائية التي يعول عليها المواطن في معيشته اليومية.

ما حدث عندنا مع الثورة الزراعية والصناعية بعد اختيار “نمط ديبرنيس التنموي” المعوِّل على الصناعات المصنِّعة، هو م اسيحدث لروسيا فيما بعد، فيما نجحت الصين التي اختارت الاستثمار أولا في القطاع الزراعي كمرحلة أساسية للتراكم البدائي للرأسمال الذي سيُستثمر لاحقا في الصناعات التحويلية والاقتصاد والمكْنَنة الزراعية والصناعات المصنِّعة فيما بعد. نجحت الصين وفشلت التجربة السوفياتية لهذا السبب، ولهذا السبب فشلنا أيضا في اختيار النموذج التنموي ولم نسايره لمّا لاحظنا أننا سبَّقنا العربة على الحصان وهذا بسبب رحيل الرئيس المُلهم الذي فرض التجربة. رحيله نهاية السبعينيات جعل ورثة السلطة الموروثة تفكر في ردم “البئر المعطلة” وتشييد “القصر المشيد”. عوض أن نواصل في البحث عن الماء عبر الحفر إلى الأعمق مع دراسة التحولات وتفادي العقبات والصخور. ردمنا البئر وعملنا على حفر بئر ارتوازية ثانية.. لاحظنا بعدها أنه لا ماء بالثانية وأن النفط غير دائم وقد بدأت أزمة 1996، تطلُّ برأسها، فكانت تجربة إعادة الهيكلة وبقية التجارب التي لحقت إلى يومنا هذا. لهذا حتى لا نقع في نفس التجارب، النموذج المختار لابدَّ أن يصمد مع الوقت والتحسين والتذليل والدراسة والمتابعة من طرف المختصِّين والفاعلين وصولا إلى آخر ضربة معول في آخر حجر عثرة ينفجر منها الماء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • بوقفة الشاوي

    مصطلحات عظيمة وكبيرة لكن واقع فاسد مزري مخزي . انظمة تتلاعب بالمصطلحات الرنانة لتدويخ الشعوبواقناعها بعالم افتراضي لا وجود له لكن الحقيقة بعيدة كل البعد .