-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من كرامات الثورة الجزائرية!!

التهامي مجوري
  • 834
  • 0
من كرامات الثورة الجزائرية!!

نحن هنا لا نتكلم عن أولياء لله صالحين، ولا عن معجزات للأنبياء، وعلى عن خرافات عوام يستدلون بها عن صلاح زيد أو عمرو، وإنما ننقل حقائق وقعت، وأبطالها بشر ولكنهم ليسوا كسائر البشر، سواء بمستوى نبلهم أو بسبب تفاعلهم مع ثورة كانت تملك من الشرعية ما يطوع الجبال ويزلزلها، ما بالك بقلوب البشر، ومهما كانت مبررات هذه الوقائع، فإنها تعد من نوادر السلوك البشري، أو قل هي وقائع غير قابلة للتكرار إلا في جو يشبه هذه النماذج من أهل الفضل والصالحين ومن حذا حذوهم.

بدعوة من فضلاء ليبيا المساندين للثورة الجزائرية دعي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ليقضي شهرا في ليبيا، فيلتقي فيها بالمثقفين ورجال السياسة والأعيان بهذا البلد الشقيق الذي كان يقوده واحد من أبناء الجزائر الفضلاء وهو الملك إدريس السنوسي حفيد أحمد الشريف السنونسي الجزائري، مؤسس الحركة السنوسية في ليبيا، رحمهم الله جميعا.

ولكن في اليوم الأخير الذي قرر فيه الشيخ البشير مغادرة ليبيا أصيب بوعكة صحية، وانهارت قواه بحيث لم يعد قادرا على شيء، وصادف أن قررت قيادة الثورة بليبيا في ذلك البوم بأن تغتنم فرصة وجود الشيخ بين ظهرانينهم، وتدعوه لإلقاء محاضرة للجمهور الليبي، ولم تكن القيادة على علم بمرضه، وانتدب للقيام بهذه المهمة الأستاذ محمد الصالح صديق وقد كان من بين المسؤولين في قيادة الثورة يومها، فذهب إليه ورآه على تلك الحال، ووقع في حرج كبير، أيجبر الشيخ على شيء وهو في هذه الحال؟ أم يتركه وشأنه ويعتذر للجماعة؟ أم أن الخطب جلل، ويقتضي المزيد من التضحية ولو كان ذلك على حساب راحة الشيخ؟ لا سيما وأن الموضوع هو الثورة الجزائرية، والجهة الداعية هي قيادة الثورة، والمدعو عالم من علماء الجزائر؛ بل عالم من علماء الأمة، في هذا الواقع الذي يقبل كل فكرة، إذا اعتذر الشيخ ليس لأحد أن يرفض اعتذاره، وإذا استجاب على حساب صحته وراحته، فهو أهل لذلك الفضل…

ولكن الموضوع أكبر من أن يعتذر له ويقبل الاعتذار، فلا يليق بمثل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أن يعتذر، ولا يرجى من قيادة الثورة قبول الاعتذار؛ بل لا يجوز طرح فكرة الاعتذار أصلا… مهما كانت الأعذار، وربما هذا ما اهتدى إليه الأستاذ محمد الصالح صديق، عندما شعر بأن السيخ غير قادر على تلبية الدعوة، فما كان للأستاذ محمد الصالح الصديق أن يعود من غير الشيخ، ولكن ماذا يفعل والشيخ في وضع اصحي لا يسمح له بالإكثار من الحركة، وهو على عازم على السفر، ولكنه لم يستسلم، إذ خطرت بباله فكرة ترغيب الشيخ بما يحب، وهو يعلم مدى حب الشيخ للجزائر وتعلقه بها وبثورتها المباركة وبتاريخها العظيم، ومدى تقديره وحبه لكل من قدم للجزائر وخدمها، وشرع في رواية ثلاثة وقائع شهدها الأستاذ محم الصالح في الشعب الليبي البطل، أثناء وجوده بليبيا ضمن القيادة السياسية للثورة المتمثلة في جبهة التحرير الوطني، وبدأ يحكي عن هذه الوقائع الثلاث.

الواقعة الأولى: كانت هناك سيارة تحمل أغراضا لقيادة الثورة الحزائرية وكانت في مستوى عالي من السرعة… فدهمت طفلا مات في لحظته، فأسرع أهله إلى مكان الحادث، وظهرت عليهم الرغبة في القصاص وشهوة الانتقام من الفاعل، لا سيما والشعب الليبي يومها شعب بسيط وتركيبته كما هو حال العالم العربي كله، قبلي في تركيبته وطبيعته، لا يمكن أن يفكر إلا في القصاص أو الثأر، وبلغت القلوب الحناجر… لأن القضية قضية ليست سهلة؛ لكونها ليست مجرد حادث خفيف يمكن تجاوزه بسهولة، من ناحية أن فيها موت، ومن ناحية أخرى السيارة وما فيها ومن فيها تابع للثورة الجزائرية…، وبينما الأمر كذلك وفي هذا الجو من التوتر والحيرة، أُخْبر والد الطفل المقتول، بأن هذه السيارة تابعة للثورة الجزائرية… فقال بملء فيه، اعتبروا أن ابني واحدا من شهداء ثورة الجزائر، وعفا عن السائق الذي تسبب في القتل!! ودفن الموضوع وكأن شيئا لم يكن.

الواقعة الثانية: أن هناك رجل فقير يقف يوميا في مكان مزدحم بالسيارات متسولا، بلباسه الرث وهيئته الصعبة، والبرد يلفح وجهه، فيجمع ما كتب الله له أن يجمع من صدقات المحسنين. وفي يوم من الأيام، شوهد ذلك المتسول يتبرع مما جمع من المحسنين إلى الثورة الجزائرية.

ويبما كان ذلك في أسبوع الجزائر في طرابلس أو في غيرها من المدن، وهو الأسبوع الذي تنظمه شعوب العالم الإسلامي بالتنسيق مع قيادة الثورة الجزائرية، ترويجا للثورة وصناعة للرأي العام الدولي، وجمع تبرعات شعوب البلاد العربية والإسلامية.

الواقع الثالثة: أن عروسا في يوم عرسها محمولة على الهودج لتزف إلى زوجها، وفي طريقها “الكورتاج” إلى بيت الزوجية لمحت سيارة مارة بجانبها وعليها علم بألوان لم تعهدها في بلادها، فسألت والدها عن هذه السيارة وسر العلم الذي عليها، فقال لها الوالد هذه سيارة الثورة الجزائربة، وهذا علم الجزائر…، والعروس بلا شك كانت تسمع عن الجزائر وعن ثورتها المباركة وعن أسبوع الجزائر في لبيا، وتسمع عن الأخبار التي تتداولها ألسنة الناس، إذ لم يكن الراديو يومها من حظ الفئات الوسطى والمعوزة.

وفجأة لوحظ على العروس أنها تنزع حليها من أصابعها ومن يديها ومنعنقها ومن أذنيها، وتقول لوالدها، أتبرع بكل هذا إلى الثورة الجزائرية.

فقال لها الوالد مستعطفا إياها، يا بنيتي هذه ليلة عرسك أتركي شيئا تتحلين به، فأنت عروس يجب أن تفرحي بيومك، ولا يليق أن تبقي هكذا بلا حلي… فردت العروس قائلة إن فرحتي وعرسي الحقيقي هو عندما تتحرر الجزائر.

تمت القصة والشيخ البشير يستمع بكل جوارحه؛ بل إنه بدأ يتململ عند انتهاء الأستاذ محمد الصالح رواية الواقعة الثانية، وقال أين عكازي؟ ولكن الأستاذ لم يتوقف حتى أكمل الواقعة الثالثة.

استعد الشيخ وطارد المرض مطاردة المستشعر للواجب على القعود، رغم ان الشيخ من طبيعته ليس من أهل القعود ولكن المرض وهو في بدايات الشيخوخة، وخرج مع الأستاذ إلى حيث مقر القيادة، ثم إلى قاعة السنما المقرر إقامة النشاط بها، وهي أكبر قاعة في طرابلس، وقد كانت ممتلة على آخرها.

وبعد تقديمه من قبل المجاهد المغوار أحمد بودة رحمه الله وهو أحد أبناء ونشطاء الحركة الوطنية، انطلق الشيخ في الكلام مفسرا قوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران 103]، متجاهلا مرضه وآلامه ومستلزمات سفره، وهو في تلك السن المدبرة لطاقة الشباب والفبلة على رتابة الشيخوخة، حيث كان في العقد السابع من العمر، واستمر متحدثا عن واقع الأمة وحاجتها إلى التكاتف والتعاون والانشغال بهمومها كلها كانشغالها بهموم بعضها… واستمر الشيخ على تلك الحال من الثورة الأدبية العلمية الوعظية المحرضة على الجهاد والتعبئة له مدة ثلاث ساعات  متتاليات، والناس تتابع وتستمع لتملأ كل ما بها من جوارح وأحاسيس من معين أمير البيان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي.

وإذا كانت تلك الوقائع النادرة في الحياة البشر تعد في عرفنا من الكرامات التي أكرم الله بها الثورة الجزائرية، فإن الكرامة التي نقلت الشيخ المريض من فراش المرض إلى قاعة المحاضرة ليخاطب الناس بكل ما أوتي من قوة، في موضوع حساس كالدعوة والتحريض على احتضان الثورة، وبناء رأي عام محتضن للشرعية الثورية، لا تقل أهمية عن الكرامات المذكورة آنفا، وإنما هذه كرامة طبيعية، والأخريات كرامات مكتسبة من صنع الشعب الليبي العظيم.

حي الله ليبيا والشعب الليبي، ورفع عنهم الغبن الذي يعيشونه هذه الأيام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!