الأحد 07 مارس 2021 م, الموافق لـ 23 رجب 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق
أرشيف

لم تعد الروابط الدينية والثقافية والحضارية التي تميز العلاقات الأمريكية الصهيونية من القضايا المخفية عن القارئ العربي، فمنذ ثمانينيات القرن العشرين ظهرت مجموعة من الكتب الهامة التي توثق جذور هذه الروابط وترجعها إلى أصولها العقائدية التي بدأت مع الإصلاح الديني البروتستانتي الذي جعل التوراة اليهودية في متناول المواطن الأوروبي العادي وأزاح عنها التفسيرات المجازية التي كانت الكنيسة الكاثوليكية تغلف بها النصوص المقدسة وتوائمها مع المعتقدات المسيحية التقليدية التي نسخت انتخاب الشعب الإسرائيلي المختار ووعده بأرض الميعاد، وذلك لصالح أتباع يسوع المسيح، كما اكتسح هذا الإصلاح العقيدة اليهودية التقليدية التي كانت قد أجلت كل وعود التوراة إلى قيام المسيح المنتظر، وساق في طريقه اليهود أنفسهم نحو تبني التدخل البشري في تحقيق الإرادة الإلهية والتسريع بظهور المسيح بعدما كان هذا التدخل في إرادة الله يعد نوعاً من الكفر والهرطقة.

 هذه الجوانب شُرحت بالتفاصيل في كتب كثيرة أماطت اللثام عن أسباب تميز العلاقات الأمريكية الصهيونية عن بقية العلاقات الأمريكية بعملائها في العالم، ولماذا يتسابق المسئولون الأمريكيون والمرشحون للمسئوليات لتأييد السياسات الصهيونية وعدم قدرتهم على مواجهتها علناً أو الضغط عليها ضغطاً مؤثراً، وما هو سر الشعبية الكاسحة لهذه التوجهات التي تهدد كل من يقف في وجهها بالعزل السياسي والنبذ الاجتماعي.

لذلك سعى  المؤرخ الفلسطيني،  محمد شعبان صوان، في كتابه “أمريكا الإسرائيلية وفلسطين الهندية الحمراء”، الصادر عن داريْ ابن النديم الجزائرية والروافد الثقافية  ببيروت، إلى سعى توضيح نقاط التشابه بين النموذجين التاريخيين الأمريكي والصهيوني، بواسطة إلقاء نظرة على تاريخ السابقة الأمريكية التي حلت بالسكان الأصليين فمارست ضدهم كثيراً من السياسات التي مارسها الصهاينة ضد العرب فيما بعد كما أثارت لدى هؤلاء الهنود كثيراً من ردود الفعل التي تطابق ردود فعل أهالي بلادنا على التجربة الصهيونية.

 التشابه بين الجريمتين الأمريكية والإسرائيلية

وقد وجد المؤلف أن الجريمة الاستيطانية الصهيونية التي عانت فلسطين منها ليست سوى نموذج مصغر من جريمة استيطانية أكبر اتخذت من القارة الأمريكية مسرحاً لها على مدى أربعة قرون، وكان منطلق التشابه بين الجريمتين هو سعي القائمين عليهما في كل حالة منهما إلى امتلاك أرض يقطنها شعب آخر، ولهذا استمدت التجربتان مثلهما الأعلى من التوراة اليهودية المكرسة لسرد حكاية شعب احتل أرضاً غريبة وطرد أهاليها منها، وهذا هو سر العلاقة الحميمة بالتوراة في كلا الحدثين رغم الطابع العلماني الذي غلب على التجربتين، ولكن التشابه لم يقف مقتصراً على المنطلق أو المبرر النظري وعملية الطرد العملي، فقد امتد التطابق إلى الأفكار والسياسات التفصيلية اللازمة لإزاحة الشعوب الأصلية وإلى الطرق التي واجه بها هؤلاء الأهالي التحديات التي وجدوا أنفسهم أمامها.

إن النقطة المركزية في هذه الدراسة هي أن ما قام به الكيان الصهيوني في فلسطين سبق أن قامت به الولايات المتحدة ومن قبلها المستوطنون الأوروبيون في بلاد الهنود الحمر، وليس الأمر مجرد طرد وإحلال، إذ أن التشابه أعمق من ذلك ويمتد إلى السياسات التفصيلية التي لو كان العرب قد أحاطوا بها وعلموا آليات عمل الكيانات الاستعمارية الاستيطانية، لوفر ذلك عليهم كثيراً من المعاناة والخسائر التي دفعوها ثمن تجارب سياسية فاشلة كان غيرهم قد سبق إليها فأحبطته أيضاً، ولا أدعي، يقول المؤلف “أننا كنا سننتصر ونعيد ما سلب منا، فهذا الأمر ليس متوقفاً على مجرد المعرفة التاريخية وحدها بل هو مرتبط كذلك بموازين القوى التي ليست لصالحنا في هذه المرحلة التاريخية”.

دروس الكيانات الاستعمارية الاستيطانية

كان هناك دروس كثيرة، يضيف المؤلف، يمكن أن نتعلمها فتختصر طريقنا وتوفر خسائرنا، ولعل أهم هذه الدروس هي أن الكيانات الاستعمارية الاستيطانية التي يأتي مهاجروها دائماً من بلاد أكثر تقدماً من البلاد التي يهاجرون إليها، غالباً ما ترفع شعارات نشر الحضارة في البلاد التي تستعمرها فيُظن بأن المقصود هو تعليم وتمدين الأهالي، ولكن الحقيقة هي أن المستعمرين الاستيطانيين يقصدون نشر الحضارة لأنفسهم ويستثنون أصحاب الأرض عموماً من جنتهم لأن حاجتهم إلى الأرض تجعلهم يستهدفون تدمير المجتمعات القائمة عليها فضلاً عن استثنائها من أسباب الحضارة والقوة التي يمكن أن تستعمل في الدفاع عن الوجود، ولهذا يعدل المستوطنون سياساتهم حتى على مستوى الشعار النظري لتلائم حاجاتهم فلا يتصورون مساواة مع “الأعراق الدنيا” أصحاب الأراضي المستهدفة حتى لو حققوا تقدماً كبيراً على مستوى التحضر والتنصر، وهذا ليس عجيباً لأن المراد هو سلب الأرض منهم لا نشر الحضارة بينهم، فالحضارة في نظر المستعمرين هي حكر على استمتاع من أقامها وليست حديقة عامة يدخلها من شاء، ولهذا نشر المستوطن الصهيوني الحضارة لنفسه على أرض الفلسطيني الممنوع من دخول الجنة الصهيونية، وهذا هو تفسير الهوة بين حياة الرفاهية في المستوطنات وحياة الفلسطيني المهددة دائماً بجوارها في الضفة الغربية، هذا إذا لم نذكر قيام حضارة الكيان المتقدم كله على نكبة وتهجير الشعب الفلسطيني سنة 1948.

الهنود … والتشبه بالرجل الأبيض

لقد ظن كثير من الهنود أن علاج تناقضهم مع الرجل الأبيض يكون باندماجهم كلية في الحضارة الأمريكية وتبنيها تبنياً شاملاً ليفسح لهم مجال الحياة داخلها بعدما أقامت مجتمعها على أنقاض “البربرية” و”الهمجية” التي لا مكان لها في عالم المدنية، وقد ذهب بعض هؤلاء الهنود بعيداً في مضمار التشبه بالرجل الأبيض حتى وصفهم هو بالقبائل المتمدنة إقراراً منه بما حققوه في هذا المجال إذ عمل أفراد هذه القبائل الجنوبية بالزراعة وحرثوا أراضيهم بالثيران وبنوا بيوتاً خشبية للسكن ولبسوا الأنسجة القطنية والصوفية ورعوا المواشي وتعلموا الإنجليزية ودرس قادتهم القانون وابتكروا حروفاً لكتابة لغتهم الشفوية وأصدروا بها صحيفة لهم، وامتلك مزارعوهم العبيد واعتنق كثير منهم الديانة المسيحية، أي أنهم أصبحوا كالبيض في في حياتهم وتخلوا عن طريقتهم السابقة.

ولكن كل ذلك لم يشفع لهم عندما طمع الرجل الأبيض بأرضهم وثرواتها، وقام بطل الديمقراطية الأمريكية الرئيس أندرو جاكسون بتأييد من الكونجرس والشعب بترحيلهم إلى أراضي الغرب القاحلة والاستيلاء على بلادهم الخصبة لغرض استيطان البيض، فرحل الهنود في رحلة عذاب سموها درب الدموع (1838) بسبب موت الآلاف منهم فيها نتيجة البرد والأمراض والإنهاك والجوع، وما زالت ذكراها حية لديهم إلى اليوم.

والغريب أنهم واصلوا في الغرب ما بدءوه في الشرق رغم صعوبة الظروف، وأعادوا بناء حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحاولوا تأسيس ولاية خاصة بدستور مكتوب تنضم إلى الولايات المتحدة ولكن التجربة ضُربت مرة ثانية عندما طمع الرجل الأبيض بالأرض التي وعدهم بها لتكون ملكاً أبدياً لهم وتم الاستيلاء على أفضلها لتمنح إلى اللصوص وشذاذ الآفاق من المستوطنين وضم الباقي إلى ولاية أوكلاهوما البيضاء (1907) وتُرك الهنود فيها نهباً للفقر والبؤس والحرمان والإدمان والانتحار، مثلما يؤكد عليه الكاتب في مقدمة عمله الفريد.

كل هذا يؤكد هامشية الهدف الحضاري في المشروع الاستيطاني، ولهذا لم يعبأ الصهاينة بتدمير المجتمع الفلسطيني رغم الخطوات التي كان قد قطعها في سبيل التطور والتقدم، ولهذا فمن غير المجدي أن الإستمرار في تقديم أوراق الاعتماد حضارياً لدى الصهاينة، ومن الإسفاف اثبات لهم أن الفتاة الفلسطينية أصبحت تكشف عن ساقيها في المباريات الرياضية بصفة ذلك دليلاً على مدى التطور وكأن المشروع الصهيوني قام بغزو فلسطين ليزرع فيها غابة من السيقان (!)، على حد تعبير المؤلف.

التناقض بين الصهاينة والشعب الفلسطيني

لقد كان التناقض بين الشعبين الأمريكي والأصلي في القارة الأمريكية كما هو الآن بين الصهاينة والشعب الفلسطيني، ولم يكن مجرد تناقض بين نظام ظالم وشعب يعيش في بلده كبقية أنواع الاستعمار والاحتلال، ولهذا كان الحاكم الذي يريد أن يحظى بالشعبية بين شعب المستوطنين يقوم باضطهاد وقمع السكان الأصليين ويبني مجده على دمائهم وعظامهم، كما كانت الحركات الشعبية والاتجاهات الجماهيرية تطالب بهذا الاضطهاد والقمع وانتهاك الحقوق لتبني مجتمعها على أنقاضه، وربما سبق التطرف الشعبي حسابات السياسة الحاكمة ورؤيتها الدبلوماسية للطرق الأذكى لتحقيق الأهداف، بل إننا نقرأ أن محاولة بريطانيا كبح التمدد الاستيطاني في أرض الهنود (1763) كانت من أسباب الثورة الأمريكية “التحررية الديمقراطية الإنسانية …إلخ”، ولهذا لن نعجب، والكلام للمؤلف دوما، إذا وجدنا كثيراً من الرؤساء الأمريكيين كانت حملاتهم العسكرية على الهنود هي التي رفعتهم إلى سدة الرئاسة كما بنى القادة الصهاينة فيما بعد أمجادهم من انتصاراتهم على العرب، ولن نعجب أن نرى التناسب عكسياً بين تقدير الأمريكيين لرئيس وتقدير السكان الأصليين له، فكلما خدم شعبه الأمريكي، انتهك حقوق الهندي، ولهذا فإن ثلاثة من الرؤساء ذوي الشعبية الجارفة (واشنطون وجيفرسون ولنكولن) والذين حفرت تماثيلهم على جبل راشمور في ولاية داكوتا تقديساً وتبجيلاً مكونة “مزار الديمقراطية” كانوا من الذين أسسوا نظرياً وعملياً لاضطهاد السكان الأصليين وسلبهم حقوقهم فضلاً عن مشاركتهم الشخصية في عملية القمع والاضطهاد، وقام رجال “محرر العبيد العظيم” أبراهام لنكولن بسلب حرية الهنود في نفس الوقت الذي كانوا يدّعون فيه تحرير العبيد الأفارقة في الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) ، ومن الدلائل المهمة أن نصب راشمور أقيم على أرض هندية مقدسة عندهم ومسروقة منهم وما زال أصحابها يطالبون بها منذ سلبت منهم بغير حق قبل أكثر من قرن وربع ويرفضون التعويض الكبير الذي عرض عليهم مقابل التنازل عنها بعدما حولها الرجل الأبيض إلى مشروع سياحي ومنجم معدني يستخرج منه الذهب الوفير.

التطابق بين النموذجين التاريخيين الأمريكي والصهيوني

وإذا أردنا، يقول المؤلف، الحديث عن التطابق بين النموذجين التاريخيين الأمريكي والصهيوني فعم أتكلم وماذا أترك: هل أتكلم عن المعاهدات المبهمة، أم الوعود الكاذبة، أم ارتكاب المجازر التي طالت القبائل المسالمة والمطيعة أكثر مما طالت المقاومين لنفس السبب الذي نسمع عنها اليوم وهو تحميل المسالم مسئولية من يقاوم، أم عن استعمال أسلحة الدمار الشامل، أم عن تدمير مصادر الرزق والمعيشة لجعل أصحابها عالة على المساعدات الحكومية التي تصرف متى شاءت الحكومة وتقطع متى أرادت الضغط على الهنود لتقديم مزيداً من التنازلات، أم عن طريقة التعامل مع الزعماء المنتخبين الذين يمثلون شعوبهم ويتمسكون بحقوقها ومحاولات الحط من شأنهم وتدمير مكانتهم وعزلهم أو قتلهم للإتيان بعملاء مطواعين يُشترى أحدهم بزجاجة خمر للتوقيع على التنازل عن حقوق شعبه وأرضه.

 كل هذا وغيره سيراه القارئ في ثنايا هذه الدراسة التي قضى فيها الباحث محمد شعبان عمراً طويلاً في تحصيل تفاصيلها ولما حاول ضمها في كتاب واحد وجده يتضخم حتى تعذر صدوره في جزء واحد، ولهذا آثر تقسيمه إلى جزئين، يختص الأول منهما بفترة ممتدة من وصول الأوروبيين إلى أمريكا (1492) فيما سمي “اكتشافاً” مع أن شعوباً عديدة كانت تعرف هذه القارة وتسكنها، أي أنها “اكتشفتها” قبل الأوروبيين بآلاف السنين، ولكن الأوروبيين لا يقيمون وزناً إلا لما يقومون هم به، وينتهي الجزء الأول بما بعد نهاية الحرب الأهلية الأمريكية عندما أجهز رجال “المحرر العظيم” أبراهام لنكولن على أبرز زعماء السلام الهنود (1868)، أما الجزء الثاني فسيتركز على آخر أيام المقاومة الهندية المسلحة الممتدة منذ نهاية الحرب الأهلية الأمريكية (1865) وحتى هزيمة هذه المقاومة وإغلاق منطقة التخوم الهندية والقضاء على استقلال الهنود كلياً بمجزرة الركبة الجريحة (1890) مع بعض الإشارات للنضال السياسي فيما بعد ذلك مما سيعطي درساً مهماً عن مآل المفاوضات على المقدسات الفسلطينية، على تعبيره. 

أمريكا الإسرائيلية وفلسطين الهندية الحمراء الجريمة محمد شعبان صوان

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close