الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م, الموافق لـ 06 ربيع الأول 1440 هـ آخر تحديث 14:09
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

يتفق الجميع على أن الحدائق والمساحات الخضراء هي الرئة التي تتنفس بها المدن والمجمعات السكنية، وهي حسب مهتمين بشؤون المجتمع ضرورية جدا للترويح عنلى السكان وامتصاص الضغط، لكن الحدائق في الجزائر وخاصة العمومية منها، أقل أهمية لدى الأفراد مما يجب أن تكون، فهي في العادة أوكار للمدمنين على المخدرات وملاذ للعشاق للتخفي عن أعين المنتقدين والساخطين.
في الجزائر لا تخلو مدينة او حي تقريبا من حديقة عامة، أغلبها كان مهملا غير صالح للراحة، لكن إرادة المجالس البلدية وإرادة السكان يحركها النقص الحاد لمساحات ووسائل الترفيه، بدأت تغير رويدا من واقع أن الحدائق العمومية هي بيت مفتوح للمدمنين والمشردين والعشاق، إلى جعلها مكانا للترويح عن النفس بعد يوم عمل شاق، يقصدها الشباب والعائلات معا، وتزداد أهمية هذه الفضاءات كلما افتقرت الأحياء لفضاءات ترفيهية او استجمامية اخرى، كشاطئ البحر أو المسابح وقاعات السنما…

الحدائق العمومية بديل البحر في الأماكن الداخلية

زرنا حديقة مليانة، والتي تتربع على مساحة محترمة في قلب المدينة، استقبلنا عند مشارفها نسيم أوروبي ممزوج بين العبق الفرنسي والانجليزي، فما إن تخطو داخلها حتى تقابلك كليوباترا التي تحرص الحديقة منذ حقبة الاستعمار الفرنسي، الساعة تشير إلى السادسة بعد العصر من يوم صيفي شديد الحر، السكان هنا يقبلون بكثافة للتجول تحت ظلال الأشجار الوافرة، أفرادا وجماعات، لا يتسنى لهم زيارة شاطئ البحر بعد عمل يوم كامل، أو ربما يفضلون استنشاق النسيم العليل الذي يمر بأعالي مليانة فيقبع أخيرا بهذه البقعة الخضراء الساحرة، بمحاذاة النافورة المائية يجلس شيخ يبدو من ارتياحه الكبير انه من رواد الحديقة القدامى، حدثنا بالفرنسية عن أهمية هذا المكان بالنسبة للسكان: “أزور الحديقة منذ سنوات طويلة جدا، لم تكن يوما بهذا الرونق، لقد عادت إلى أصحابها الحقيقيين، وهم العائلات بعد ما استولى عليها المنحرفون وشوهوا وجهها، لم يعد شاطئ البحر أكثر متعة بالنسبة لأبناء مليانة منذ استصلاح حديقتهم”.
مرورا بالعديد من الأحياء التي عاد إليها نبضها باستحداث او استصلاح الحدائق الصغيرة، حططنا بحديقة إفريقيا بالبليدة، لم يكن أحد من سكان المنطقة يجرؤ على المرور بجانب المكان كي لا نقول دخوله، لقد كانت الحديقة قبل حوالي سنتين فقط، رمزا للانحلال الأخلاقي و مرتعا للشواذ، لكنها اليوم وبفضل تكاتف جهود المتطوعين من سكان ومنخرطين في مختلف الجمعيات الناشطة بالولاية بالإضافة إلى دعم ومتابعة المجلس الولائي بالبليدة، تحولت الحديقة رغم صغر مساحتها إلى قطب يحج إليه سكان الأحياء المجاورة هربا من حرارة المدينة وضوضائها المسائي، يتدافعون لإرواء عطشهم من سنبور الماء الذي يتوسط الحديقة ويفوق سنه سن أكبر سكان البليدة.


في الشرق الجزائري، وتحديدا في مدن الجنوب الشرقي كبسكرة، أين تتموقع كثافة سكانية عالية، تفتقر لوسائل الترفيه والتسلية والترويح على النفس، وجدت السلطات نفسها أمام ضرورة إقرار فتح حديقة الزيبان المائية، حتى تغني أبناء المنطقة من الغرق في السدود والمجمعات المائية الخطيرة، وقد زحفت الفكرة غربا لتحط بمستغانم على شكل مشروع خاص، قادم أصلا من المدن التونسية التي تدر الملايين سنويا من عائدات الحدائق المائية، وتعتبر المكان الأفضل للعائلات صيفا، غير أن الجزائريين مازالوا يشتكون غلاء التذاكر بعد سنتين من افتتاح أول حديقة مائية.
قد يتعجب أيا كان من أن قسنطينة التي يزورها المتيمون بعراقتها للتجول بين جسورها المعلقة وأسواقها الصاخبة بدق النحاس والصناعات التقليدية، يشتكي سكانها من الملل والروتين وانعدام مساحات للراحة، قبل أن يكتمل مشروع حديقة باردو الضخمة التي تتوسط المدينة باسطة غطاءها الأخضر على مساحة شاسعة تضم أيضا ألعابا مختلفة للصغار ومرآب سيارات يتسع لألف مركبة، أين صرح والي الولاية بأن ما سيسلم للسكان هذه الصائفة يعول عليه ليحتوي السكان ويحل أزمة انعدام الترفيه بقسنطينة.
توزع الحدائق العمومية في ربوع الوطن، والحرص على استصلاحها، معيدا بذلك ثقافة التجول المسائية والراحة في محيط السكن، من شأنه أن يخفف العديد من الظواهر السلبية التي تزداد وتيرتها حدة في فصل الصيف، كاكتظاظ الشواطئ وحوادث المرور وازدحام الطرقات، كما من شأنه أن يخفف من ضغط أرباب الاسر العاملين صيفا، ويقضي على بؤر الفساد داخل المجمعات السكنية، لهذه الأسباب وغيرها تشدد جمعيات حماية البيئة والسلطات المحلية على ضرورة حفاظ السكان على مكسب الحدائق الجوارية.

https://goo.gl/QJe7B2
الحدائق العمومية العشاق المساحات الخضراء
0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close