-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مهارات التفكير النّقدي لدى طلاب الجامعات العربية

لمباركية نوّار
  • 1211
  • 1
مهارات التفكير النّقدي لدى طلاب الجامعات العربية

“التفكير النقدي لدى طلاب الجامعات العربية” هو عنوان كتاب وضعه الأستاذ الدكتور مصطفى عشوي الذي أراه غنيا عن التعريف والتقديم المعتادين، فبضاعة أصناعه الفكرية المرصعة والمتمثلة في المقالات التي نشرها والتآليف الموثقة والبحوث العلمية الموطّدة التي أخرجتها المطابع هي أصدقُ من يعرض عنه بطاقة تعريفية وافية ومختومة تقربه من القراء.
لقد أحسن صاحب الكتاب المذكور صنعا بما أنجز، لأنه ملأ فراغا مبهما، وأزاح غياهب ظلمة عاتية بعد أن قارب موضوع التفكير النقدي، وتابع حظوظ وأنصبة طلاب الجامعات العربية منه، وأفرد له بحثا دقيقا وعميقا غلغل فيه العقل والبصر معا، وتعمق فيه تعمق العطشان الذي يبحث عن الماء الغائر والمتسرب في طبقات الأرض الباطنية. وفي هذا العمل، وكعادته، لم يضع القدم على القدم، ولم يقتف أثر من سبقوه، وإنما فضَّل أن يقتحم حيزا معرفيا بكرا لم تصله أيدي الباحثين العرب من قبله. وبذلك نال سبق التقدم بعد أن اقتحم العقبة، واستطاع أن يجمّل صدره بقلادة الشرف الاعترافية التي قلّ من توشحوا بها عن جدارة. وحتى، وإن وجد بجانبه من قدموا له يد المساعدة من أساتذة بعض الجامعات العربية، إلا أن مساعدتهم التي لا يمكن جحدُها تبقى قليلة مقارنة بتكفله واشتغاله على الجزء الأكبر من البحث الذي تصدّى له وتجشم القسط الأكبر من صعابه لوحده.
لا توزن قيمة البحوث العلمية إلا من خلال ما تدرُّه من نتائج ذات نفع في حياة المجتمعات. ويرى أن البحث في موضوع “التفكير النقدي”، وبالدرجة الأولى، لا يتجرّد من لفت حاذق ولبيب لجذب انتباه من يتولّون بناء المناهج التعليمية في أوطاننا العربية في كل مراحل التعليم، فكثيرا ما
يعاد النظر في هذه المناهج استجابة لدعوات محاولة إصلاحها وتصويبها بطرائق ارتجالية وعشوائية، ولا يتمخض عنها سوى العوَر والفوضى. وتكاد أن تختصر أعمال مراجعتها في الجانب المعرفي على حساب الجانب الهيكلي الداعم والمتين. وقد أفضت كل المحاولات إلى نتائج عقيمة، ولم تصنع لنا من بعد تطبيقها سوى عقولٍ ارتشافية ذات نهم مفرط في تخزين المعارف من دون استفادة منها في الأجلين القريب والبعيد.
أشبع الدكتور مصطفى عشوي الجانب النظري من بحثه بمفرزات قراءاته المتعددة التي تناولت مفهوم “التفكير النقدي”، وعاد إلى التنقيب عن شروشه في حقوله المعرفية الأولى، وتتبّعه في تعريفاته الأكاديمية عند بعض المربين الغربيين البارزين الذين اعتبروا أن التفكير النقدي هو أداة أساسية لكل استقصاء، واعتبروه في عداد القوى التحررية في مجال التربية بعد استيلائه على تحسين قدرة جودة التفكير. وجاء على حضوره المذكور في القاموس الثقافي العربي الإسلامي عبر تاريخه الطويل، وألمح بالإشارة العابرة إلى تحيُّز القرآن الكريم إلى التفكير النقدي لتحريض العقول على التفكير والتفكر، وذكر اهتمام بعض فلاسفة المسلمين الأوائل كالكندي والفارابي وابن سينا به مُدارسةً وممارسة ومنهجا، واستشهد بأبي حامد الغزالي صاحب كاتب: “تهافت الفلاسفة” ومناظره ابن رشد الذي رد عليه في كتاب. “تهافت التهافت”، ورأى في مبارزتهما سجالا وجدالا قائمين على “النقد العلمي” من بعد مقابلة الآراء الفلسفية والكلامية لقطبين علميين مشهود لهما بالكفاءة في مضمار الفلسفة الإسلامية.
لما كان موضوع: “التفكير النقدي” شديد الالتحام بالميدان التربوي خاصة في زمننا المعاصر، فقد أظهر صاحب البحث أدوار بعض المربين المعاصرين من أمثال الأمريكي “بنيامين بلوم” صاحب تصانيف الأهداف التربوية المعروفة، واستوقفته أعمال “دي بونو” الذي يؤمن بإمكانية تنمية التفكير الواعي أو الفاعل. وهو مقترِحُ عدة برامج لتعليم التفكير وتطويره في مراحل التعليم المختلفة من خلال تعلم كيفية تصميم الأهداف وترتيب الأولويات والاستفادة من البدائل.
في الحقيقة، يضمُّ الكتاب في أحشائه دراستين متكاملتين، خُصِّصت الأولى لطلاب الجامعة العربية المفتوحة التي يتوزّع روادُها من الطلبة على تسعة بلدان عربية، هي: السعودية والكويت والأردن ولبنان والبحرين وعُمان ومصر والسودان وفلسطين. ويقع مقرُّها في دولة الكويت. وتعتبر بقية الجامعات فروعا لها ذات استقلال إداري يتبع الإدارة المركزية. وانصبّت الدراسة الثانية على طلاب جامعات عربية أخرى. وفي هذا الصدد كتب الباحث الدكتور مصطفى عشوي يقول: (بعد الانتهاء من الدراسة الميدانية الأولى حول مستويات التفكير النقدي لدى طلاب الجامعة العربية المفتوحة في ستة من فروعها في كل من الأردن والكويت والسعودية وعمان ومصر والبحرين، ارتأيت توسيع دائرة البحث ليشمل دراسة مستويات التفكير النقدي لدى طلاب جامعات عربية لتكون هذه الدراسة الأولى من نوعها حسب علمنا في البلدان العربية)، ويضيف في موقع قريب من الاقتباس السابق: (رغم محاولتنا أن تجري الدراسة في عدد كبير من البلدان العربية، إلا أننا لم نحصل على البيانات إلا من جامعات خمسة بلدان عربية، وهي: الجزائر، فلسطين، اليمن، السودان وليبيا). ونستطيع أن نرصد لهذه المزاوجة البحثية أهدافا لم يصرِّح بها صاحبها، ولكن نجد لها أثارا تلميحية في النتائج المتوصل إليها.
لا يمكن أن نحيط بتفاصيل هذه الدراسة إحاطة مفصلة كلية، ونتتبعها نقطة تلو نقطة لضيق المساحة الورقية الممنوحة في الجريدة، ولعلّ القارئ المهتم والمستزيد سيجد إشباعا لرغبته في إطلاعه على الكتاب الذي حواها. واعتقد أن جوهرها الأنفس وزبدتها الأثمن ورشاحتها المكتنزة تقرأ في سطر خاتمتها الإجمالية وفي توصياتها المتوجة لها؛ ففي الخاتمة، ذكرت الاستنتاجات التي انتهت إليها استقراءات الدراسة وتمخضت عنها، وهذه بعضها:
1 ـ انخفاض مستوى طلاب الجامعات العربية في التفكير النقدي الكلي.
2 ـ تدني مستوى طلاب الجامعات العربية في معظم مهارات التفكير النقدي.
3 ـ وجود فروق جوهرية بين طلاب الجامعات العربية في مستوى التفكير النقدي الكلي ومهاراته بحسب البلد الذي ينتمون إليه، والجامعات التي يدرسون فيها.
4 ـ وجود فروق جوهرية بين طلاب الباكالوريوس “الليسانس” وطلاب الماجستير في مستوى التفكير النقدي الكلي ومهاراته. وقد تُعزى هذه الفروق إلى العمر والنضج والخبرة أكثر مما تعزى إلى تعلم مهارات التفكير النقدي في مرحلة الماجستير.
5 ـ وجود فروق جوهرية بين مستويات الطلاب في التفكير النقدي الكلي ومهاراته حسب التخصص.
ركزت توصيات هذه الدراسة على الفعل التدريبي الذي يعدُّ أداة فعالة في اكتساب مهارات التفكير النقدي وغيرها من المهارات في شتى المراحل التعليمية، وأوصت بتمكين أعضاء هيئات التدريس من مزاولته بشتى أساليبه. كما لفتت الانتباه إلى ضرورة تصميم الاختبارات والامتحانات وفق نمط بنائي يقود الطلاب والمتعلمين إلى استعمال مهارات التفكير النقدي والتفكير الإبداعي في الإجابة عن أسئلتها عوض الاختبارات التي تشجع على الحفظ والاستذكار والاسترجاع اعتمادا على مخزونات الذاكرة أو الاختبارات المغلقة التي تعتمد على اختيار الإجابة الصحيحة من عدة أجوبة مقترحة مرفَقة بالسؤال. وبرز الإلحاح في خاتمة هذه التوصيات مؤكدا على ما تضمنته السطور الموالية: (… بالإضافة إلى ما ذكرنا أعلاه، فإننا ندعو إلى ضرورة تعليم الأطفال مهارات التفكير الإبداعي ومهارات التفكير النقدي منذ السنوات الأولى من العمر بطريقة تدريجية تناسب مراحل النمو المختلفة لديهم. وندعو، أيضا، إلى ضرورة إدماج مهارات التفكير النقدي والإبداعي في برامج ومقررات إعداد المعلمين وأعضاء هيئة التدريس، بالإضافة إلى ضرورة اكتسابهم لطرائق تدريس قائمة على تشجيع التفكير النقدي والتفكير الإبداعي لدى الطلاب في مراحل التعليم المختلفة سواء كان ذلك في أنشطة صفّية أو أنشطة لا صفّية).
قطعت هذه الدراسة القيمة أقوال الخطباء المتشدقين والمتفيقهين في المجال التربوي الذين يخطبون في محافل إصلاح المنظومات التربوية في وطننا في مختلف مراحلها، ويتحججون متبجحين بملاحظات مبتورة وأخرى مقضومة وبآراء انطباعية سخيفة وضعيفة وبنقد سطحي جديب وغير مقنع. ولا يأتون بما يثبتون به أسباب ظهور النقائص وسيطرة السلبيات، ولا يبرّرون انتشار العوائق وتفشي الأسقام والعلل، ولا يقدّمون سوى اقتراحات هزيلة تزيد المشلول شللا والمتعَب تعبا.
لقد أراد الدكتور مصطفى عشوي الذي أنفق جهدا مضنيا في إنجاز هذه الدراسة أن يفتح عيون كل من له صلة بمجال التربية والتعليم في كل أطواره إلى أن نقطة الانطلاق في كل إصلاح تربوي تنطلق من نتائج البحوث التقويمية والتشخيصية الهادفة والرصينة. وأظنه أنه كان سخيا جوَّادا مع قرائه، ولم يكن منقبض اليد وضنينا في إنارة العقول.
يستحق كتاب: “مهارات التفكير النقدي لدى طلاب الجامعات العربية” أن يُنشر على نطاق واسع حتى تُكتب له أكبر نسبة من القراءة، وأن تصبح مادته ركيزة ودليلا ومدخلا للولوج إلى كل إصلاح في مجال التربية ينشد الجودة التكوينية ويهفو إلى اللحاق بقافلة العصر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • نحن هنا

    يا أستاذ مهارات التفكير النقدي تتطلب الحرية أولا للأسف هي مفودة في الوطن العربي