-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مواقع التواصل: بين النّعمة والفتنة! (2)

سلطان بركاني
  • 408
  • 0
مواقع التواصل: بين النّعمة والفتنة! (2)

مصائب مواقع التواصل الاجتماعيّ لا تقف عند حدّ العكوف على التوافه، ولا عند السباحة في مستنقعات الشهوات، وتدمير الأسر بالتوسع في التواصل وكسر الحواجز. بل تصل إلى حدّ إهلاك الدين كلّه، بالركون إلى الشبهات التي تثار على هذه المواقع من قِبل أناس يستخدمهم الشيطان ويزيّن لهم أعمالهم، ويغري بكلامهم صغار العقول، ليصل بهم إلى الشكّ في دين الله الحقّ.

سيل الشّبهات يهدّد شبابنا في أعزّ ما يملكون!

مواقع التواصل مثخنة بمنشورات تافهة لا تساوي فلسا في ميزان العلم والعقل، لكنّها تلقى رواجا بين كثير من شبابنا، لأنّها توافق هوى النفوس التي تميل إلى التشكيك في الحقائق، وتستهويها الإثارة ومخالفة المعهود.. هذا منشور -أو مقطع- ينتقد الخطاب الدّيني أو المسجديّ، وذاك يشكّك في أحاديث صحيح البخاريّ، وآخر يفسّر آيات القرآن تفسيرات غريبة يزعم صاحبها أنّه اكتشفها بعقله النيّر عندما تحرّر من التراث، وهكذا… وكمثال لهذا الانفلات الذي امتلأت به مواقع التواصل: هناك مقطع انتشر في الأيام الماضية، لشابّ هاوٍ يجهل قواعد اللغة العربية ولا يحسن قراءة القرآن، يزعم أنّه اكتشف حقيقة أخفاها المفسّرون جميعا، وهي أنّ آدم كان يطير بجناحين وقد نزل من السّماء إلى الأرض وهو يطير، والدّليل -حسب هذا الشابّ الملهم!- هو أنّ الله -تعالى- قال لآدم وحواء حينما أكلا من الشجرة: ((اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا))، ولم يقل: “انزلا”، والهبوط -بزعم هذا الشابّ- لا يكون إلا لشيء يطير! ولو كان هذا الشابّ يقرأ القرآن ويتدبّره حقيقة، لتذكّر قول الله -تعالى- على لسان نبيّه موسى -عليه السلام-: ((أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ))، فهل كان موسى وبنو إسرائيل حينما دخلوا مصر يطيرون؟!

مصيبةُ كثير من شبابنا -مع كلّ أسف- أنّهم لا تستهويهم المطالعة الجادّة، ولا يحبون أن يقرؤوا ويتعلموا ما يلزمهم تعلّمه من أمور دينهم ويتعرفوا على مصادره ويدركوا قوتها ومتانتها… تجد الواحد منهم وهو في الجامعة لا يحسن ترقيع الصلاة ولا يعلم أبجديات سجود السهو، ولا يعلم عن أمور العقيدة والتفسير وتدوين السنّة غير عموميات قليلة. ولو طلبت منه تفسير سورة قصيرة من الحزب الأخير من كتاب الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا.. لكنّك تجده في المقابل يتابع خرجات تجار الشبهات العابثين بدين الله الذين يزعمون التجديد؛ يسمع هياطهم ويميل بسمعه إلى عبثهم بدين الله ويقتنع به، لأنّه لا يملك قاعدة صلبة تحميه من التأثر بالشبهات، وتجعله يميز بين الغثّ والسّمين.. مثلا: مركز تكوين الذي أنشأه العلمانيون في مصر مؤخرا، هذا المركز يجمع عددا من الجهلة الموتورين الذين ينشرون الجهل، ومع ذلك يجدون من يتلقّف جهالاتهم ويقتنع بها.. لأنّ شبابنا أصبح همّهم اللهث خلف الـ”Fast” والجديد المخالف للعادة الذي يريح ضمائرهم ويغطّي لهم على تقصيرهم في حقّ دينهم بالتشكيك في أئمّة الإسلام وقدوات الأمّة.

الشبهات التي يلقيها الملاحدة والعلمانيون وأدعياء التنوير والنسويون والنصارى والشيعة والمداخلة، شبهات تافهة تعتمد على تحريف الكلم عن مواضعه، ولكنّ شبابنا يقعون ضحية لها، لأنّها لا تعتمد على العلم الذي يحتاج إلى البحث الجادّ وإعمال العقل والتفكير والصبر، إنّما تعتمد على التزيين والإثارة.. كثير من شبابنا أصبحوا يتبعون كلّ ناعق، خاصة إذا كان النّاعق خبيرا بدغدغة العواطف وحبك الدعاوى.. ولذلك أصبحنا نخشى عليهم مما تحمله فضاءات مواقع التواصل، ليس لقوة الشبهات، وليس لأنّ ديننا ضعيف، إنّما لأنّ شبابنا لا يملكون مناعة ضدّ الجهل المزيّن بالمساحيق.

دعوة للمراجعة

مواقع التواصل الاجتماعيّ نعمة، حولناها -بكسلنا ودنوّ هممنا- إلى نقمة.. ومن واجبنا أن نعود أدراجنا لنراجع أنفسنا ونعيد حساباتنا.. إنّنا في حاجة ابتداءً إلى إعادة تثبيت قناعة راسخة، وهي أنّ مواقع التواصل ليست هي التي تغيّر واقعنا، فهي -في الغالب- ساحة للتنظير. أمّا ساحة التطبيق فهي الواقع الذي يحتاج إلى جهد وتعب وأدوات تتجاوز الكلام.. التنظير ضروريّ وكذلك التخطيط، لكنّ العمل يستلزم منّا أن نغلق هواتفنا ونشمّر عن سواعد الجدّ.. لهذا ينبغي أن نمنع مواقع التواصل من الزّحف على أوقات الجدّ والعمل، وعلى أوقاتنا المهمّة والثّمينة التي ينبغي أن تكون لإقامة ديننا ودنيانا، للمحافظة على الصّلاة وحفظ القرآن وتعلّم تلاوته وتفسيره، وتعلّم ما يلزمنا تعلّمه من أمور ديننا، ولأعمال الخير والبرّ، وكسب أرزاقنا وتنظيم حياتنا.. أسماعنا وأبصارنا نعمة حفظها الله لنا لنطيعه بها وليس لنسلّطها على معصيته سبحانه، ولا لنعكف بها على تفاهات الفايسبوك والتيك توك والانستقرام واليوتيوب والريلز…

مواقع التواصل، ساحة من ساحات التعلّم وتثقيف العقل ورفع المستوى، إذا عرف الواحد منّا من أين يأخذ علمه وثقافته، فليس كلّ ما يلمع ذهبا، وليس كلّ جديد خيرا من القديم.. إنّ هذا العلم دين فلننظر من أين نأخذ ديننا.. دينكم -يا شبابنا- هو أغلى ما تملكون في الحياة، وكما أنّكم أخذتموه بسهولة، يمكن أن تفقدوه بكلّ سهولة، والانتقال من الإيمان إلى الكفر والإلحاد، قد يكون بسبب منشور تافه أو مقطع مضلّل من جاهل يتظاهر بالفهم والعلم والعقل.. فالحذر الحذر يا شبابنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!