-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مواقع التواصل: نعمة وفتنة (1)!

سلطان بركاني
  • 568
  • 0
مواقع التواصل: نعمة وفتنة (1)!

ربّما لا يختلف اثنان بيننا في أنّ الهاتف أصبح نعمة من أجلّ نعم هذا العصر.. هذا الجهاز الصّغير في حجمه العظيم في نفعه، أضحى في كلّ بيت وفي كلّ يد، وغدا في وسع كلّ أحد منّا أن يفتح هاتفه ويطوف العالم قاطبة ويطّلع على أخباره بالصوت والصورة، بلمسات حانية من أنامله. وفي استطاعته أن يقضي كثيرا من حاجياته ومصالحه بالهاتف، ويتواصل مع أرحامه وأقاربه بالصوت والصورة، فيسأل عنهم ويتودّد إليهم. وفي وسعه أن يسأل في أمور دينه وهو في بيته، يتواصل مع العالم أو الشيخ فيسأل وتأتيه الإجابة. يستطيع أن يسمع القرآن بأفضل الأصوات وأعذبها وهو في سيارته أو في الحافلة. ويمكنه أن يسمع المواعظ والرقائق والدروس النافعة وهو متكئ في بيته أمامه طعامه وشرابه.

هي نعمة عظيمة سهّل الله اختراعها وذلّل أسبابها وسهّل انتشارها واستغلالها.. ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون)).. حتّى أصبح الهاتف الذكيّ لا يخلو منه جيب إلا قليلا. حتى الفقراء يترك الواحد منهم كثيرا من الضروريات ويؤخّر كثيرا من الحاجيات لأجل أن يشتري هاتفا له وهواتف لأهل بيته.. حتى الأطفال أصبح كثير منهم يمتلكون هواتف ذكية (!).. ومن الغرائب أنّ الإحصاءات تشير إلى بيع ما يقرب من 50 مليون هاتف في الجزائر، وهو الرقم الذي يفوق عدد السكان!

الهاتف الآن لم يعد وسيلة اتّصال فحسب، بل هو وسيلة تواصل بالعالم، عبر مواقع التواصل التي كثرت وتنوّعت في هذا العصر، حتى تجاوز عددها 13 موقعا مشهورا.. وتشير الإحصاءات إلى أنّ أكثر من 25 مليون جزائري يستخدمون هذه المواقع.

مواقع التواصل كان يمكن أن تكون نعمة عظيمة في حياتنا، نيسّر بها أمورنا ونستعين بها في ديننا ونكسب من خلالها قناطير بل جبال الحسنات.. لكنّ كثيرا منّا -مع كلّ أسف- أساؤوا استعمالها، وسخّروها فيما يفسد الدّين والدّنيا، ويقسّي القلوب ويحرق الأعمار، ويملأ دواوين السيئات؛ استعملوها في متابعة التوافه، وسخّروها في الوقوع على الأذى والقذى، بل إنّ هناك من نسوا رقابة الله، وأنساهم الشيطان قول العليم الخبير -جلّ في علاه-: ((إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا))، فجعلوا مواقع التواصل -والإنترنت عموما- بابا يدخلون منه إلى مستنقعات القاذورات والنجاسات!

عكوف على التفاهات!

ولعلّنا نبدأ حديثنا بمن يستغلّون مواقع التواصل في العكوف على التوافه؛ بمن حبسوا أنفسهم داخل شاشات الهواتف وبين مواقع التواصل، وضيّعوا أنفسهم وأعمالهم، وضيّعوا دينهم؛ أضاعوا الصّلوات وضيّعوا الأعمال والواجبات، وعكفوا على التوافه والملهيات. تركوا واقعهم الذي يعيشونه، وفروا إلى الواقع الافتراضي!

تجد الشابّ يقضي 8 ساعات أو أكثر مسجونا في مواقع التواصل، يسير في الشّارع وهو ينظر في الهاتف، يقطع الطريق وعيناه في الهاتف، يتتبّع كلّ جديد في عالم الضحك والغرائب والعجائب والإثارة، ويقف عند كلّ جديد تنشره صفحات التفاهة التي يتابعها، ويقرأ ما يكتبه هذا وما يعلّق به ذاك، ويفتح رسالة هذا ويبعث برسالة إلى تلك ويردّ على ذاك.. وفي آخر اليوم لا يستفيد شيئا ينفعه في دينه ولا في دنياه، لأنّه كلّما مرّ على أمر نافع تخطّاه، وقالت له نفسه: ستشاهده فيما بعد.. يخلد إلى النّوم بعد منتصف الليل بعيون منهكة وقلب قاس مظلم ونفس موهنة وبدن كليل، فلا يستيقظ لصلاة ولا يفتح مصحفا، ولا يذكر الله قليلا ولا كثيرا.. وربّما تجده في النّهار يتهرّب من عمله ويتكاسل فيه، ويؤخّر أشغاله ويؤجّلها.. تدخل أيّ مكتب في أيّ إدارة من الإدارات، فتفاجأ بالصّمت يخيّم على المكان، كلّ موظّف متصل بالعالم الآخر، منشغل بهاتفه بين يديه وعيناه متسمّرتان به، يقلّب المنشورات والفيديوهات القصيرة، لا يردّ سلاما ولا يلتفت إلى من يخاطبه يرجو خدمته. يحاول أن يصرف من يقف أمامه بأتفه الأسباب ليعود إلى هاتفه وعالمه.. يحسب الإعجابات التي وضعت على منشوراته، ويقرأ التعليقات ويتفاعل معها ويردّ عليها، ويخوض النقاشات التافهة، ويفتح الرسائل الجديدة، ويردّ عليها، ويبعث برسائل المزاح والتسلية إلى هذا وذاك.. يخون الأمانة والمنصب، ويظلم إخوانه من حوله، ويأكل الحرام ويطعم أبناءه الحرام، لأجل تفاهات الفايسبوك والأنستغرام والتيك توك والماسينجر!

يحرق ساعات يومه ويفني أيامه ويقتل أشهره وأعوام عمره في التفاهات، وينسى أنّه مسؤول عن كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ دقيقة وكلّ لحظة، ومعاقب بكلّ واجب ضيّعه. يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه” (الترمذي).

سباحة في مستنقع النجاسات وعبث بالحرمات!

مع كلّ هذه المحنة، فإنّ الضّياع لم يقف عند هذا الحدّ.. ولو كان شبابنا يقضون أوقاتهم مع التفاهات المحرقة للأوقات والأعمار، ما هان الأمر، كيف وبعض شبابنا تعدّوا ذلك إلى استغلال وسائل التواصل في اتباع الشهوات، في النّظر إلى المحرّمات، وتقليب نعمة البصر في العورات.. لا يكاد الواحد منهم يخرج من هذا المستنقع القذر إلا قليلا.. هاتفه مشحون بالإنترنت دائما، ليس لينفع نفسه ويقيم دينه ودنياه، إنّما لينجّس بصره ويميت قلبه بالنّظر إلى القاذورات، فإذا تنجّس بصره وقلبه، بدأ بنصب الحبائل لاصطياد الغافلات، باسم الحبّ تارة، وباسم الزّواج تارة أخرى.. فكم من بيوت كشفت أسرارها بسبب مواقع التواصل! وكم من مستورات غرّر بهن ذئاب على مواقع التواصل! وكم من أسر انهدّ بنيانها بسبب مواقع التواصل!

في عقود مضت، كان الخائن يتحيّن خروج ربّ الأسرة ليرتكب خيانته، وكان يحتاج إلى تسوّر البيت ليصل إلى ضحيته، أمّا في زماننا هذا، فقد أصبح في إمكان الخائن أن يصل إلى ضحيته عن طريق الهاتف، وربّما يكون الأب وربّ الأسرة موجودا في البيت لكنّه لا يدري ما الذي تفعله ابنته في هاتفها، لأنّه هو الآخر مشغول بهاتفه وبعالمه! الخائن لا يظهر أنيابه لضحيته، بل يتظاهر بأنه حَمل وديع حريص على مصلحة ضحيته؛ يتسائل عن سبب حزنها، ويظهر الحرص على حلّ مشاكلها، وكثيرا ما يبدأ مع ضحيته بقوله: أحسست من خلال منشوراتك أنّك حزينة؛ فهل تعانين من مشكلة؟

كم من حرائر أصبحن إماء! وكم من عفيفات أمسين عابثات! بسبب مواقع التواصل.. تشير الإحصاءات في السنوات الأخيرة إلى أنّ حالات الطلاق في الجزائر في تزايد رهيب، حتى بلغت في العام المنصرم 2023م: 120 ألف حالة، أي بمعدّل 10 آلاف حالة طلاق في الشّهر الواحد، أي 13 حالة طلاق في كل ساعة.. والسّبب في كثير من الأحيان هو الخيانات الزوجية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. تكتشف الزّوجة أنّ زوجها يتواصل مع امرأة أخرى، يكلّمها بكلّ لطف وحنان، وهي التي لم تسمع منه كلمة طيّبة منذ سنوات. فتواجهه بفعلته، فينكر ويرفع صوته، ويحاول التغطية على جريمته بالصراخ واختلاق المشاكل.. ومع الإصرار والاستمرار تملّ الزّوجة الحياة فتتجه إلى الطلاق.. وربّما يحصل العكس، حيث يجد الزّوج زوجته تتواصل مع رجل آخر على الماسينجر، تشكو إليه مشاكلها وهمومها، والرّجل يظهر كلّ الحرص على سماعها، على عكس زوجها الذي لا يحاورها ولا يسمع منها شيئا.. يستنكر الزّوج على زوجته ما تفعل، ويظهر حميته لعرضه، فتتهمه زوجته بأنّه شكّاك وموسوس.. تُفقد الثقة بين الطّرفين، ويقع الطّلاق، وتتشتّت الأسرة ويضيع الأبناء.. والسّبب هو مواقع التواصل الاجتماعيّ…

يُتبع بإذن الله…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!