-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مونديال عالمي أم فتحٌ إسلامي؟!

بقلم: د. أمين كرطالي
  • 1291
  • 0
مونديال عالمي أم فتحٌ إسلامي؟!

هكذا تساءل دُعاة الحداثة و أدعياءُ تجديد الخطاب الدّيني في عالمنا العربي عشيّة حفل افتتاح مونديال قطر! سؤال يكشف عن مدى الصّدمة التي عاشها هؤلاء الأقزام وهم يرون معاول الهدمِ تنقضُ بناءهم الهشّ وتنسفُ أفكارهم الخبيثة. صدمةٌ جعلتهم ينفثون سمومهم بكلّ صفاقةٍ، ويكشفون حقدًا دفينا يحملونه في صدورهم تجاه دين الإسلام، فهذا يُزعجه الآذان، وذاك ينتقدُ الافتتاح بآي القرآن، عبارات ومواقف تؤكّد أنّ ما يردّده هؤلاء من دعواتٍ إلى الإصلاح –زعموا- وما يُعبّرون عنه بقولهم “تجديد الخطاب الديني” ليس الهدفُ منه تهذيبَ الخطاب الدّيني وإنّما يريدون تبديد الخطاب الدّيني وتمييعه حتّى يتماشى مع القيم الغربيّة.

إنّ هؤلاء الذين كانوا بالأمس القريب يدعون إلى تطويع التّراث الإسلامي لأجل أن يتماشى مع التعاليم الماركسيّة، هم أنفسهم من يسعون جاهدين اليوم للترويج لإسلامٍ يبيحُ الشذوذ والزّنا وشرب الخمر وأكل الربا والسياحة الجنسية، إسلام يُسالم الطغاة والفسقة والصهاينة ويُعادي صريح القرآن وصحيح السنّة وخيار الصّحابة وسادات السّلف وأئمّة المذاهب وأعلام الأمّة وخِيارها.

إنّ هذا الدّين سيبقى إلى آخر الزّمان مناهضا لدعاة الانحلال والانفلات والتمرّد ضدّ القيم، دينٌ سمحٌ يُرسّخ الروابط الإنسانيّة والاجتماعيّة، ويؤسّس لفردٍ صالح ومجتمع متماسك، وستبقى أمّتُنا كما أراد الله لها أن تكون “أمّة وسطا” قال تعالى: ( كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) “البقرة 143” .

نحن أمّة الشهادة التي لها حضورٌ معرفي دائم مؤثر، وتسعى من أجل مُنازلة  الواقع وتعديله باتجاه الوسط، فخير الأمور أوسطها. ونحن المسلمين إذا أردنا أن نأخذ مكاننا في هذا الشهود الحضاري فعلينا أن نؤدي دورنا كما رسمه لنا، فقد قال سبحانه وتعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران)، فهذه هي وظيفتنا كمسلمين، وهي تبليغ الرسالة إلى العالم، بأجمل أسلوب وألطف عبارة وأصدق نية، فإن تخلّينا عن أداء هذه المهمّة العظيمة تحوّلنا إلى الدّفاع، كثُرت الطّعنات والثّغرات، وغزانا الغيرُ بأفكارهم وأخلاقهم، وصرنا أذلّة صاغرين، وكما يقول مالك بن نبي رحمه الله: “ولكن التاريخ يقرر أن الشعب الذى لم يقم برسالته أي بدوره في تلك السلسلة ما عليه إلا أن يخضع ويذل”.

هؤلاء الذين كانوا بالأمس القريب يدعون إلى تطويع التّراث الإسلامي لأجل أن يتماشى مع التعاليم الماركسيّة، هم أنفسهم من يسعون جاهدين اليوم للترويج لإسلامٍ يبيحُ الشذوذ والزّنا وشرب الخمر وأكل الربا والسياحة الجنسية، إسلام يُسالم الطغاة والفسقة والصهاينة ويُعادي صريح القرآن وصحيح السنّة وخيار الصّحابة وسادات السّلف وأئمّة المذاهب وأعلام الأمّة وخِيارها.

إنّ ما فعله كثيرٌ من المتطوّعين والفاعلين في قطر من محاولة استغلال فرصة المونديال من أجل التّعريف بثقافة العرب وأخلاقهم النبيلة، وبيان سماحة الإسلام وتعاليمه السامية، ومحوِ تلك الصّورة الخاطئة التي رسّختها الدّعاية الغربيّة والصهيونية ضد العرب والمسلمين، كلّ ذلك يؤكّد مدى تشبّث القطريّين بدينهم وعروبتهم، ويجعلنا نفخر بهم ونشدّ على عضدهم، فما بدر منهم يُنمي عن إيمان راسخ ونيّاتٍ صادقة وتديّن عميق.

لا شكّ أن المونديال هو ضربٌ من ضُروب اللهو واللّعب، وأنّ السُيّاح يبحثون فيه عن المتعة والترفيه، لكنّ ذلك لا يمنع أن يغتنم المسلم الصّادق الفرصة من أجل الدّعوة إلى دينه بخُلقه الرفيع، ونقاشه الهادئ، وأسلوبه الحكيم، فالمونديال -حسب رأيي- فيه إثم كبير ومنافع للنّاس، قد يكون إثمه أكبر من نفعه، لكنّ الذكيَّ من سعى إلى تقليل المفاسد، والاستثمار في الفرص من أجل الدّعوة إلى الله، وتبليغ رسالاته، كي ننقذ البشريّة من الأدواء التي ألمّت بها، فما أحوج شعوب العالم إلى الإسلام! ألم يكن الأنبياء والمرسلون يتحيّنون الفرصة من أجل الدّعوة إلى الله والردّ على أهل الباطل؟ سيّدنا موسى عليه السلام حين تحدّى فرعون وضرب له موعدا، اختار يوم الزّينة، وكان يُصادف يوم عيدٍ فقال تعالى حاكيا عن موسى عليه السّلام: (قال موعدكم يوم الزينة) قال مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي: “كان يوم عيد لهم، يتزينون فيه، ويجتمعون في كل سنة”، كما طالب موسى عليه السّلام (أنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) أي: يجتمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره.

وكان الأنبياء والمرسلون يمشون في الأسواق وفيها تُباع الجواري والخمور ويكثر الكذب والغشّ، يمشون ويدعون إلى الله ويسعون إلى تغيير المنكرات، هذا هو حالهم، وكذلك يجب أن يكون حال أتباعهم، فألف تحيّة إلى أولئك الذين حوّلوا المونديال إلى مِنبرٍ من أجل دعوة الغير إلى الإسلام، أو على الأقل تغيير تلك الصّورة الخاطئة ضدّ الإسلام، فقد نجحوا في الوقوف ضدّ دعاة المثليّة ومنعوا عدّة منكرات، فألف شكر وألف تحيّة.

وتحيّة أخرى إلى أمير قطر من شعب الجزائر الذي يكنّ لهذه الدولة وقيادتها كلّ الاحترام والتّقدير، ونقول للنّاعقين من أدعياء الحداثة والتنوير: كفاكم صراخا وعويلا، تألّموا في صمت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!