-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نائبٌ عن الشعب.. أم عن القبيلة؟!

نائبٌ عن الشعب.. أم عن القبيلة؟!

بعد 32 سنة من تدشين التعددية السياسية في الجزائر، لا تزال ظاهرة العصبية القبلية والعشائرية تلاحق الممارسة الانتخابية في المواعيد البرلمانية والمحلية لارتباطها مباشرة بالمصالح الماديّة بين المترشحّ والناخب، ما أدّى في النهاية إلى بناء علاقات زبونيّة بين الطرفين، عوض أن تكون عقدا سياسيّا يرتكز على مفهوم المواطنة.

ومع ما يبدو من إحراز نضج سياسي وثقافي في المجتمع، بعوامل التعليم والعمل المدني والتوعية الدينيّة ومكاسب حراك 22 فبراير، فإنّ التأثير القبلي على توجّه الناخبين في عديد المناطق بجهات الوطن المختلفة ما يزال سلطانه قويًّا، بل حاسمًا في حالات خاصّة.

وإذا كان الكثير يهلل في محطة 12 جوان الجاري لتراجع سطوة المال السياسي بمقتضى القانون الجديد للانتخابات، والذي ضيّق الخناق على الصِّلات المشبوهة بأوساط المال والأعمال، وكل إمكانية للتأثير على إرادة الناخبين، فإنّ الملاحظ هو بروز النزعات القبلية بصفة لافتة، قياسًا بالاستحقاقات الماضية، خاصة بالمدن الداخلية والجنوبية للبلاد.

ولعلّ السبب الرئيس وراء ذلك، هو تشجيع النمط الانتخابي الفردي على إحياء تلك النعرات العشائرية، حيث تتحيّز القبيلة أو “العرش” لابنها المترشح ضمن قائمة حزبية أو مستقلة على حساب باقي زملائه، بل توجد قوائم كاملة تخوض المنافسة باسم قبيلتها في مناطق راسخة التقاليد القبليّة، ولا يمكن للأحزاب أو الطامحين في دخول البرلمان من الأحرار تجاهلُ المعيار القبَلي في اختيار فرسانها، وإلا طالها العقابُ الانتخابي.

لعلّ الحفاظ على البنى التقليدية في العلاقات الاجتماعية، خاصّة في عصر التفكُّك بكل صوره، يعدُّ من ضرورات مواجهة التحديات الحديثة، وتصبح ذات قيمةٍ عالية عندما نحوِّلها إلى آلياتٍ مجتمعية مكمِّلة لوظائف الدولة المعاصرة في مجال تكريس التضامن و”التقاضي العائلي” أو إصلاح ذات البين، عوض أنْ يكابد الفرد الفقر بين أهله وذويه أو تعجّ المحاكم بقضايا العمومة، فليس ذلك من أخلاق المسلمين ولا من شيم الجزائريين.

أمّا أن نجعل من العصبيّة القبليّة العنصريّة أساسًا في تنظيم الدولة، ولو عبر هياكلها المحلية أو أشكالها التمثيلية الانتخابية، فإنّ الأمر يصبح خطرا محدقا بكيانها الوجودي، ويجعل منها دولة تسبح ضدّ تيار التاريخ وتحنّ إلى عصر ما قبل الدولة، حيث سادت قوة العُصبة في السيطرة على الثروات والإنسان.

قد يقلل البعض من المسألة، بناءً على مؤشرات في المدن الحضرية الكبرى بالشمال، حيث اختلطت الأعراق والقبائل والأنساب منذ مئات السنين وامتزجت بالسكان الوافدين من مختلف الولايات حتى فقدت طابعها القبَلي الحادّ إلا نادرا، بينما يؤكِّد الواقع أنّ الظاهرة متجذّرةٌ فعلاً في باقي الوطن، ولا تخفت أحيانا إلا لتطفو بتعبيرات أكثر حدّة.

لكن اللوم هنا لا يقع كاملاً على عاتق المواطن، وإن كان مسؤولاً عن سلوكه السياسي، بل هو من النتائج الموضوعية لفشل الدول الوطنية الاستقلالية في تكريس المواطنة ومبادئ الحق والقانون والمساواة والعدالة، حيث تسمو الروابط العُلوية للأفراد في إطار مشروع الدولة-الأمّة.

أما في غيابها، فمن الطبيعي أن ينتكس المجتمع إلى حالة الروابط التحتيّة، بصفة اضطرارية، لقضاء الحاجات الخاصّة ولو كانت مشروعة، لأنّ الإدارة في كافة المستويات لا تتعامل مع المواطنين على قدم المساواة، وفق ما يُقرّه القانون العام، بل يحتاج الفرد إلى واسطة، وستكون في الغالب عائلية عشائرية، لنيل حقوقه أو حتّى الاستئثار بالامتياز على حساب الآخرين.

إذا أضحت القبيلة والصلة الأسريّة هي ملاذ المواطن لتحصيل المكتسبات، من عمل وترقيات وسكن وفرص مشاريع وسواها، ولا تشفع المؤهِّلات والأحقيّة لوحدها، يصبح موقفُه السياسي مرتبطا تلقائيّا بذوي القربى، لأنّ صعودهم ضمانة مبدئيّة لحقوقه وتحقيق طموحاته الخاصّة، ولا يفيده في شيء نجاحُ أي مترشح آخر مهما بلغت كفاءته في النيابة عن الشعب، فهو بحاجة إلى نائب عن القبيلة في مؤسسات الدولة.

لذلك لا يمكن اليوم إلقاء اللائمة على وعي المواطن المغلوب على أمره، إذا كان الأخير ابن بيئته السياسية ويتعامل مع الواقع ببراغماتيّة، ولا حتى على الأحزاب إنْ كانت مضطرّة للتكيف معه، ولو سلّمنا بالمسؤولية الأخلاقية لكليْهما، إلا أنّ الوزر الأكبر تتحمله السلطة بعجزها عن الانتقال بالأفراد من مجتمع القبيلة إلى مجتمع المواطنة، وإلى أنْ يتحقّق التحوّلُ المطلوب والمؤجل سنبقى نكرّر نفس الملاحظة والتفسير في كل موعد انتخابي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • محمد رضا

    ذلك ما بقي من الجاهلية فينا، ما استطاع الزمن ولا الزمان عليه من شيءا.