الأربعاء 17 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 15 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 21:36
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

عندما وقع المسلمون الأوائل في مأزق “حادثة الإفك” دعاهم الله (جلّ جلاله) إلى التّوبة جميعا من ماضيهم المثقل بالفساد، قبل استشراف المستقبل بالقول الصّريح: “وتُوبُوا إلى الله جميعًا أيّهَا المُؤْمِنُونَ لعَلّكمْ تُفْلِحُونْ” النّور: 31، فبداية الحلّ استشعارُ كلّ فرد أنه أخطأ بنسبة مئويّة تتناسب مع مسئوليته، ثم يبدأ الحساب. أما الزّعم بأنّ في الوطن ملائكة وشياطين، فلا يساعد على مجرّد الالتقاء، ناهيك عن الحوار والتفاوض لبلورة رؤية مشتركة، لسبب بسيط، وهو أنّ الملائكة لا تقبل الجلوس على طاولة يجلس إليها الشياطين!

في زمن عيسى (ع) عثر بعض المتنطّعين على فتاة في وضعيّة مخلّة بالحياء، فتصايحوا: ارجموها.. ارجموها.. فجاء المسيح (ع) فسترها بردائه، ثم التفت إلى من ظنّوا أنفسهم ملائكة وقال: “ليتقدّم غيرُ ذي خطيئة فليرجمْها”، فطأطأ الجميع رؤوسهم وانصرفوا، لأنهم اكتشفوا أنهم بحاجة إلى توبة جماعيّة قبل التحمّس لرجم فتاة ضُبطت بالجرم المشهود. ونحن بحاجة إلى توبة جماعيّة، فكلمة التّوبة من الألفاظ المظلومة في قاموس المسلمين، لأنّ معناها تمّ ابتذاله في المواعظ والخطب والكتب الصّفراء.. حتّى صار رديفَ المعنى الكهنوتي لكرسيّ الاعتراف الذي يجلس عليه المذنب ليفضفض بين يدي ممثل “العناية الإلهيّة” عما بنفسه ثمّ يتمّ تطويبُه ومنْحُه ما يشبه “صكّ غفران”. في حين أنّ التّوبة لها أربع معان ساميّة تستغرق حركة الحياة كلها:

ـ ترْك ما لا يعني والاشتغال بالنّفس.

ـ مراقبة الله في أعراض الناس وأموالهم ودمائهم.. وسائر حقوقهم.

ـ استشعار المسئوليّة على ما تحت اليد من أمانات وحقوق.

ـ أداء الأمانة بإخلاص وتجرّد ووفاء وإتقان.. واحتساب الأجر عند الله.

أعلم أنّ كثيرا من القرّاء سيطرحون أسلحة معدّدة على شاكلة: لماذا أكتب عن التّوبة في لحظات يبحث فيها جميع الجزائريين عن مخرج مما هم فيه من أزمة؟ هل حديثُ الوعظ يحلّ المشكلات السياسيّة؟ أم أنّ السياسيّ إذا أفلس لجأ إلى المواعظ ليدغدغ بها عواطف الناس؟ أم هي نفحاتٌ رمضانيّة..؟ والجواب عن كلّ هذه الأسئلة واحد، وهو: إنّ الأزمة التي نتخبّط فيها اليوم لها عمق أخلاقي افتقدناه منذ أن صار الطّريق إلى تكديس الثّروة لا يمرّ عن طريق العمل، ولا عن طريق الاستثمار ولا الميراث.. إنما طريقه الشّطارة التي يسميها الجزائريون “لقفازة”.

وصار كلّ مسئول لا ينهب ولا يسلب ولا يحتال.. يُتّهم بأنه “درويش” أو من أصحاب الغفلة القديمة، ويتمّ عزله عن مجالس القوم؛ فلا يحضر أعراسهم ولا يجلس على طاولات الخمور التي تُعقد حولها الصّفقات بأرقام فلكيّة، ويُشطب اسمه من شبكة ذوي الحظوة الذين تُقضى مآربُهم بالهاتف السّيادي ويمرّون بالخطّ الأخضر..

سمعت همس كثير من الناس حول التّوقيفات الأخيرة والمحاكمات والأوامر بالسّجن.. وكانت كلها تتساءل عن الأرقام الخياليّة التي حصل عليها بعض هؤلاء المشبوهين الذين كنّا نسمّيهم “عمالقة الاستثمار” فإذا بنا نكتشف أنّ أغلبهم أثرياء القروض البنكيّة، والتّحويلات بالعملة الصّعبة، والتهرّب الجبائي، ونهب العقار الصناعي والمعماري والفلاحي، وتضخيم فواتير الاستيراد.. ولا أتحدّث عن بارونات الهيروين والكوكايين الذين استغلّوا مأساة الجزائريين ليكدّسوا ثروات مهولة، ثمّ يشترون بالأموال الوسخة حصانة برلمانيّة أو وزاريّة أو دبلوماسيّة يستخدمونها لتهريب العملة بشراء ذمم المسئولين الصّغار في كل القطاعات.. وهكذا تمّ تحويل الخزينة العموميّة إلى “ملكية خاصّة” تتداول حفنةٌ من ذوي الامتيازات على نهب مواردها بتحالف المال والسياسة والعشيرة..

وبالتواطؤ على تفكيك مؤسّسات الدّولة، ودفع أربعين مليون مواطن إلى اليأس ثمّ الثّورة على واقع لم يعُد قابلا للاستمرار بأيّ حال من الأحوال.

إذا كان للقوّى غير الدستوريّة من فضل تُشكر عليه، فهو استهتارها بإرادة الشّعب، بعد أن فقدت صلتها بالقيم الديمقراطيّة والإنسانيّة والعدالة.. فهي من حرّضت الرّأي العام على محاصرتها في العالم الافتراضي، فلما كشف عوراتها شعر الشّعب بمرارة الاحتقار والمهانة، فقرّر الثّورة على واقع لم يبقَ فيه ما يخسره، وهو يرى أبناءه يركبون البحر ليعرّضوا أنفسهم للموت وإطعام أسماك البحر، في دولةٍ يفتخر حكامها بتوزيع قفّة رمضان، والمحفظة المدرسيّة، ومطاعم الرّحمة.. وأموال الشّعب تُبنى بها القصور في عواصم العالم. ثمّ نسمع من يتحدّانا بالقول: إذا كانت بحوزتكم ملفّاتُ فساد فما عليكم سوى تقديمها للعدالة! في نظام يمنح للصّ حصانة ويعرّض المُبلّغ والشّاهدَ لمخاطر شبكة فساد تهدّده بالتّصفيات الجسديّة..

أين الله في قلوب هؤلاء اللصوص؟

لقد رأينا مشاهدَ صادمة من عدالة الأرض، وهي غيضٌ من فيض. فكيف نسيّ هؤلاء المختلسون ونهّابو أموال الشّعب عدالة السّماء؟ أليست صرَخات المحتجّين كلّ يوم جمعة شهادةَ إدانةٍ لمنظومة حكم انتهت صلاحيّة وجودها فكرا ووجوها وخطابا وتسييرا وثقة ومواطنة؟ فمكان هؤلاء ليس المتحف، إلاّ إذا كانت الغاية من وجودهم فيه تحنيط “الفساد الرّسمي” لتعرفه الأجيال، فلا تكرّر الخطايا التي لا علاج لها سوى “توبة سياسيّة” للمنظومة كلها، تقدّم بموجبها اعتذارها للشّعب، ثمّ تختفي من مسرح الأحداث.. حتّى لا يتكرّر سيناريو قديم يكتشف خلاله الرّأي العام بأنّ الشّجرة الدّستوريّة كانت تغطّي غابة سياسيّة لأقوام ألفوا التّعيين في المناصب السّاميّة بقرار رئاسي أو بتزوير انتخابي، وهم مدركون تماما أنهم إذا قبلوا بقواعد اللعبة الدّيمقراطيّة سوف تلفظهم الصّناديق، وسوف يسقطون سقوطا حرّا في أوّل استحقاق انتخابي، وليس أمامهم سوى طريقيْن:

ـ الاستنجاد بالدّبابة لحمايتهم من أعداء الدّيمقراطيّة!

ـ أو الاستنجاد بالخارج لحمايتهم من الأغلبيّة، كونهم أقليات!

 

2 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close