-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحاول نصرا أو نموت فنُعذر

سلطان بركاني
  • 1731
  • 0
نحاول نصرا أو نموت فنُعذر

لعلّ من أهمّ المحطّات التي ينبغي للمسلمين أن يطيلوا الوقوف عندها في شهر الله محرّم، ذكرى الاندحار التاريخي لمرحلة من مراحل الفرعونية التي بلغت في الفساد والظّلم والعلوّ مبلغا قلّ أن يعرف تاريخ البشرية له نظيرا.. محطّة يفترض أن تكون مهمّة وفارقة ومؤثّرة في سيرورة الأمّة المسلمة التي قصّ عليها خالقها -سبحانه- في أكثر من موضع من كتابه قصّة موسى -عليه السّلام- وقومه مع فرعون وملئه؛ قصّة من أهمّ قصص الصّراع بين الحقّ والباطل، استغرقت أحداثها عقودا من الزّمان، واستحقّت أن تخلّد في آيات أصدق وأحكم كتاب نزل لإقامة صرح العدل وهدم صروح الباطل.

إنّها قصّة أمّة استضعفها ظالم مبير بلغ به الظّلم والصّلف إلى حدّ جعله يستأثر لنفسه وحاشيته بالكنوز والأموال والخيرات، ولم يكتف بذلك حتّى أمر بقتل أبناء الذين آمنوا فقال: ((اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُم))، وتمادى به الأمر إلى حدّ قال فيه: ((يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِين))، وقال: ((أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)).. أمهله الله العليّ الأعلى وأملى له، حتّى ظنّ أنّه من الخالدين، ليجعل له يوما لا مفرّ له منه، استدرجه فيه إلى اليمّ لتكون نهايته الغرق في قاع البحر بعد أن كان يتطلّع إلى السّماء: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آ لآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُون))..

ماذا؟ أورث الله ملكه وقصوره وبساتينه وأمواله الذين كانوا يستضعفون في الأرض: ((فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيل))، ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون))، ومكّن الله للمسلمين من بني إسرائيل في الأرض، وهم الذين كان الواحد منهم يتحسّس موطئ قدمه من تحته خشية أن تتخطّفه زبانية فرعون: ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون)).

هذه المحطّة التي تمرّ البشرية بذكراها كلّ عام، يفترض أن تكون محطّة لاستعادة الأمل في انتصار الحقّ على الباطل والعدل على الظّلم والجور والإجرام، تجدّد فيها الأمّة المسلمة -خاصّة- يقينها بأنّ دول الباطل مهما قويت فهي إلى زوال، وأنّ الظّالمين مهما طغوا وبغوا واستَضعفوا عباد الله فإنّ لهم يوما لن يجاوزوه، يقول الحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-: “إنّ اللَّه عزّ وجلّ يُملي للظّالم، فإذا أخذه لم يفلته”، ثمّ قرأ: ((وكَذلكَ أخْذُ رَبِّكَ، إذا أخَذَ القُرَى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ))”.

ها هم الأفغان، ذلك الشّعب الفقير المستضعف الذي كان يعيش على هامش العالم وهامش التاريخ والجغرافيا، يعطون الأمّة نموذجا فريدا في انتصار العدل على الظّلم، في زمن طغيان المادّة وتعلّق القلوب بالمظاهر والحسابات.. من كان يظنّ أنّ أمريكا التي قالت للبشرية في هذا الزّمان بمنطق فرعون: ((أنا ربّكم الأعلى)) يمكن أن تندحر أمام شعب فقير مثل شعب الأفغان؟ ها هي “الدّولة العظمى” تنسحب من أفغانستان مدحورة تجرّ أذيال الخيبة، ومهما شكّك المشكّكون وحاول الماديون أن يبرّروا لها خيبة سعيها، فإنّه يكفي العقلاء والمنصفين أنّ الرئيس الأمريكي “بايدن” برّر الانسحاب المذلّ بقوله: “لن أسمح بإزهاق المزيد من أرواح الأميركيين هناك”، كما اعترف مسؤول أمريكيّ آخر بأنّ أمريكا تخسر حربا أخرى، أطول حرب لديها، حيث قال: “نحن الرّقم 1! لقد أنفقنا أكثر من 2 تريليون دولار، وضحينا بأكثر من 2300 أمريكي لغزو أفغانستان”، إلى أن قال: “مرة أخرى، لقد هزمَنا جيشٌ بدون طائرات قاذفة، لا مدمرات، لا صواريخ، لا طائرات هليكوبتر، لا نابالم، مجرد مجموعة من الرجال في شاحنات بيك آب. لم نكسب حربا فعلية في الدفاع عن هذا البلد منذ الحرب العالمية الثانية”.

النّصر قد يتأخّر عن قوم أو أمّة لحكمة يقدّرها الله، وهو (أي النّصر) لا يشترط بالضّرورة أن يكون ظفرا وسلامة في البدن والمال، فقد يكون شهادة في سبيل الحقّ ينال بها المؤمن الدّرجات العالية في الدّار الباقية، وقد يكون قبل ذلك قبولا ورفعة وذكرا حسنا يُرفع لصاحبه في الدّنيا.. ها هو الحسين بن علي -رضي الله عنه- في محطّة أخرى من محطّات محرّم، في عاشوراء من العام الـ61 من الهجرة، يُستشهد دون هدفه، وهو الذي خرج لإنكار المنكر والظّلم، وإعادة القطار إلى سكّته، استشهد مع أهل بيته وبقي الجلاوزة الظّالمون من بعده ردحا من الزّمان.. لكن شتان بين من رُفع ذكره في العالمين ودوّن ثباته على صفحات التاريخ بأحرف من عزّ ونور، وبين من كتبت نذالته على صفحات التاريخ بمداد أحمر، وشتان بين وُعد بأنّه سيكون سيدًا لشباب أهل الجنّة، ومن وعد من يقترف جريرته بالخزي والصغار وسوء المنقلب في دار القرار.

قبل ذلك، قرونا قبل انتصار الحسين، سجّل كتاب الله المحكم قصّة أصحاب الأخدود في سورة خالدة من سوره، هي سورة البروج؛ أصحاب الأخدود لم ينتصروا وفق الموازين المادية وموازين الدّنيا، لكنّهم انتصروا وفق موازين الآخرة، حين نالوا الشّهادة، ووُعدوا جنّات تجري من تحتها الأنهار، وقد سجّلت كتب التاريخ أنّهم كانوا يقفزون في النّار ونفوسهم راضية مطمئنّة، حتّى إذا تردّدت إحدى الأمّهات، نطق رضيعها بين يديها قائلا: “أقدمي يا أمّاه واصبري فإنّك على الحقّ”.

علّمتنا قصّة الحسين وبعدها قصّة عبد الله بن الزبير، وقبلهما قصّة أصحاب الأخدود، أنّ النّصر قد يكون شهادة ينالها العبد، وقد يكون ثباتا على الحقّ إلى آخر رمق.. قد ينتصر العبد بثباته على الحقّ وتمسّكه به في زمن يبيع فيه النّاس دينهم ومبادئهم بثمن بخس دراهم معدودة، قد يكون النّصر بتشبّث العبد المؤمن بدينه وتمسّكه بشرائعه وشعائره في زمن تلوّن النّاس وتقلّبهم حرصا على دنياهم. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: “يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر” (رواه الترمذي).

وما أحسن ما قاله الشّاعر تقريرا للمعنى آنف الذّكر:
بكى صاحبي لمّا رأى الدّرب دونه * وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنُعذرا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!