-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحو ديمقراطية اجتماعية

عمار يزلي
  • 375
  • 0
نحو ديمقراطية اجتماعية

بات اليوم من الممكن أن نتحدث عن نموذج وطني للتنمية وعن نموذج وطني سياسي جديد ضمن فلسفة التغيير التي ستفضي حسب التوقعات إلى “جزائر جديدة”.

النموذج الاقتصادي التنموي الذي بات اليوم في حكم الاختيار لا الاختبار والتجريب، هو النموذج “الليبرالي الاجتماعي”. يعتمد هذا النموذج على الشق الاقتصادي بفكيه العام والخاص وأيضا على الشق السياسي الفلسفي المعتمِد على اجتماعية الدولة، بما يضمن ضمانا أوسع للشرائح الشعبية الوطنية من العيش المريح من حيث توفير السكن بسعر مدعم وصحة مجانية ودعم للفئات الأكثر هشاشة بحيث يتم القضاء تدريجيا على الفقر عبر التكفل الاجتماعي بالفئات غير القادرة على العمل وتوفير مناصب الشغل لكل أو لمعظم الطالبين له.

هذا الخيار، الذي بدأ يشق طريقه نحو التجسيد، هو مشروعٌ سياسي دون أن يكون “سياسويا” حزبيا. رئيس الجمهورية في تعهداته الـ54، لم يكن يحمل يافطة سياسية ولم يتخندق خلف أي مشروع حزبي، فهو بذلك قد اختار نهجا مغايرا عمن سبقوه، كون أن الظروف تغيرت وتغيّر النظام بشكل كبير وليس بشكل كامل، ولم يعد أي حزب اليوم يفرض سياسته التنموية على الرغم من أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة أفضت إلى أغلبية برلمانية. غير أن هذه الأغلبية تخلت عن “حقها” في الحكم عبر “رئاسة حكومة” وفضلت التعامل والتعاون مع بعض الأحزاب التي تتلاقى أفكارُها وبرامجها مع برنامج المترشح الحر، الرئيس عبد المجيد تبون. لهذا، فالبرنامج التنموي هو برنامج الرئيس، وهو من يشرف على تنفيذه نقطة بنقطة وخطوة بخطوة من دون تأثير سياسي حزبي خارج نسق منظومة الحكم الحزبية التقليدية، لكن برؤية جديدة. هذه الرؤية هي نتاج تجارب سابقة أدت إلى فشل وانزلاقات وتعفن أحيانا في المنظومة ككل. لهذا كان لزاما أن يحدث تغييرٌ هيكلي في منظومة الحكم السابقة والبناء على هذا التغيير لإحداث تغييرات أكبر مستقبلا، فالتغيير لا ينتهي، والعبرة بخواتمها، والفوز أو الفشل لـ”سيد الخوادم”.

الشق الثاني في التجربة الجزائرية الحالية هو هذا الجانب: الجانب السياسي الفكري المتمثل في “الديمقراطية الاجتماعية”، والتي هي مزيجٌ من التجربة الاشتراكية المعتمِدة على القطاع العام والدعم الاجتماعي، وتجربة الاقتصاد الحر الذي قد يُفضي إلى الليبرالية الاجتماعية. فالليبرالية مفهومٌ فلسفي أكثر منه اقتصاديا، تماما مثل “الحداثة”، وهي تتطلب تطورا متكافئا مع التطور الفكري والثقافي والممارساتي للديمقراطية مع كل ما يتماهى معها من حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية في ظل احترام الشعائر الدينية والمقومات الاسلامية التي يرتكز عليها نظامنا السياسي والاقتصادي على خلاف الديمقراطيات الغربية التي تتجه أكثر نحو “التمدّي” والسقوط في مستنقع المادية الفجة ولجة الفردانية والأنانية. نظام أقرب إلى “الديمقراطيات الدينية” في الغرب المسيحي (ألمانيا ميركل مثلا) أو “الاشتراكيات الاجتماعية” في بعض بلدان الغرب التي يتناوب عليها الاشتراكيون ومنها السويد على سبيل المثال، مع اختلاف كبير بين الفكر الإسلامي والفكر المسيحي في الغرب، على اعتبار أن المسيحية لم تعد تعمل بتعاليم المسيح بقدر ما صارت تتعامل مع تعاليم “كهنوت العلمانية”.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي عيِّن على رأسه رئيس جديد بعد نحو أربعة أشهر من البحث عن الانطلاق بعد التأسيس، مطالب اليوم بالعمل في هذا السياق: تجسيد النموذج الأصلح والذي ينبغي أن نثبته بالعمل الدؤوب والحزم وقوة تدخل الدولة لحماية هيبتها وقوانينها وفي الوقت ذاته حماية قوت الجزائريين وصحتهم وضمان عيشهم الكريم من عمل وصحة وتعليم وحرية في التعبير والتنقل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!