الإثنين 23 نوفمبر 2020 م, الموافق لـ 07 ربيع الآخر 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق
بريشة: فاتح بارة

انتشر في الجزائر ما يدعى بمراكز العلاج بالطب الصيني أو الطب البديل، فاغتنم المرتزقة والمحتالون فرصة الغطاء القانوني لممارسة تجاوزاتها واستغلال المرضى للربح السريع. الشروق العربي وقفت على واقع هذه المراكز، وسيكون علينا التحفظ على ذكر أسمائها، تفاديا لمشاكل قانونية قد تلاحق أصحابها ونكتفي بذكر الأحداث الحية والوقائع لتوعية المرضى والطامعين في العلاج.

نصب واحتيال خلف ستار العلاج بالطاقة والرقية الشرعية

وصلنا إلى أحد المراكز، مقره بالشراقة بالجزائر العاصمة، الساعة كانت تشير إلى الثامنة والنصف صباحا، طابور طويل يضم نحو عشرين امرأة، تتراوح أعمارهن ما بين السابعة عشرة والستين أو الخامسة والستين، يجلسن تباعا على كراسي بلاستيكية أنيقة، الواصلة أولا تجلس قرب الباب. في حدود التاسعة صباحا، مرت سيدة ثلاثينية ترتدي مئزرا أبيض مفتوحا وبزة طبية خضراء من تحته، وتضع نظارة، قدمت إلى كل جالسة في قاعة الانتظار مطوية بقائمة خدمات المركز، ثم أغلقت الباب الخارجي، وعادت لتسأل: “من منكن ترغب في العلاج بالطاقة عن طريق الرقية الشرعية أولا؟ الجلسة بألف دينار، وهي مهمة لتفعيل العلاج التكميلي”.. فارتفعت وشوشات بين النسوة، واتضح أنهن جميعا جئن لهذا الغرض. بعد سكوت لم يدم 5 دقائق، عادت الموظفة لتسأل: هل تنتظر كل واحدة دورها أم يقمن بجلسة جماعية فهي مفيدة أكثر، ثم أدخلت نحو عشر نساء، وأغلقت الباب.. ليرتفع صوت الصراخ من الداخل. وبين فترة وأخرى، تخرج إحداهن تحمل قارورة ماء وعبوة صغيرة ثم تستفرغ بشكل غريب، وتعود ثانية إلى القاعة. سألنا الموظفة، فأخبرتنا أن هذه الخطوة ضرورية للتخلص من طاقة السحر والمس والحسد، وعلى كل مريضة تدخل القاعة شراء تلك العبوة الصغيرة بمبلغ 1500 دج، وهي مضاد حيوي طبيعي يساعد على الاستفراغ، ثم امتعضت قليلا عند سؤالنا مجددا إن كان هذا المضاد يحمل نشرة طبية؟

مر نصف ساعة تقريبا والأصوات ترتفع بالداخل، ممزوجة تارة بصوت تلاوة، وتارة أخرى بصوت أذان أو دعاء، حتى بدأت السيدات يخرجن واحدة بعد أخرى، بعضهن يتوجهن إلى قاعة الحجامة، وأخريات ينتظرن دورهن للقيام بعلاجات أخرى، كالإبر الصينية والفوطة النارية وسم النحل.. وجميعهن كن يحملن علبا من العسل اقتنينها بستة آلاف دينار، على أنها مرقية ومن أجود الأنواع، وقارورات صغيرة من الزيوت المخلوطة للدهن والتدليك، وقارورات مياه وعلبا لماسكات وجه، تحبب الزوج في النظر إلى زوجته حسبهن، كان مجمل ما تنفقه السيدة مخيرة داخل القاعة، حتى قبل الوصول إلى العلاج الفعلي، لا يقل عن 15000 دج. استأذنا من الموظفة بحجة التأخر بعدما جمعنا كافة المعلومات.

مسرحيات لبيع الوهم وإقناع المرضى

يمكن القول إن العلاج بالطب البديل، أو ما يدعى الطب التكميلي، هو مجال جديد في الجزائر، بدأ الإقبال عليه بكثرة خلال السنوات الأربع الأخيرة، ولايزال الجزائريون يجهلون الكثير عن هذا النوع من التداوي، ما يسهل سبل الاحتيال أمام المتخفين خلف ستاره، فلا هم معالجون، ولا يمتون للطب بصلة، ولكنهم يفتحون أوكارهم ليوهموا الناس بإمكانية علاجهم من جميع الأسقام، بينما في الواقع يربطون كل علل الناس بالسحر والعين والحسد، ويقنعونهم بذلك، بأساليب بشعة.. وهو ما يحدث في أحد المراكز العصرية غربي العاصمة، المكان يشبه عيادة طبية نظيفة ومهيأة، وخلف الستار وكر ينصب فيه على ضعاف الصحة وضعاف النفوس، يتم الترويج لهذا المركز عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على أنه يقدم علاجات طبيعية وطبا صينيا. تنقلنا نتطقس، عسى أن نكسر الصورة النمطية التي صادفناها في العديد من المراكز من هذا النوع. استقبلتنا شابة في الخامسة والعشرين تقريبا، في كامل تبرجها، استفسرت إن كنا أخذنا موعدا مسبقا، ثم سألتنا عن نوع العلاج؟ ثم دعتنا لتجريب الرقية لمعرفة نوع المرض، إن كان روحانيا أم عضويا. كان من الصعب تمالك النفس عن الدهشة. وما إن غادرت مكتب الاستقبال حتى همست سيدة خمسينية تنتظر دورها للقيام بجلسة تدليك: “إياك والرقية هنا، إنها مجرد مسرحية، هل تسمعين الصراخ؟ هذه المعالجة تقوم باستقدام سيدات يمثلن دور المسحورات اللواتي يستخرج منهن الجن، وتدفع لهن مقابل ذلك لتعزيز مصداقيتها أمام الزبونات القادمات من مختلف الولايات..” الصدمة هاهنا لم تكن بقدر تلك التي أكدها لنا عمي إبراهيم، صاحب محل لبيع الزيوت والأعشاب الطبيعية بقلب مدينة البليدة، الذي يتوسط دكانه العريق اثنين من الرقاة، سألناه عن الظاهرة فرد: “… لقاوها حرفة والناس المرضى مساكين يتمسكون بقشة، إنهم يوهمونهم باستقدام شخص يمثل دور المريض الذي يحصل على الشفاء ويدلي بتجربته، يستعملون كتاب الله وكلماته للنصب والاحتيال على المرضى، ويبررون ذلك بالعلاج النفسي ودفع المريض إلى الإيمان بالشفاء..”.

ما يحصل في أوكار الرقية العصرية هذه، بات خطيرا إلى حد تصنيفه ضمن أكثر الاحتيالات الذكية انتشارا، تحت مسمى العلاج والدين، وسط غياب تام للرقابة والقوانين التي تنظم نشاط هؤولاء.

الرقية العلاج النصب

مقالات ذات صلة

  • وفاء ولتربية الأولاد:

     رجال أرامل.. دفنوا الزواج إلى الأبد

    كثيرا ما نسمع عن وفاء الأرملة لذكرى زوجها الراحل، وكيف تصبر وتصابر وتكابد من أجل تربية الأولاد، لكن قلما نسمع عن أرمل دفن فكرة الزواج…

    • 2244
    • 1
  • كورونا والوضع المالي تقلب المعايير والمواصفات

    ما يشترطه الجزائريون للزواج في 2020

    تغيرت كثير من توقعات الشباب والبنات حول الزواج وانخفظ سقفها بشكل رهيب بسبب جائحة كورونا والوضع الإقتصادي…في عام كل التحديات هل تغيرت شروط الزواج وماذا…

    • 937
    • 2
600

2 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • نحن هنا

    اذن النصب والاحتيال ماركا جزائرية بامتياز من تزويرالانتخابات الى تزوير السلوكيات أين المفر؟

  • خليفة

    عندما ينتشر الجهل ،و يضعف الايمان بالله ،تنتشر مثل هذه الاوكار التي تبيع الاوهام للناس ، و كان يجب على الدولة ان تحارب مثل هذه الاوكار و الممارسات الزاءفة، و ان تضع قوانين صارمة لمعاقبة اصحاب هذه المهن التجارية ،التي هدفها استدراج المرضى لاستنزاف جيوبهم عن طريق طقوس و خزعبلات ما انزل الله بها من سلطان.

close
close