-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نعمة عظيمة ينسى الصّائمون شكرها

سلطان بركاني
  • 1453
  • 4
نعمة عظيمة ينسى الصّائمون شكرها

موقف يتكرّر معي كلّ عام، قبيل رمضان وفي الأيام الأولى منه: يدخلّ عليّ أحدهم مقصورتي ليستأذنني في السّؤال.. عيناه تنبئان عمّا في قلبه، يستجمع كلماته ليسأل: يا شيخ، لقد أشار عليّ الطّبيب بألا أصوم رمضان، لأنّ الفحوص أثبتت أنّي مصاب بمرض في القلب، أو بمرض السكريّ.. أُطمئنه بأنّ الله الذي فرض الصيام هو من رخّص له ولأمثاله بالفطر، وبأنّ أجره سيكون مثل أجر الصّائم.. يُظهر اقتناعه، لكنّه لا يستطيع إخفاء دمعاته، وهو يقول: يا شيخ هذا أوّل رمضان لا أصومه، منذ “كذا” من السّنوات.. ثمّ يسأل عن الفدية، ويختم كلامه بالقول: لو أمكنني إخراج أموال الدّنيا حتى أجد حلاوة الصيام التي كنت أجدها.

صيام رمضان، وقيام لياليه، نعمة من أجلّ نعم الله على كثير من عباده، قد يعرف قدرها من وجد الخشوع في صيامه وقيامه، لكنْ لعلّ كثيرا من المسلمين لا يقدرون هذه النّعمة قدرها حتى يبتلوا بما يحول بينهم وبين الصّيام أو يطرأ عليهم ما يحرمهم القيام.. عندها يدرك الواحد منهم أنّه كان في نعمة عظيمة ومنحة جزيلة عندما كان لا يجد للصّيام ولا للقيام مشقّة.

قد تمرّ السّنوات والعقود على المسلم وهو يصوم موفور الصّحّة والعافية، لا تعنيه المسائل التي يهتمّ بها غيره من المرضى وأهل الأعذار، ويذهل عن شكر نعمة العافية، حتّى يفاجأ بحرمانها، ويحرم معها الصيام أو القيام أو يحرمهما معها، وقد يحرم مع ذلك نعمة السّجود ونعمة حثّ الخطى إلى بيت الله.. فكم من مسلم يتألّم حسرة أنّه لا يصوم مع الصّائمين! وكم من مسلم يبكي قلبه حزنا أنّه لا يقوم مع القائمين! وكم من مسلم اجتمعت عليه الحسرة والألم، ومهما عرف أنّه من أهل الأعذار الذين ينالون أجورهم التي كانوا ينالونها قبل الابتلاء، إلا أنّ ذلك لا يعوّضه تلك الحلاوة التي كان يجدها يوم كان في زمرة الصّائمين القائمين.

أخي الصّائم، قدرتك على الصيام والقيام نعمة لا توزن بأموال الدّنيا، فاحمد الله، واشكره بحفظ صيامك عمّا يفسده أو ينقص أجره، واحرص على القيام ولا تركن لنزغات نفسك.. أنت في عامك هذا تقوى على الصيام والقيام، لكنّك لا تدري ما يكون من أمرك في العام القادم، فربّما تمرض فجأة وتحرم الصيام وحتى القيام، ويومها تبكي حسرة على صلاة التراويح التي كنت تكتفي منها بركعتين أو أربع، لتنسِل إلى المقهى حيث الأصدقاء والخلاّن!.. وتبكي حسرة على صيامك الذي كنت تقضي معظم ساعاته نائما! وتخرّقه بالغيبة والنّظر إلى ما حرّم الله على شاشة الهاتف والتلفاز وفي الشّارع!

هل تعلم أخي الصّائم أنّه قد مات بين رمضان العام الماضي ورمضان هذا العام ما لا يقلّ عن 12 مليون مسلم، بينهم من كانوا يتمنّون أن يدركوا رمضان آخر في هذه الدّنيا ليحقّقوا فيه أعمالا وآمالا مؤجّلة؟ وأنت قد منّ الله عليك ومدّ في عمرك وأدركت رمضان آخر، وفوق ذلك حفظ لك صحّتك ولم يسلبك شيئا منها، هل ترضى أن يكون جزاء هذه النّعم والفرص، أن تصرّ على برنامجك القديم الذي تقتل به أيام وليالي رمضان في غير ما ينفعك في الدّنيا ولا في الآخرة؟ إلى متى وأنت تُمضي ساعات رمضان في النّوم وجلسات المقاهي وملهيات مواقع التواصل؟ اتّخذ قرارك الآن في هذه اللّحظة أن تعيد حساباتك، وتراجع برنامجك، وتعرف لأيام وليالي رمضان قيمتها، ولنعمة العافية قدرها، وأنت تستحضر أنّك ستقف يوما بين يدي الله لتُسأل عن عمرك فيم أفنيته وعن شبابك فيم أبليته، وعن أيام ولحظات رمضان فيم قضيتها؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • باتني

    الحمد لله . جزاك الله عنا خيرا شيخنا.

  • جزايري حر

    أحسنت الموعظة بارك الله فيكم ونفع بعلمكم

  • محمد العربي

    و كم هي النّعم الكثيرة التي لا نعرف قيمتها الا حين نفقدها

  • ناصر

    كلام جميل و مؤثر جزاك الله خير الجزاء