-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نوفمبر من فوق كل منبر

عمار يزلي
  • 542
  • 1
نوفمبر من فوق كل منبر

فاتح نوفمبر هذه السنة يكتسي روحا ومذاقا وطعما مغايرا، بتغير الوقائع على الأرض وعلى الفضاء الافتراضي وفي الإعلام الرقمي وعبر الممارسات غير الودية وغير الصحية بين المحتل القديم والمستقل الجديد. وقائع، تشير إلى “ثورة” جديدة في العلاقات الجزائرية الفرنسية، من شأنها أن تعيد عقارب الساعة إلى أكثر من 67 سنة للخلف، بعد ما أنهت الثورة التحريرية المباركة معادلة الاحتلال العسكري القائمة، وأخرجت قوات فرنسا الغازية من أرض الجزائر، ورُفع العلم الجزائري عاليا فوق كل البيوت والمباني وفوق كل شبر من الوطن المحرر.

وقتها، بدأت الجزائر في استعادة استقلالها كاملا وعلى مراحل: فثورة نوفمبر التي رسمتها أيادي ودماء ودموع الشهداء والثكالى والمفقودين والمعذبين والمضطهدين والمساجين والمعتقلين في المحتشدات وفي المناطق العسكرية، والمنكل بهم بلا شفقة ولا رحمة طيلة سنوات الاستعمار، وما لحق بالشعب كله من جرائم وإبادات جماعية… هذه الثورة، لم تكن حدثا عابرا ولا غضبا شعبيا عارضا، بل كانت انفجارا شعبيا عارما، وثورة شاملة جذرية مطلبها الأساسي إخراج المحتلّ من الأرض المحتلة ورفع العلم وإعلان السيادة على كل الأراضي المستعمَرة وتحريرها شبرا شبرا، أرضا وجوّا وبحرا، صحراء وتلا، وشمالا وجنوبا، واستعادة الخيرات الباطنية والسطحية التي كانت تنهبها قوات الاحتلال بأيادي المعمِّرين وبأيادي قواتها العسكرية والمدنية لتعمير المتروبول وضخّ دماء جديدة في اقتصاد بلادها على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.

تعود اليوم الذكرى الـ67 لانفجار الشعب برمّته عبر نُخبه التي آمنت في الأخير بأن قوة السلاح هي الوحيدة التي تُخرج من دخل بالسلاح.. وأن زمن “العتاب” قد ولّى وانتهى عهده إلى الأبد.. وبات الشعب كله عن بكرة أبيه مشاركا بكل ما أوتي من قوة وعمل ومساعدة، عددا ومددا وتمويلا وتموينا، وإيواء ولحمة بينه وبين جيش تحرير بلاده الذي أوكلت له مهمة التحرير العسكري، فيما أوكلت لنُخبه المدنية، مهمة التحرير السياسي والعمل الدبلوماسي والإعلامي والفكري والديني والتعبوي.. تعود هذه الذكرى، وقد تحررت البلاد أخيرا من بقية علاقات الهيمنة المتعالية للدولة المستعمِرة التي افتكتّها عبر تأويل لبنود في اتفاقيات إيفيان، تجعل الجزائر مرتعا خصبا لفرنسا المدحورة عسكريا، تنتفع بخيرات البلاد عبر امتيازات لا حصر لها وتحشر نفسها في كل شاردة وواردة في شؤون البلاد الداخلية. ظلّ هذا لفترة طويلة، ما عدا فترة الراحل هواري بومدين.

اليوم، تعود هذه الذكرى وقد انتفض الشعب الجزائري برمّته وأسقط عصابة كانت تحكمه، في مسعى لاستعادة سيادته على خيراته وقراراته السياسية السيدة. ثورة تعود، ونحن فعلا نخوض ثورة جديدة لبناء جمهورية جديدة، بعيدا عن الماضي المرهون والمركون الذي يريد أن يبقي عليه اليوم ماكرون.. وهو الأمر الذي أزعج استعمار الأمس، فهبّ من خلال اللوبيات التي تحنُّ إلى زمن كانت الجزائر فيه مستباحة، وحظيرة خلفية لهم.

اليوم، نحن نبني بلدا جديا على أسُس جديدة أساسها الندية السياسية والقوة الاقتصادية والاستقلال الشامل وشعبية النظام السياسي القائمة على ديمقراطية تشاركية موسّعة لا نخبوية ولا فئوية ولا جهوية، ولا رأسمال متوحش فيها: جمهورية اجتماعية ديمقراطية شعبية، لن يقبل أزلام الماضي المنتفع مع أركان النظام الاستعماري أن تتغير المعادلة، فيعمل يائسا على خلق الفتن الاجتماعية والاقتصادية طمعا في تغيير نهج الدولة ومخطط العلاج بالكي الذي ننتهجه حاليا.. مؤداه أنه سيخيب مسعاهم وظنهم بهذا الشعب الذي لن تنطلي عليه المؤامرات التي تحاك من خلف البحار وتحرّكها أيادي الإثم والعار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • أحمد امحمدي

    مقال جيد من شخص اصيل. بارك الله فيك