-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نوفمبر والوَحدة الوطنيّة

محمد بن قاسم ناصر بوحجام
  • 155
  • 0
نوفمبر والوَحدة الوطنيّة

تضمّنت وثيقة بيان أوّل نوفمبر 1954م مبادئ الثورة التّحريريّة الجزائريّة، التي اشتملت على قواعد العمل الثّوري التحرّري، من أجل الاستقلال عن العدوّ الفرنسي المحتلّ الغاشم، هذه القواعد كانت منبثقة من مبادئ الشّريعة الإسلاميّة، ومنبعثة من التّاريخ الوطني الخالص، ومتبلورة من الكفاح الوطني عبر مراحل المقاومات التي خاضها الشّعب الجزائري الحرّ الأبيّ العصيّ على الاستغلال والإذلال والاحتلال..

وثيقة أوّل نوفمبر هي الميثاق الأوّل لجبهة التّحرير الوطني، الذي أوجد القواعد التي تسير عليها الثّورة التّحريريّة الجزائريّة للـمُضيّ قدُما نحو الاستقلال واسترجاع السّيادة الوطنيّة، بافتكاك الحريّة والانعتاق من ربقة المستعمِر المستبدّ، ورسم مستقبل الجزائر، الذي هو الأمان والاستقرار والتّقدّم، والاستقلال عن أيّ تبعيّة لأي جهة مهما تكن، ومهما تملك من قوّة وسيطرة وسطوة..

من جملة ما تضمّنه البيان العملُ بقيمة الوَحدة في كلّ مجالاتها وفي كلّ مظاهرها؛ في العقيدة والتّراب والمقوّمات والمسير والمصير.. تتوحّد الجهودُ والطّاقات في العمل الثّوري التّحرّري في أثناء الثّورة المسلّحة والكفاح لطرد العدوّ من ترابها، والاتّحاد والوَحدة بعد الاستقلال في البناء والتّشييد من أجل جزائر قويّة متماسكة متحرّرة من كلّ سيطرة وتبعيّة في كلّ الميادين والمجالات.

حرصت وثيقة بيان أوّل نوفمبر على توضيح معنى “الوَحدة” التي يرنو إليها الشّعب الجزائري، إنّها الوحدة التي تشمل كلّ أفراد الشّعب الجزائري في كلّ ما يهمّه وما يخدم مصالحة العامّة، وليست الوحدة التي تكون في إطار حزب معيّن، أو جهة خاصّة أو طائفة محدّدة، الوَحدة التي تحارب النّعرات الطّائفيّة والتّكتّلات الحزبيّة والالتفافات الجهويّة…”… لغرس روح التّضامن والمقاومة المشتركة للدّخلاء، وتجاوز كلّ الخلافات، ونبذ كلّ أسباب التّفرقة والشّقاق، وتجنّب كلّ أنواع التّناحر. وقد حرص البيان على توجيه الطّاقات والمجهودات إلى العمل على الاستقلال واسترجاع السّيادة…” (محمد ناصر بوحجام، محاضرات عن الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، ص: 62).

البيان ذهب بعيدًا في تحديد الهدف المنشود في الثّورة التّحريريّة في مجال الوَحدة، إنّه “الاستقلال الوطني في إطار الشّمال الإفريقي”، “مع تحقيق وَحدة شمال إفريقيا في إطارها الطّبيعي العربي والإسلامي”.

حرصت وثيقة بيان أوّل نوفمبر على توضيح معنى الوَحدة التي يرنو إليها الشّعب الجزائري، إنّها الوحدة التي تشمل كلّ أفراد الشّعب الجزائري في كلّ ما يهمّه وما يخدم مصالحة العامّة، وليست الوحدة التي تكون في إطار حزب معيّن، أو جهة خاصّة أو طائفة محدّدة، الوَحدة التي تحارب النّعرات الطّائفيّة والتّكتّلات الحزبيّة والالتفافات الجهويّة.

 هذه هي الوَحدة التي ناشدها البيان، وجاهد الثّوّارُ والوطنيّون، كلٌّ في موقع عمله وطبيعة مسؤوليّته، ومدى ما يملك من إمكانات.. في سبيل تحقيقها، وضحّوا بالغالي والنّفيس من المال والنّفس والوقت والجهد… ليقدّموا الجزائرَ للأجيال المتلاحقة حرّة مستقلّة، متماسكة بِقِيمها ومقوّماتها، دينا ولغة وتاريخًا واجتماعًا وسياسة…

هذه مجموعة الـمقوّمات التي قامَت عليها الثّورة التّحريريّة؛ وَحدةً تضمن لها التّماسك في الدّفاع عن الحريّة والاستقلال، وهي أيضًا دعوة للاستمساك بها في كلّ مراحل الحياة لضمان الحياة الكريمة.

يُـحْتَفَى بشهر نوفمبر ليكون فرصة لتقديم رسائل في النّضال من أجل الدّفاع عن الكرامة والأصالة والسّيادة والوَحدة والبناء والخروج من دائرة التّبعيّة، والانفلات من مأزق االتّشرذم والتّمزّق والتّناحر، والارتفاع من وحل الخلافات والصّراعات.. لأنّ أوّل نوفمبر قام وانقدح الزّناد فيه للتّخلّص من هذه الأمراض والآفات المهلكة المبيدة للشّعب… فكان التّغيير نحو الصّلاح والفلاح والنّجاح.. قال مفدي زكريّاء:

نُفَمْبَرُ غَيَّرْتَ مَـجْرَى الـحَيَـاةِ وَكُنْتَ نُفَمْبَرُ !مَطْلَــــعَ فَجْــــــرِ
وَذَكَّرْتَنَــــا فِي الــجَزَائِــــر بَــــــدْرًا فَقُمْنَا نُضَاهِـــي صَحَابَةَ بَدْرِ

هلاّ أفدنا من هذه النّفحات واللّفحات والنّداءات والتّذكيرات.. ما يقوّم حياتنا، ويزكّي نفوسنَا، فنقوم بواجبنا نحو وطننا؛ عاملين على توحيد صفّه، وجمع كلمته، ومقاومة أعدائه، ومثابرين للارتفاع به إلى الذّرى في كلّ المجالات، انطلاقا من الوَحدة التي تضمن تماسكنا وتعاوننا وتضامننا في بنائه وإبعاد الأعداء عن حماه؟

الجزائر محاطة بمجموعة من الأعداء الذين يُجهدون أنفسهم ليُجهزوا عليها، ومهدّدة بعددٍ من المخطّطات التي تبغي الإطاحة بها، ومعرّضة لكثير من المؤامرات التي تريد لها أن تندحر وتنكسر وتنهار.. لهذا هي في حاجة إلى الوقوف لها في صفّ واحد وقلب واحد وكلمة واحدة وشعور واحد لحمايته من كلّ من يتربّص بها ويسعى للقضاء عليها.. ما يعين على العمل الوطني الخالص الصّادق هو تحلّينا بالوَحدة التي هي القوّة الضّاربة لكلّ اعتداء مهما يكن، وهي الضّامنة للتّمتّع بالمناعة والسّيادة.. هذا هو العهد الذي نضربه لوطننا الغالي ونحن نحتفل بشهر نوفمبر، آخر حلقات المقاومة والمجاهدة التي خاضها الشّعب الجزائري ضدّ الاستدمار الفرنسي، وبها وبعدها انتقلنا إلى معركة البناء والتّشييد لمعالم الحياة الكريمة..

نحن سائرون في هذه الطّريق بإذن الله، ولكن علينا أن ننتبه إلى أنّنا لن نستطيع البقاء في هذا النّهج السّليم والصّمود في هذا الدّرب القويم، ولن نظفر بالعيش الهنيء بالتّفرّق والتشتّت والتّناحر، إنّما تكون لنا الحياة السّعيدة بالاتّحاد والتّضامن والتّآزر والتّماسك.

سلامُنا لشهدائنا أن نكون أوفياء لعهدهم، مساندين لجهادهم، محافظين على مكاسبهم، متابعين لمسيرهم في التّحرّر من كلّ تبعيّة ومسيرة بعيدة عن أصالتنا ومبادئنا، فهم وفّروا لنا السّلام الذي نعيش به أعزّاء، فلنكن لهم أوفياء باتّحادنا أوّلا، ثمّ بخوض معركة البناء بقوّة وصدق وإخلاص.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!